أهداف العملية التعليمية

د. سعيد بن سليمان الوائلي/ كلية العلوم الشرعية – مسقط –

«أعلى أهداف العملية التعليمية أن يعمل العامل بما علم، ويطبق ما تعلم، ليفيد نفسه وغيره، فتتحقق الفوائد الكثيرة الظاهرة والباطنة من التعليم في الجانب العملي على مستويات كثيرة وفي مجالات متعددة، ومن أبرزها ما يكون في جانب التخلي: من البعد عن كل ضرر وفساد وإفساد، يؤثر على الحياة في مستوى الفرد وغيره، وفي الجانب الإيجابي: ما يكون من الإصلاح والإحسان والإنتاج المفيد لمن يعمل ومن يتعامل معه ومع ما حوله في أدوار الحياة، كل ذلك في زمن قريب أو بعيد».

العلم نور ينفي مهالك الردى الناتجة عن الأمية والجهل، ويقضي على مسببات الهلاك والعواقب الوخيمة، فالذي يجعل القلب مبصرا من الطبيعي أن يثنى عليه ويكون محمودا عند أصحاب العقول السليمة، ولذلك كان السعي للقضاء على الأمية ومحوها من الوجود من قبل المهتمين بإنشاء المجتمعات المدنية، على المستوى المحلي والمستوى الدولي، ويأتي اليوم العالمي لمحو الأمية ليذكرنا بالأدوار القائمة والجهود المبذولة في سبيل ذلك.
فتتحقق لنا قيمة العلم في الحياة بإدراك محامده، ويكون البعد عن الجهل والأمية بإدراك ما يذم به، فقد قيل في النظم:
العلم درك القلب مثل البصر … يكون درك العين عند النظر
وهو على الإطلاق محمود لما … جاء من الثناء فيه فاعلما
ولا يــذم أبـدا وإنما … يذم مـا كان شبيها بالعمى
وذاك جهل عندنا مركب … صاحبه عن الهدى مجنب
ونجد في كتاب الله العزيز الإشارة واضحة إلى أهمية العلم والتعلم عندما ذكر تعالى أنه أخرج الإنسان من بطن أمه لا يعلم شيئا، وجعل له من وسائل الإدراك ما يبلغه درجات أهل العلم، فقال سبحانه: (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).. ومما هو مستنكر طبعا وعقلا استواء من اتصف بشيء من العلم مع من كان منه خواء، (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).. فطبعا لا يستوون.
لقد فضل الله تعالى الذين أوتوا العلم على غيرهم بما يحملونه من أنوار الهدى والمعرفة، وجعلهم أصحاب قيم ومبادئ، وتزيدهم قيمة العلم مراتب عالية في مكانتهم (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، هذا بجانب الأحاديث المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان أهمية العلم وفضل طالبه وأجر الساعي إليه ومعلمه والعامل به، كقوله صلى الله عليه وسلم: «تعلموا العلم فإن تعلمه قربة إلى الله عز وجل، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وإن العلم لينزل بصاحبه في موضع الشرف والرفعة، والعلم زين لأهله في الدنيا والآخرة».
ولقد كان للحكومة بقيادة سلطان البلاد المفدى -حفظه الله تعالى- اهتمام بارز لمحو الأمية والقضاء عليها، حيث عملت على إعلاء لواء العلم؛ من منطلق أن العلم رسالة وأي رسالة.. فهي رسالة متصلة برسالة الإسلام الحنيف، فقد نزلت آيات القرآن الكريم وهي أساس العلم الشرعي تدعو إلى العلم، وكان أولها الأمر بالقراءة بقوله تعالى: (اقرأ)، والنص القرآني واضح: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). إلى غير ذلك من نصوص شرعية تبيّن للناس مكانة العلم وأهله، وثواب طلبه والسعي إليه.
وقد جاء في الخطاب السامي لجلالة السلطان قابوس ما يؤكد هذا المنطلق بقوله: (إننا نعيش عصر العلم ونشهد تقدمه المتلاحق في جميع المجالات، وإن ذلك ليزيدنا يقينا بأن العلم والعمل الجادّ هما معا وسيلتنا لمواجهة تحديات هذا العصر وبناء نهضة قوية ومزدهرة على أساس من قيمنا الإسلامية والحضارية). فالأساس العلمي القائم على القيم الإسلامية له مراعاة خاصة في توجيهات قائد البلاد المفدى منذ الفترة الأولى لوضع سياسات السلطنة العمانية. وفي خطاب آخر لصاحب الجلالة يبين فيه أن الحكومة تولي عناية تامة بالعملية التعليمية، جاء فيه: (لذلك أولينا التعليم عناية تامة، فأنشأنا المؤسسات الحكومية التي تعنى بجوانب التعليم والبحث العلمي، وفتحنا المجال أمام القطاع الخاص، بل شجعناه وقدمنا له التسهيلات المناسبة والدعم المادي والمعنوي في هذا الشأن).
وقد سعت تلك الجهات إلى أن تغرس في نفوس الأفراد قيمة العلم، بعد القضاء على بذور الجهل والفوضى، بالتعامل مع أصول المعرفة ومصادر العلم على أعلى مستوى من الاحترام والتقدير، والصيانة والتأصيل، حتى يدرك كل من يتعامل مع أدواته أنّ له قيمة معنوية.. بل له قيمة متصلة بالحياة الإنسانية التي نحياها، وهي قيمة عالية الأصل والفرع، كريمة المبدأ والمنتهى. من هنا لا يفوتنا أن نسجل في هذا المقام معاني الشكر والعرفان، لتلك الجهات التي تعتني بالجانب العلمي في عمارتها للمنشآت العلمية من مدارس ومعاهد وكليات وجامعات، وما يتعلق بها من أمور مادية قد أوليت من الاهتمام والرعاية ما يشهد به الجميع، وإننا لنطمح أن تتضافر الجهود وتتكاثف في الجانب المعنوي كما كان الاهتمام بالجانب المادي، ويكون ذلك بمثل التشجيع والتحفيز وبرامج التثقيف والتوعية والوعظ والإرشاد بصورة أكبر مما هي عليه، لتصبغ الحياة بالعلم والمعرفة، ويدرك كل فرد من صغار وكبار قيمة أدوات العلم ومفردات المعرفة.. وحتى تكون الأجواء مهيأة لطلاب العلم والمعرفة لتحصيل أكبر ونفع أعم.
بالإضافة إلى ذلك، نشير إلى الحياة السلبية والجانب المظلم مع انعدام العلم، فإن الناظر إلى الحياة في حال عدم العلم يجد سوادا مظلما، بل يلحظ ظلمات معتمة متعددة، وسواء عبر عنه بالجهل أم بالأمية أم بغير ذلك، فإن عدم العلم يوصل إلى المرتع الوخيم والحال السيئ والعاقبة الدنية، فلا يستقيم حال بدون علمٍ يضبط الأمور ويصلح المكسور ويقوم الاعوجاج.. وهذا ما يجعل للعلم أهمية بارزة وحاجة ملحّة، حيث يحتاج إليه في كل أمر لإثباته وقيامه واستقامته وتمامه، سواء أكان ذلك من أمور الدين أم من أمور الدنيا، (فمن أراد الدين فعليه بالعلم، ومن أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أرادهما معا فعليه بالعلم)، والنظرة الواقعية تأكد ذلك الخبر، وإن كانت فنون العلم والمعرفة فوق حد النظر، فلا يتحقق بلوغ الإنسان لمراده بمجرد الأماني والآمال متخبطا في طريقه بدون زاد من العلم، متكلا على الحظوظ، بل سعيه لابد أن يكون بمعرفة للطريق وإدراك للمعالم وتعامل مع الوسائل والأدوات وعلم بالخطى والخطوات. وإن من العبارات التي لا تغيب عن الأذهان، والتي لها أثرها في السعي وراء العلم وتجنب ما يلازم الجهل من الأمية والجهالة ما يقال: العلم نور والجهل ظلام، وشعار أن المرء عدو ما جهل. ومقولة : قاتل الله الجهل ما أقبحه.
من أجل ذلك كان في أعلى أهداف العملية التعليمية أن يعمل العامل بما علم، ويطبق ما تعلم، ليفيد نفسه وغيره، فتتحقق الفوائد الكثيرة الظاهرة والباطنة من التعليم في الجانب العملي على مستويات كثيرة وفي مجالات متعددة، ومن أبرزها ما يكون في جانب التخلي: من البعد عن كل ضرر وفساد وإفساد، يؤثر على الحياة في مستوى الفرد وغيره، وفي الجانب الإيجابي: ما يكون من الإصلاح والإحسان والإنتاج المفيد لمن يعمل ومن يتعامل معه ومع ما حوله في أدوار الحياة، كل ذلك في زمن قريب أو بعيد. فالإخلاص والعمل بالعلم، أهداف رئيسة للتعليم، وما عداهما تبع لهما: من الإتقان وإحسان العمل، وخدمة المجتمع والوطن، وتوظيف الجوانب العلمية في الحياة، والتجديد للموارد… وغير ذلك. والله الموفق إلى السداد في القول والعمل.