إننا لأشـقيـاء

عادل محمود –

بعد أن رأيت الشاعر أمجد ناصر في حفل تكريمه في عمان قبل شهر يونيو 2019… صدقت نبوءته في إهدائه لي ديوانه الأول، «مديح لمقهى آخر»، قبل أربعين سنة:
إلى الصديق عادل. هي ذي قصائدنا، ورق ناشف في الحلق. وصرخة مديدة في البرية. إنه أيضاً زماننا المضاد للصقر والوعل وسائر الكواسر الجميلة.
آه… إننا ننقرض. آه… إنا لأشقياء. بيروت 25/‏‏1/‏‏1980
وفي الديوان الثاني «كان يصعد الجبل» كتب لي: الصديق عادل… منذ زيارتي لك، تغيرت أمور كثيرة منها نظرتي إلى الشعر. هذه خطوة جديدة للبدوي أمجد ناصر.
بيروت 26/‏‏5/‏‏1988
التقينا مرة أخرى، بعد بيروت ودمشق، بسبب جحيم بيروت، الذي أطلق الرحيل إلى كل المنافي، التقينا في قبرص. هناك حيث تتأسس بشكل تلقائي جزيرة الأصدقاء من كل الاتجاهات ومن كل الجهات، داخل جزيرة الشمس، وتصبح «نيقوسيا» حياً من بيروت التي لها في الأغنية «ألف سلام» وليس لها سوى الرصاص في الواقع.
كان أمجد في مشيته، وخيلاء نبرته، ويقينه في مفردات آتية من حرية الصحراء، ونقاء البدو، والمنتجعات الجديدة لثقافة المقاومة… كان يشبه اكتمال العاصفة، وتفكك أجزائها إلى نسيم ٍ، في آن معاً. فلديه واحدة من أكثر النغمات الحزينة في الشعر، ولكن في قالب لغوي خاص بالنبرات الأكثر فرحاً بالحياة: «الكلام فضة والشعر ذهب. والنساء رنين المعدنين معاً، والقصائد لغتنا من الآن فصاعداً. إذن… لنبدأها دونما استعارات أو تهويل، ولننظر إلى الأشياء الحية بيننا بكثير من التبجيل، وليكن النشيد احتفالاً بالرضى والمسرات المقتصرة على الرعاة البسطاء، أولئك الذين تبعثرت ألحانهم، ورائحة آباطهم بين الحطب والهشيم السائب ومضوا إلى غير رجعة». ـ «من أول ديوان لأمجد 1977».
الشاعر أمجد ناصر ينطبق عليه وعلى منجزه تلك العبارة الخالدة لدون كيشوت في أسوأ لحظاته مرارة: « أنا لا أعدكم بالنصر، وإنما باستمرار الحرب».
في منجز أمجد الشعري تتراوح المصادر البصرية بين الصحراء وأضواء المدن، بين ناي الرعاة وصفير قنبلة هاون طائشة. بين مريم الأردن وماريا قبرص. وأخيراً، بين حلم واسع اللغات، وخيبات أربكت لغتي الرثاء والهجاء… صار كل مقطع شعري ينطوي على نغمة انكسار الضوء.
بعد أن رأيت أمجد الذي يجلس في عربة العاجز… وبعد أن قرأت رثاءه لنفسه تعلمت الدرس: «الحياة إجازة من الموت». ولكن، مع ذلك، كم هو صعب رؤية عاصفة متصدعة مكوّمة أمام باب في حياة شاعر!