التعليم العالي في عمان يرسخ اقتصاد المعرفة

د. أحمد سيد أحمد –

ترتكز فلسفة التنمية المستدامة والشاملة والنهضة العمانية على فلسفة واضحة ومحددة تبنتها حكومة السلطنة بقيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم منذ اليوم الأول في الحكم وهي أن الإنسان العماني هو غاية التنمية وأداتها ومحورها الأساسي الذي تدور حوله.
ولذلك ترجمت تلك الفلسفة في السياسات والتوجهات والاستراتيجيات التي تقوم بشكل أساسي على الاستثمار في المواطن العماني سواء في صحته وتمتعه بالعافية التي تمكنه من الاستمتاع بالحياة وأن يكون مواطنا نافعا لنفسه ومجتمعه، أو سواء في عقله وتطوير قدراته ومهاراته وتسليحه بأحدث مهارات ومقومات العصر والعلم الحديث حتى يكون قادرا على التعايش والتعامل مع متغيرات العصر الحديث وعلى مواكبة التطورات الكبيرة التي يشهدها سوق العمل.
ونظرا لأن الاقتصاد الآن أصبح يقوم على اقتصاد المعرفة وعلى مهارات الابتكار والإبداع، حيث انتقلت البشرية من الثورة الزراعية إلى الثورة الصناعية ثم إلى طور الثورة المعرفية القائمة على التكنولوجيا الحديثة وتوظيف المعرفة لتحقيق التنمية، فقد استبقت سلطنة عمان كثيرا من الدول مبكرا في الالتفات إلى أهمية الثورة المعرفية وتبني اقتصاد المعرفة، ومن ثم كان مدخلها الأساسي هو التعليم وتطوير قدرات الإنسان العماني وربطه بالاقتصاد والتنمية وسوق العمل وذلك من عدة محاور:
أولا: شهد التعليم ما قبل الجامعي بشكل عام والتعليم العالي بشكل خاص في عمان طفرة كبيرة سواء من ناحية الكم أو من ناحية الكيف خلال العقود السابقة، فقد كان التعليم في سلطنة عُمان قبل 1970 منحصرًا تقريبًا على المجموعات الإسلامية وأنشطتها، وكانت الدولة تضم 3 مدارس فقط في كل أنحائها، وتضم 909 طلاب فقط من الذكور ولا يوجد تعليم الإناث. وبعد عام 1970 شهدت البلاد طفرة نوعية في المدارس والجامعات الخاصة والعامة، حيث تشكل نفقات التعليم في عمان 5.01% من إجمالي النفقات العامة في الدولة، و تُقدم التعليم بصورة مجانية للجميع. ويوجد في عموم السلطنة 1647 مدرسة، يبلغ عدد المدرسين فيها 67.901 معلم، ويبلغ مجموع الطلبة فيها 724.395 طالبا وطالبة.
وقد شهدت مؤسسات التعليم العالي طفرة كبيرة أيضا حيث تضم سلطنة عمان عددا من مؤسسات التعليم العالي، من جامعات وكليات وعلى رأس الجامعات جامعة السلطان قابوس. كما تضم أيضا بعض المعاهد التي تعتبر فروعًا معترفًا بها لكليات ومعاهد في أمريكا وانجلترا وغيرها من الدول. وتُقدم هذه الكليات التعليم الجامعي في مجالات الهندسة والطب والعلوم والتكنولوجيا. كما تضم السلطنة عددًا من المدارس والكليات والمعاهد والجامعات الأجنبية، خاصة من أمريكا وانجلترا وكندا، وغيرها من الدول الغربية، ويصل مجموع عدد الطلبة الذين يدرسون فيها إلى نحو 65 ألف طالب. وكل ذلك يثبت أن التعليم بشقيه ما قبل الجامعي والتعليم العالي يمثل أولوية قصوى لدى سلطنة عمان وهو ما انعكس في تراجع نسبة الأمية وارتفاع عدد المتعلمين في السلطنة وتوفير التعليم مجانا لكل المواطنين.
ثانيا: تطوير محتوى التعليم: فالتعليم في عمان ليس فقط مجرد تعليم القراءة والكتابة ومحو الأمية الكتابية، ولكنه يقوم بالأساس على تنمية مهارات التفكير والإبداع والابتكار والفهم وتدعيم طرق التفكير غير التقليدية وبناء العقل النقدي الواعي بواجباته ومسؤولياته تجاه مجتمعه ودولته وتأكيد الهوية الوطنية العمانية، وذلك من خلال التدريب المستمر للمعلمين على كيفية تدريس العلوم الحديثة وكذلك تطوير محتوى ومضمون المناهج التعليمية، إضافة إلى إرسال البعثات العلمية العمانية إلى كافة الدول المتقدمة خاصة في أمريكا وكندا وأوروبا واليابان لتحصيل أحدث ما توصلت إليه المعارف الحديثة في كافة المجالات والاستفادة من التجارب التعليمية للدول الأخرى المتقدمة، كذلك التوسع في المدارس والجامعات الأجنبية لاستقدام المهارات الحديثة وفنون التدريس المتقدمة من الخارج لتحقيق التلاقح بين التعليم العماني والتعليم الأجنبي بما ينعكس إيجابا على مهارات وفنون الطالب العماني.
ثالثا: الربط بين التعليم والاقتصاد: حيث تقوم فلسفة التعليم العالي في عمان على الربط بين التعليم والتنمية واقتصاد المعرفة،وذلك من خلال ربط مخرجات التعليم بسوق العمل ومتطلباته عبر التوسع في الكليات والتخصصات العلمية المطلوبة لسوق العمل خاصة في مجالات التكنولوجيا والهندسة وكل ما يتعلق باقتصاد المعرفة وذلك لتلبية الاحتياجات المستمرة والمتزايدة لسوق العمل العماني من المهارات و الأيدي العاملة في ظل ارتفاع معدلات التنمية والنهضة التنموية الشاملة التي تشهدها البلاد والتوسع في المشروعات التنموية العملاقة في المناطق الصناعية والمناطق الحرة كالدقم وصلالة وصحار وغيرها من المشروعات الضخمة التي تقوم على اقتصاد المعرفة ومشروعات ريادة الأعمال والابتكار التي تتبناها السلطنة وتعطى لها الأولوية القصوى لمواكبة متغيرات وعلوم العصر الحديث والاندماج في اقتصاد العولمة واستقطاب الاستثمارات الأجنبية في ظل تهيئة الدولة لمناخ الاستثمار سواء المحلي أو الأجنبي الذي ارتفع بشكل كبير خلال السنوات الماضية حيث تجتذب عمان العديد من الشركات الأجنبية متعددة الجنسية تعمل في الدقم وصلالة وصحار وفي كثير من محافظات السلطنة، كما أن هذا التوجه يعد ترجمة للتنمية البشرية التي تتبناها عمان والتوسع في المشروعات القائمة على اقتصاد المعرفة والابتكار كذلك التوسع في مشروعات ريادة الأعمال التي تحظى فيها السلطنة بميزات نسبية كبيرة جعلها في مراتب متقدمة محليا وعالميا في قطاع ريادة الأعمال والابتكار.
كذلك تتبنى الدولة سياسة التعمين القائمة على إحلال الأيدي العمانية محل الأيدي الأجنبية ، وذلك في إطار أهداف مهمة ومحورية وتوفير المزيد من فرص العمل للمواطن العماني وتعزيز الهوية الوطنية وتقليل الاعتماد على القوى الوافدة، وقد أتت مشاريع التعمين أكلها في القطاع المصرفي والمالي بتعمين ما نسبته 90% على الأقل في القطاعين، كما أصبح 80% من المعلمين في النظام التعليمي من العُمانيين أيضا، كذلك يشكل العمانيون نسبة كبيرة من المشروعات القومية الكبرى كذلك مشروعات القطاع الخاص العماني.
ان اهتمام الدولة العمانية بالتعليم العالي وتطويره والتوسع فيه لمواكبة اقتصاد المعرفة والابتكار يأتي في سياق النهضة العمانية القائمة على تنويع مصادر الدخل العماني وتقليل الاعتماد على الدخل من مصادر النفط، والتوسع في مصادر الدخل غير النفطية خاصة في قطاعات السياحة والزراعة والصناعة والخدمات والثروة السمكية ومشروعات ريادة الأعمال، ولذلك فإن السلطنة تتبنى استراتيجية المسارات المتوازية والمتكاملة، حيث يسير مسار الاهتمام بالتعليم العالي وتطويره والاهتمام بالثروة البشرية المتمثلة في الإنسان العماني مع مسار التنمية المتكاملة والشاملة في كافة القطاعات الاقتصادية مع مسار الربط بين التعليم والتنمية وتطوير قدرات ومهارات الإنسان العماني، وهذه الاستراتيجية أتت أكلها في النهضة العمانية الكبيرة اقتصاديا وعكستها المؤشرات الاقتصادية المتعددة، وكذلك في المشروعات الكبيرة المقامة في كافة محافظات السلطنة، وتؤكد كلها أن عمان تسير على الطريق الصحيح وأنها استبقت الكثير من الدول في الاهتمام بالإنسان باعتباره الثروة الحقيقية التي تمتلكها الدول والمجتمعات، وهو ما وضع عمان في مكانة متميزة على الخريطة العالمية سواء في مجال التنمية البشرية أو في مجال الابتكار ومشروعات ريادة الأعمال أو في مجال التنمية المستدامة، وهو ما جعل عمان نموذجا يحتذى ليس فقط إقليميا وإنما أيضا دوليا.