شفافية: قضايا في ملف الباحثين عن عمل

محمد بن أحمد الشيزاوي –

(1)
قبل أيام كنتُ بصحبة سائق سيارة أجرة. سألته: هل لديك عمل آخر؟ قال: لا. أنا خريج جامعي منذ عام 2015. لا أزال أبحث عن عمل منذ أنهيتُ دراستي الجامعية في تخصص إدارة الأعمال. سألته: هل هذا العمل مربِح ويغنيك عن البحث عن وظيفة أخرى؟، أجاب: في بعض الأحيان تسير الأمور بشكل جيد خاصة في فصل الشتاء عندما نذهب إلى المطار لاستقبال السياح الأجانب. قاطعته: لكن ذهابكم إلى المطار مخالف للنظام؟ أجاب: فعلا مخالف للنظام لكننا إن لم نذهب لن نتمكن من الحصول على مصدر دخل.
(2)
أثار صاحب سيارة الأجرة الكثير من التساؤلات بشأن قضية الباحثين عن عمل خاصة الحاصلين على البكالوريوس الذين أمضوا عدة سنوات يبحثون عن وظيفة تناسب مؤهلاتهم لكنهم لم يجدوا؛ رغم أن خطط تنويع مصادر الدخل ينبغي أن تواكب زيادة أعداد مخرجات التعليم بحيث يتم استيعابهم في مؤسسات إنتاجية أو خدمية جديدة بدلا من أن يظلوا في سجل الباحثين عن عمل عدة سنوات أو أن يضغطوا على مهن أخرى لها أصحابها الذين يعملون فيها.
(3)
أحدث إحصائية عن الباحثين عن عمل التي نشرها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في عدد شهر أغسطس من النشرة الإحصائية الشهرية تشير إلى أن نسبة الباحثين عن عمل من حملة الشهادات الجامعية بلغت بنهاية يونيو الماضي 8.8%، وأن نسبة الباحثين عن عمل من حملة الدبلوم الجامعي بلغت 8.7%. وفي التفاصيل بلغت نسبة الذكور الباحثين عن عمل من حملة الشهادات الجامعية 2.8% والإناث 16.7%، وبلغت نسبة الذكور الباحثين عن عمل من حملة الدبلوم الجامعي 4% والإناث 16.3%.
(4)
في شهر أغسطس الماضي تم قبول 30 طالبا وطالبة فقط ببرنامج إعداد محاضرين في الكليات التقنية التي تشرف عليها وزارة القوى العاملة من بين مئات من الشباب العماني الذين اجتازوا الاختبارات الأولية وتأهلوا للمقابلات الشخصية وكانوا يطمحون إلى أن يساهموا في التنمية التي تشهدها البلاد، لكن حلمهم لم يتحقق. قيل إنه لا توجد مخصصات كافية لاستيعاب أعداد أكبر.
(5)
وفي المقابل تم قبل ذلك بأيام أي في الاجتماع السابع لمجلس المناقصات الذي عقد في 24 يوليو 2019 إسناد مناقصة «تقديم الخدمات التعليمية لمناهج الدراسات الأكاديمية والفنية للكليات التقنية التابعة لـوزارة القوى العاملـة لمدة ثلاث سنوات» بتكلفة تصل إلى نحو 114.4 مليون ريال عماني، والمعلوم أن الشركة التي رست عليها المناقصة لن تعمل على تأهيل الشباب العماني ولن تسعى إلى استقطابهم وإنما ستختار محاضرين للكليات التقنية من خارج السلطنة، أي أن المبلغ الذي سيتم دفعه للشركة لن تستفيد منه البلاد إلا لفترة محدودة في حين أننا لو استثمرنا في شبابنا لكسبنا الكثير.
(6)
ربما نجد في التعميم الذي أصدرته وزارة الخدمة المدنية الشهر الجاري «بشأن تعاقد بعض وحدات الخدمة المدنية مع شركات القطاع الخاص لسد احتياجات العمل إلى شغل الوظائف الشاغرة» ما يشير إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لتأهيل الشباب العماني؛ فقد أوضح أنه: تلاحظ لوزارة الخدمة المدنية قيام بعض وحدات الجهاز الإداري للدولة -المطبقة لقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية- في سد احتياجات العمل إلى شغل الوظائف الشاغرة من العمانيين عن طريق التعاقد مع بعض شركات القطاع الخاص مقابل التزام الوحدة بمبالغ يحددها العقد مع الشركة.
وانتقدت الوزارة هذا التصرف معتبرة أن التعاقد مع الشركات يجعل «العلاقة الوظيفية القانونية المباشرة تكون منحصرة بين الشركة والمرشح لتولي أعمال الوظيفة»، مؤكدة أن هذا التعاقد يتسم بأنه لا يراعي «قواعد وإجراءات التعيين في الإعلان والترشيح والاختيار باعتبار التعاقد بين الشركة والمرشح للتعيين في هذه الحالة لا يخضع للنظام القانوني الوظيفي المعمول به في الوحدة التي بها الوظيفة الشاغرة»، موضحة أنه يسفر عن هذا الإجراء «عدم تحقيق المساواة في تولي الوظائف العامة أو الالتزام باشتراطات شغل هذه الوظائف من مؤهل وخبرة عملية معينة مطلوبة طبقا لبطاقات وصف الوظائف».
فهل يعني هذا أن الأموال التي يتم صرفها حاليا على التعاقد مع الشركات سوف تذهب لتأهيل الشباب العماني ليقودوا دفة التعليم العالي في السلطنة؟. هذا ما نتطلع إليه وشبابنا قادر على ذلك، وهو ما ينبغي أن يحظى بالاهتمام بدلا من أن نتركهم ينافسون أصحاب سيارات الأجرة في عملهم أو أن ينافسوا غيرهم في مصدر رزقهم.