دول مجلس التعاون الخليجي.. وحدة اجتماعية وسكانية عبر التاريخ

عادات وتقاليد كرسها المجلس ولا بديل للمواطنين عنها –

تقرير ـ مزنة الفهدية –

لا يمكن النظر إلى دول الخليج العربي إلا باعتبارها وحدة إنسانية وجغرافية واحدة. فكما أن المكان يشكل وحدة جغرافية واحدة لها نفس الامتدادات، فإن البشر أيضا يشكلون وحدة سكانية متشابهة ومتماسة تماما. وبالنظر إلى التاريخ القديم يتضح كيف ساهمت الهجرات والترحال في ربوع الجزيرة العربية في بناء وشائج القربى والنسيج الاجتماعي الواحد تقريبا. وقبل الحدود ونشوء بعض الدول الوطينة الحديثة كانت وحدة القبيلة هي المسؤولة عن بناء تلك الوحدة. وساهمت الدولة الوطنية في تعزيز وتكريس الوحدة الوطنية بين أبناء دول مجلس التعاون، لكن ظهور مجلس التعاون الخليجي باعتباره كيانا سياسيا إقليميا عزز توجهاته وقراراته فكرة التقارب الخليجي الذي قام في الأساس على فكرة اللغة العربية التي تشكل جوهر القومية العربية بالاضافة الى الدين الاسلامي الذي شكل أحد أهم مفردات التقارب بين دول مجلس التعاون عبر التاريخ علاوة على العادات والتقاليد والمصير المشترك، فالأخطار الخارجية التي ظلت تهدد منطقة الجزيرة العربية عبر التاريخ كانت تطال الجميع دون استثناء.
ولا يمكن اليوم النظر إلى مجلس التعاون الخليج وما حققه من إنجازات دون النظر إلى الجوانب الاجتماعية وإلى العادات والتقاليد التي شكلت التماسك الاجتماعي بين الخليج العربي باعتباره وحدة سكانية واحدة.
وهذه الفكرة تستحق الوقوف معها طويلا، فلا يمكن بأي حال من الأحوال على المستوى الشعبي أن ينظر للسكان إلا باعتبارهم وحدة واحدة غير قابلة للتشظي.
ويرتبط سكان الخليج العربي بعادات وتقاليد واحدة ساهمت في بناء علاقات اجتماعية فيما بينهم، بالإضافة إلى عمل اجتماعي مشترك يتضمن عـدة جوانب منها المرأة والطفولة والأسـرة، وذوي الإعاقة، والتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية، وتتم جهود التعاون والعمل المشترك بالتنسيق بين الأمانة العامة لمجلس التعاون والمكتب التنفيذي لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية، الذي يمارس نشاطه وفقاً لنظامه الأساسي لتحقيق التنسيق والتعاون وتبادل الخبرة.

خصائص المجتمع الخليجي

يمتاز المجتمع الخليجي بعقيدته الإسلامية، وتُعدُ منطقة الخليج من المناطق النادرة في العالم التي يعتنق جميع سكانها ديناً واحداً وهو الإسلام بنسبة (100%) تقريباً؛ وهذه الوحدة الدينية في الواقع هي نقطة القوة الكبرى في بناء الوطن وتماسـك المجتمعـات، كما أن اللغة العربية هي اللغة الوحيـدة والرسمية في المنطقة؛ ومن هنا بقيت لغة المجتمع هي اللغة العربية صافية سليمة النسيج، وصارت وسيلة واضحة للتفاهم بين السكان ونقل أفكارهم وترابطهـم والتعبير عن آمـالهم وطموحاتـهم، ويزداد المعنى السياسي وضـوحاً لميزة اللغـة عند مقـارنة مساحة منطقة كبيرة مثل منطقة الخليج بنظيراتـها من المناطق الأخرى التي يمثـل فيها تعدد اللغـات واللهجـات أحد الفتائل المفجرة للقلاقل والنـزاعات الداخـلية، ولقد أثر هـذان العاملان – الدين الواحد واللغة الواحدة – بشكل كبير في مجرى حياة المجتمع الخليجي وكانا عاملين قويين لترابط المجتمع وتماسكه.

التباين الجغرافي

أثر التباين الجغرافي بين دول الخليج في اختلاف الحرف والمهن، والأدوار الاجتماعية للأفراد في كل منطقة، فالمناطق الساحلية عرف عنها الانفتاح على العالم من خلال استقبالها للسفن التجارية والقوافل التجارية، وأصبحت مناطق جذب سكاني، في حين نجد المناطق الداخلية انتشرت بينها الزراعة والرعي والتجارة على أنها حرفة رئيسية، وهكذا فكل منطقة لها تميزها الحرفي والمهني الخاص بها، مما يترتب عليه رسم الصورة الاجتماعية للحياة اليومية لأفراد المجتمع بناء على هذا التفاوت الجغرافي والتباين الاقتصادي والمهني، وما يترتب على ذلك من اختلاف في بقية مناحي الحياة اليومية ومنها العلاقات التبادلية بين أفراد المجتمع الواحد.

تطوير واقع المرأة

حظيت جوانب العمل الاجتماعي باهتمام أصحاب الجلالة والسمو قادة دول المجلس على الدوام ودائما ما يوجهون الهيئة الاستشارية بتقديم مرئياتها حول وسائل تطوير واقع المرأة في دول المجلــس وتأكيد دورها الاقتصـادي والاجتماعـي والأســـري.
ودرســت الهيئة الموضوع وقدمت مرئياتها إلى المجلس الأعلى ضمن عدة محاور منها ضرورة تعزيز مسـاهمة المرأة ودعم دورها ، وتمكينها من المشاركة الفاعلة والمؤثرة في حركة المجتمع وتطويره ، مع تحقيق مشاركة أوسع لها في المراكز القيادية ومواقع اتخاذ القرار ، مؤكدة على القيم والمبادئ الإسلامية والعربية التي تعمل على تكامل أدوار المرأة والرجل ، وضرورة بحث قضـايا المرأة بصورة مستمرة ، من خلال تشجيع البحوث والدراسات التي تهتم بقضاياها ، وإنشاء قواعد للبيانات الإحصائية والبحثية لتوفير المعلومات المساندة لرسم السياسات والخطط في مجال المرأة.

النهوض بالطفولة

مثلت الطفولة وكيفية النهوض بها جانباً مهما في عمل المجلس، حيث بذلت جهود مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) لتحديد أولويات وأساليب العمل للنهوض بالطفولة، وأوصى الاجتماع الذي دعت إليه الأمانة العامة بالتنسـيق مع المنظمة بإنشـاء لجنـة تنسـيقية متخصصـة في مجـال الطفولة، تتكون من أعضاء يمثلون الجهات الرسمية والجهات الأهلية ذات العلاقة بتقديم خدمات الطفولة.
كما أنجز بالتعاون مع مكتب المنظمة بمنطقة الخليج العربية دراسة عن واقع خدمات رعاية الطفولة في دول مجلس التعاون وكيفية النهوض بها، بغرض اتخاذ اللازم نحو تطوير تلك الخدمات.
وتسعى دول المجلس إلى التنسيق فيما بينها لجهود التعاون التي تبذلها مع المؤسسات والهيئات العاملة في مجال الطفولة على مسـتوى دول المجلـس والمسـتويين العربي والدولي، وفي إقامة الفعاليات والنشاطات، حيث عقد في دبي خلال شهر مارس 2006، وبالتعاون مع إدارة جائزة الشيخة لطيفة بنت محمد لإبداعات الطفولة، المؤتمر الأول للطفولة تحت شعار «الطفولة مسؤولية مشتركة».

خدمة ذوي الإعاقة

في مجال خدمة ذوي الإعاقة، فقد تم تشكيل لجنة تنسيقية لذوي الإعاقة بدول المجلس تجتمع بشكل دوري لمتابعة جهود التنسيق والتعاون بين الدول الأعضاء في هذا المجال.

عادات وتقاليد مشتركة

تعتبر المجالس في دول الخليج العربي من أهم العادات المتبعة في المجتمعات الخليجية، وتحتل ركناً أساسياً في قلوبهم؛ لما لها من أهمية في تعزيز العلاقات، والتواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
كما أن علاقات أفراد المجتمع تتكون عبر عدد من الوظائف والأدوار الاجتماعية، التي يقوم بها أفراد المجتمع الواحد في عمليات مترابطة ومكملة لبعضها بعضاً لتتوحد في محصلة نهائية يطلق عليها البناء الاجتماعي، كما يقومون بأدوار تتلاءم مع مراكزهم ومكاناتهم، ويساعد ذلك كثيراً في تحليل العلاقات الاجتماعية وتصور مساراتها، ويترتب على تلك العلاقات نشوء قيم ومعايير معينة تحدد الأدوار التي يجب على كل فرد أن ينصاع لها ويتقيد بها، وبخاصة أن هذه العلاقات ليست جامدة، بل هي متغيرة من وقت لآخر، وتختلف سرعة التغيير ودرجته من حين لآخر.
وتشترك دول الخليج في وجود المجلس الذي يقوم بالعديد من الوظائف الثقافية والاجتماعية، ولذا حرص أفراد المجتمع الخليجي على استمراريته والمحافظة على دوره؛ بوصفه جسراً للتواصل والحوار، وبناء العلاقات الاجتماعية، حيث تعتبر المجالس مدارس، تحمل على عاتقها الترابط الاجتماعي بين أبناء المجتمع؛ وذلك لما تشكله من رمز للترابط الاجتماعي، وانعكاس للتراث العريق، وذلك للإبقاء على النسيج الاجتماعي، والترابط الشعبي.
جسور التماسك

وما زالت المجالس في الخليج تتميز بالطيبة، وجسور التماسك، التي لم تنقطع عبر عصور وعهود مختلفة، سواء قبل حقبة النفط أو بعد التطور الاجتماعي، الذي ظهر مع التطور الاقتصادي في المجتمع الخليجي، حيث لا يزال أفراد المجتمع الخليجي يحرصون على الحضور، والزيارات المتبادلة، وتتحول المجالس إلى مراكز تروي قصصاً تاريخية واجتماعية عن تغيرات المجتمع، والعمل على الحفاظ على هذه العادات الخليجية المتميزة منذ مئات السنين، التي لم تتغير بسبب التغيرات الاقتصادية.
وللمجالس عادات خاصة في المناسبات الاجتماعية والدينية الأخرى؛ مثل مجالس رمضان، ومناسبات الأعياد، حيث يحرص الجميع على تبادل الزيارات، والانتقال من مجلس إلى مجلس؛ لإلقاء التحية والتهاني والتبريك بهذه المناسبات، ما يعزز الترابط الاجتماعي، ويزيد من التواصل بين أفراد المجتمع الخليجي، الذي يحرص على التزاور، سواء في المناسبات الاجتماعية، أو حتى في الأيام الأخرى، حيث إن المجالس لا تغلق أبوابها أبداً أمام الضيوف في أي وقت.

تعليم العادات

ولا تقف المجالس عند هذا الحد، فهي تعتبر مدارس، ومراكز لتعليم التراث، ونقل العادات والتقاليد إلى الأجيال القادمة، فالصغار من خلال الحضور والمداومة على هذه المجالس يتعلمون من الكبار العادات والتقاليد الاجتماعية، وخاصة في كيفية احترام الضيف وتوقيره، وتعلم آداب المجالس، وكيفية التعامل مع الحضور، فينشأ الصغار نشأة اجتماعية صحيحة، تعزز من الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع.
كما أن اللجنة الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي باليونسكو، أقرت إدراج ثلاثة ملفات مشتركة تقدمت بها دولة الإمارات بالتعاون مع دول خليجية؛ لتسجيل القهوة العربية، والمجالس، والرزفة في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو.
الجدير بالذكر، جاء ذلك بحسب ما تمّ ذكره في الموقع الالكتروني للأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي.