مساهمة أولية في نقاش فكرة الإصلاح الديني

ماجد كيالي –

منذ قرن، وربما أكثر، أي مع الاحتكاك، أو الاصطدام، بالغرب، وتاليا بالحداثة، ظهرت فكرة «الإصلاح الديني»، كفكرة جاذبة، وتحظى بإجماع، باعتبارها محاولة للمواءمة والتكيف مع متطلبات العصر وتطورات العالم، وتسهيل التعاطي مع الأمور الدنيوية، التي بات يفرضها نشوء كيان كبير، ومهيمن، اسمه الدولة.
بيد أن تلك الفكرة خرجت من مسارها العادي، والتدريجي، بتحولها إلى فكرة سياسية، بخاصة مع نشوء الإخوان المسلمين، وبواقع الاصطفافات الأيدلوجية، فيما بعد في المجتمع بخاصة بين التيارين القومي والماركسي من جهة والتيار الإخواني من الجهة المقابلة. في المحصلة، أي بنتيجة تلك التباينات والاختلافات، أضحت فكرة الإصلاح الديني موضع شبهة، وبمثابة حالة اختلاف بين التيارات السياسية، الدينية والعلمانية، التي تتقصّد وتنبني على الاستحواذ والإملاء والتدبير والتحكم، أكثر من كونها كذلك في إطار المناقشات الثقافية، التي تتقصد إعمال الفكر وإثارة القضايا وفتح الأسئلة. اللافت، أيضاً، أن هذه الشبهات والاختلافات شملت التيارات السياسية الدينية، الصوفية والسلفية والدعوية والجهادية، المعتدلة والمتطرفة، والتي بدت منقسمة على ذاتها، فيما يخصّ دلالات ومضامين الإصلاح الديني.
ما يهمنا في معالجة هذه المسألة لفت الانتباه إلى الالتباس الحاصل في إدراك معنى «الإصلاح الديني»، موضوعه وحدوده وغاياته، مع نفي الاعتقاد السائد بأن تلك العملية ربما تفضي إلى نفي الدين، أو تهميشه، أو إدخال تغييرات عليه، وهو انطباع خاطئ ومتسرّع ومسيّس، من جهة الذين يحاولون أخذ هذه العملية إلى هذا المسار، من أصحاب النظرة العلمانية المتطرفة، أو من جهة التيارات الدينية الجامدة أو المتطرفة، التي تدعي حق الوصاية على الدين والدنيا، على الإسلام والمسلمين.
طبعا لا يمكن تنزيه الصراع على فكرة «الإصلاح الديني»، عند أي طرف، كما بينت التجربة التاريخية الأوروبية، مثلا، فهكذا تجري الأمور على صعيد الممارسة السياسية. وكانت المسيحية شهدت مع مطلع القرن السادس عشر إطلاق مارتن لوثر ما بات يعرف بحركة الإصلاح الديني. وفي حينه لم تكن المسألة تتعلق بتغيير الدين، أو نزع قداسته، أو إدخال تعليمات جديدة على الإنجيل، فمارتن لوثر هو أصلاً رجل دين، وإنما كان الغرض تحرير المقدس من استغلال البابوات، الذين كانوا بمثابة سلطة، حتى انهم تجرأوا على الله ذاته بادعاء انهم يملكون حق إعطاء «صكوك غفران» للناس، وهي بمثابة وثائق تغفر خطاياهم وتمنحهم مكاناً في الجنة، مقابل مبلغ مالي معين، ممهّداً في ذلك للتحرر من السلطتين الدينية والمدنية المتحالفتين معاً، أي من استبداد رجال الكهنوت (السلطة الروحية)، الذين ادعوا انهم واسطة بين الناس والرب، ومن استبداد الملوك (السلطة الزمنية) الذين ادعوا انهم يمثلون سلطة الله على الأرض. فبالنسبة إلى لوثر فإن علاقة الإنسان بربه لا تحتاج إلى أي واسطة.
وفي حينه، ولما كانت سلطة رجال الدين تستند إلى تمكنهم من اللغة اللاتينية، واحتكارهم تفسير «الكتاب المقدس»، المكتوب بتلك اللغة، قام لوثر بترجمة هذا الكتاب إلى الألمانية، ونشره على الملأ، بحيث أصبح متاحاً للناس جميعاً، كاسراً بذلك احتكار رجال الدين للتفسير وللسلطة الدينية؛ وكان هذا معنى الإصلاح الديني وبداية فكرة الحرية والعقل، والتمييز بين الديني والدنيوي.
على ذلك فإن «الإصلاح الديني» لا يتقصد نفي الدين أو تحويره ولا الاصطفاء منه، وإنما تنزيهه عن أغراض السياسة، والمصالح الخاصة والأهواء والعصبيات. بمعنى آخر فإن القصد هو تحرير الدين من الاستغلال، البشري – السلطوي، كي يبقى في دائرة المقدس، وتالياً إصلاح أحوال الناس، الذين يحملون الدين ويطبعونه بطابعهم، ما يحرر الدين من التاريخ، ويخضع التجربة البشرية التاريخية للفحص والنقد والمساءلة، بهدف تحرير عقول البشر، وتحررهم عموماً.
ولعل المقاصد الأساسية لتلك الفكرة تتمثل في التمييز بين الدين، كنصّ مقدس وكطقوس ورموز، وبين ما حمّل من مدخلات عبر العصور، من قبل مفتين وفقهاء، تبعاً لأهوائهم ومصالحهم وعصبياتهم. وكذلك التمييز بين قيَم الدين، التي تدعو إلى الهدى والرحمة والحق والعدل والخير والمساواة بين الناس أجمعين، وتعاملات البشر التي تخضع أيضاً للأهواء والمصالح وعلاقات القوة والمكانة وتحيّزات السلطة. ويأتي، أيضاً التمييز، بين الإسلام والمسلمين، مع تعذّر التطابق بسبب تباين الإدراكات الثقافية والاختلافات الحضارية والتنوعات اللغوية، والتجارب التاريخية للمجتمعات، علماً أن العرب لا يشكلون ربع أو ثلث المسلمين. فعدا عن الاختلافات بين إسلامات العرب ذاتهم، بين المشرق والمغرب والجزيرة، مثلاً، فثمة اختلافات بينهم وبين إسلامات المسلمين في إندونيسيا أو الهند أو آسيا الوسطى وهكذا. ومعلوم أن هذه اختلافات طبيعية، ولا تنشأ من علاقات السياسة والقوة، ولا ينشأ عنها عصبيات هوياتية ولا صراعات على المكانة والسلطة، بمعنى إنها اختلافات يمكن هضمها واستيعابها، لأن الإسلام، في الممارســة، يكون وفق المسلمين، في كل بلد، وتبعاً لثقافة أهله وخبراتهم وتقاليدهم، بغض النظر عن وحدة النص.
هكذا، لا يمكن أن نستنتج من فكرة «الإصلاح الديني» أية دلالة على التغيير أو التحويل أو الإزاحة أو الاصطفاء، فهذا غير ممكن وغير مجد، لأننا بذلك نكون في الواقع إزاء عملية أخرى غير الإصلاح. ولعله يجدر بنا هنا التذكير بأن بعض التيارات السياسية الدينية المتطرفة فعلت ذلك، بحيث إنها مع الزمن أزاحت النص القرآني المقدس، لمصلحة «الحديث»، وبعده أزاحت الحديث (حتى المتفق عليه) لمصلحة فتاوى الفقهاء ورجال الدين، الذين أخذوا يحرّمون ويحلّلون تبعاً لثقافاتهم وأهوائهم ومصالحهم وارتباطاتهم وعصبياتهم، بحيث بتنا كأننا إزاء دين آخر، باتت فيه المرويات الشفوية بمثابة المرشد أو الحكم، بدل النص الأصلي.
أخيراً، لا يتعلق إدراك مغزى الإصلاح الديني بتيارات العلمانيين فقط، وإنما يشمل التيارات الإسلامية، أيضاً أي تفهمها لتحرير التاريخ من الدين، وتحرير الدين من التاريخ، وضمنه من الأساطير ومداخلات السلطات، والتصالح مع الواقع والعصر والعالم، بالقطع مع فكرة «الحدود»، والخلافة، والحاكمية، والولاء والبراء، والفسطاطين، والجهاد إلى يوم الدين، فكل واحدة كانت ابنة ظرفها وبيئتها وعصرها، أو كنتاج للصراعات على السلطة والمكانة. والأهم إنها كلها لم تعد تشتغل لخير الناس، والتزام قيم الرحمة والحق والعدل، التي تدعو إليها الأديان، والتي تشكّل جوهرها ومقصدها.