العين .. قريةٌ تؤجج الذكريات وتسترجع الصور

  

على ضفاف فلج السواد –

الكلمة والصورة – بشاير السليمية –

بدت قرية «العين» بولاية إزكي خالية في أحد نهارات الشتاء الخجولة، إلا من صبية صغار يسبحون في فلجها «فلج السواد»، يستعرض أحدهم قدراته في الغوص والطفو على سطح الفلج، ويشجع أخته التي بدت تصغره بثلاث سنين على مشاركته السباحة لكنها تأبى ذلك، ثم بعد بعض الوقت أتت أختهم الكبرى معلقة على كتفها ملابس جافة وفوطة كبيرة، تلف أشقاءها بالفوطة مرة واحدة من أجل التنشيف، كمن يلف ثلاث قطع من السجق في خبزة واحدة. ناولتهم ملابسهم الجافة وأقفلوا عائدين إلى البيت. وما أن بدأت شمس الظهيرة ببث حرارتها الدافئة، حتى سكن المكان. تخرج أحد النساء من منزل مقابل للقرية بصحبة أواني الغداء، الغداء الذي ما انفكت رائحته تنبعث من البيوت الجديدة المجاورة، لتعبئ حارة العين التي استعادت على إثرها موائد الزمان البعيد الذي يجتمع فيه أهلها على أطباق «القاشع» و«العوال» والحُب.

قد تتكرر هذه المشاهد دائما وأنت تهم بالنزول من سيارتك حين تصل «العين»، هذه القرية التي يشق الفلج فيها الأرض، عابرا بين البيوت التي لا يسكنها أحد، البيوت التي وإن لم تدخلها -بمجرد تفكيرك بسكان المكان- تطل شجرة المانجو الكبيرة من الأعالي، الشجرة التي زرعها أهل البيت منذ زمن ليس بقريب، فغادروها إلى مدن أفسح وأوسع لتبقى شجرة المانجو وحيدة تغني على إيقاع خرير فلج السواد، ورقص النخيل.
سألت العم «ساعد بن عويض التوبي» وهو أحد ممن سكنوا العين وعاشوا فيها لسنين طوال عما تعنيه له هذه القرية الهادئة فتغنى بها قائلا: «عين السواد وحسنها..تحت ظل الجبال الراسيات ضياؤها» وتابع بمقطع بدا جزءًا من قصيدة طويلة، فسألته عن العين وتسمية فلجها بالسواد فقال إنهما تأسسا في آن معا بإمطي الواقعة في ولاية إزكي فكانا العين وسوادها.
ثم سألته لمَ تركتم «العين» وحيدة؟ فقال: «البيوت القديمة تتسع لثلاثة، أحد الثلاثة تكون الشاه التي تنام عند أرجلنا قبل أن نذبحها لوجبة غداء، فأردنا أن نتوسع، ثم إن الحاجة للكهرباء هي من أجبرنا على الخروج منها، فخرجنا»، وأضاف بشيء من الحزن الشفيف: «في تلك الأيام كانت الكهرباء لم تصل للعين بعد وإلا لما خرجنا منها البتة، لكن ما دام الفلج موجودا ومارا تحت البيوت لن تفنى «العين».
وحين لملمت الشمس أشعتها في الحقائب، وبدأت تستعد لسفرها نحو المغيب، كان جمع من الرجال الكبار يقفون أمام مدخل العين، والهواء الخفيف يحرك الأثواب أجزاء من طرابيش العمامة العمانية فوق الرؤوس، فكان أن بدا العم سيف بن سعيد التوبي متحمسا كمن يريد في عجلة من أمره أن يروي شيئا ما قبل أن ينساه ، فسرت برفقته وسط البيوت القديمة وهدوء الهجر الطويل، فحدثني عن مكان جلوس الحرس، ومدخل المسجد، والسبلة. فسألته عن عمره آنذاك فقال: «كنت ولدا صغيرا في الثانية عشرة ألعب وأتنزه، وحين يتجمعون من أجل القهوة وقت العصر أكون حاضرا بينهم حتى يحين وقت العشاء، فيذهب كل منا إلى بيته».
– ألا تشتاق لكل ذلك؟
قال بحزم: «لا. لا أشتاق؛ لأن حياتنا كانت صعبة. وإن كنت أشتاق لشيء فإني أشتاق للأهل و(الفائتين) الذين كانوا هنا، ولم يبق منهم إلا أحفادهم، لكن الماء جار هل بمقدورك إرجاعه للخلف؟ نحن كذلك نجري إلى مصيرهم لا محالة»
– ما الذي كنت تفعله وتملأ به وقتك في الطفولة؟
«كنت ألعب ، وأستمتع بتعلم الرماية. عندي (تفق) صغير، وكنت أصطاد الطيور، وأحرث وأرعى الأغنام في العصرية وأشرب الحليب». وحين وصلنا أخيرا لبيته الأول في العين أشار إليه في الأعلى قائلا: «هذا بيتي الذي ولدت فيه» وواصل ممازحا: «هل تستطيعين التسلق إليه؟»، «بالطبع لا» قلت له، لكن صبيا صغيرا سمع ما دار بيننا وصعد عاليا مخرجا رأسه من نافذة المنزل. ثم تابع وعيناه ما تزالان تنظران لبيته القديم: «لكننا خرجنا منه وقت الحرب، وذهبنا إلى البحرين، وعدنا في عام 67، ولكن في بيت آخر هذه المرة».
فسألته عن البيت الجديد، فطلب أن أحزر أي المنازل حولي هو المنزل الثاني، فكان بيتا أكبر، وحين ذهبت لأعاين من الداخل لم يكن ثمة ما يدل على وجود مرافق أو تقسيمات بل كانت مساحة مفتوحة على بعضها.
وتابع: «كنت أسكن هنا مع والدي ووالدتي وأخي وأختي، لكنني تركته سنة 85» وواصل ضاحكا: «لأنني طلبت من أخي أن نقسم البيت أو يبيع لي حصته أو يشتري مني حصتي لكنه رفض فانتقلت وسكنت قرب (السوقمة)».
لم يقل العم سيف كل ما عنده حول الحياة التي عاشها في العين، لأن الوالد محيل بن فريش بن سلوم كان ينتظر دوره بصبر، جالسا على كرسي خشبي عند مدخل القرية متكئا على مجسم يشبه البئر، فسألته:
– منذ متى وأنت في العين؟
قال بنبرة أثقلتها الذكريات: «سنين عديدة. عمري الآن 120 سنة (ويمكن نافد)، وكل الذين عرفتهم صاروا عدما» فصمت ليتابع: «كنا نعيش على (سراج بو فتيلة)، لا قناديل ولا كهرباء، أما الأكل فـ(حيا الله)».
– ماذا تأكلون؟ سألته.
فضحك وقال: «سيداف، و(ماشي ما كليناه)، والصيد كان يأتي من البحر ثم إلى سمائل، ومن سمائل إلى إمطي فنأكله».
فسألته بعد ذلك عن صباحاته في العين فقال: «في الساعة السادسة أفطر بـ(سحّه)، ثم أخرج باحثا عن رزقي، وبمبلغ زهيد كنت أشتري (حل تراب) وبصل وصيد. كل ذلك كان بـ60 بيسة فقط».
– تشتاق لهذا المكان؟
فأجاب بأسى: «(مو أسوي!)، (ماشي ما أشتاق له)، ولكنني كبرت لدرجة لم يعد في العين أحد، كلهم عدم (من شياب ومن الأولين ومن الأخيرين)»، وكرر: «كلهم عدم»، «وأنا هذا عمري، 120 سنة. كنت هنا وأمي ووالدي وعائلتي المكونة من 12 شخصا، متوزعين فيه على 7 حجرات، كان البيت مليئا بنا، ثم تناقصنا. ذهبوا كلهم وبقيت وحيدا».
لم أرد أن تطفئ النبرة الحزينة ابتسامة الوالد محيل التي كانت متوقدة حين قابلته لأول وهلة فلم أكثر عليه الأسئلة، وشكرته وودعته، واتجهت إلى العم سعيد بن حمود بن شيخان، فقال لي إن أكثر ما يفتقده هو تجمع (الشياب) وقت الصباح في السبلة: «كل شيء كان يفعله (الشياب) كنا نفعل مثله كان ذلك سنة 65، وكنت أبلغ الـ15 من عمري، كنا (نسف) ونصنع (الصوع)، أما (الشياب) فقد رحلوا، وأما الأولاد فهم لا يعرفون مما كنا نفعله شيئا، وهذا ما أفتقده الآن التجمع والحكايات والنصائح، كانت حياة جميلة، فيها التقارب والجوار، لكن الآن لاشيء سوى الوحدة».
وعندما سألته عن سبب خروجه من العين، كان يخطو خطوات للخلف والفلج وراءه، فخفت أن يسقط فنبهته، لكنه لم يكف عن ذلك كمن أمن كل شيء في القرية، وواصل: «خرجت في عام 85 وسكنت في (المال)، لأن المكان كان يضيق بنا، الغرف صغيرة وكانت تحتوينا نحن وأمتعتنا وحيواناتنا، والعائلة تكبر يوما عن يوم».
ربما تزال لا تعلم ما الشعور المحتمل وأنت تغادر مكانا ولدت فيه، وتسكن بمقربة منه، القرب الذي يجبرك أن تقف على الأطلال كل يوم، وفي كل يوم يكاد يكون كل شيء كما هو منذ رحيلك الأخير، بيتك وغرفتك والمسجد الذي صليت فيه، إلا من أناسك الذين كنت معهم. شعور وإن لم تختبره بعد سيخبرك عنه أهل «العين».