خطبة الجمعة: الاحتكار والغش التجاري لا ينبغي في بلد قلّدها رسول الله وسام الأخلاق

المبالغة في رفع الأسعار محرم شرعا –

تتناول خطبة الجمعة لهذا اليوم موضوع الاحتكار والغش التجاري حيث إن حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن تكون هنالك تعاملات بين العباد لا تستمر الحياة إلا بها فتتحقق بذلك الحكمة البالغة في قوله سبحانه: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)، فالخلق مسخر بعضهم لبعض ولا يمكن لإنسان أن يعيش بمعزل عن أخيه الإنسان فلابد من بيع وشراء وأخذ وعطاء وعقود ومعاملات فجاء الإسلام الحنيف منظما لتلك التعاملات وسانا جملة من الأحكام والتشريعات لتنتظم حياة البشر وتحفظ أنفسهم وأموالهم فكان النداء الرباني العظيم للمؤمنين والمؤمنات في كل زمان ومكان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)، وقرن هذا النهي بنهي آخر فقال سبحانه: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فدل هذا الاقتران أن التزام الحق في التعامل المالي سلامة لأرواح البشر وضمان لها.
وتشير الخطبة التي تأتي تحت عنوان: «حماية المستهلك» إلى أن الإسلام الحنيف جاء ليحقق العدالة للناس أجمعين، فكان داعيا إلى ما فيه حفظ لحق البائع والمشتري فليس للبائع أن يضر المشتري وليس للمشتري أن يضر البائع (ومن غشنا فليس منا)، فصاحب السلعة مأمور بأن يعرض سلعته على ما هي عليه، وليس له أن يخفي عيبها إن كان بها عيب، فإن ذلك يتنافى مع الأمانة التي وجب على الإنسان أن يتصف بها.. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، وليس للمشتري أن يضر البائع فليس له أن يحط من شأن السلعة، وليس له أن يزعم انه وجدها بثمن أقل من الثمن الذي عند صاحبه وهو غير صادق، فإن ذلك شيء لا يقره الشرع، وتأباه الأخلاق التي ربى عليها الإسلام أتباعه (فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام)، وتؤكد كذلك أن عبادات الإنسان من صلاة وصوم وحج وزكاة تجد آثارها منعكسة على تعاملات الإنسان في بيعه وشرائه وأخذه وعطائه، فتجد المؤمن حقا على منهاج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض.. (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). كما توضح أن الإسلام الحنيف منع الاحتكار (ولا يحتكر إلا خاطئ) فليس للإنسان أن يجمع سلعة من السلع في المخازن بقصد حجبها عن الناس حتى يحتاجوا إليها فيبيعها لهم بثمن فوق ثمنها المعتاد، أو ليعرضها في وقت لا تكون فيه متوافرة بالمقادير التي يحتاج إليها الناس فيكون الطلب أكثر من العرض فيبيعها بثمن أكثر من ثمنها، فان ذلك من الاعتداء الذي حرمه الله جل جلاله: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، وليس للإنسان أن يستغفل الناس، فيرفع عليهم الثمن، فان ذلك من الغرر المحرم وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، وفي ذلك كذب على المستهلك وتدليس عليه، والمؤمن لا يكون كذابا، فمن صور ذلك رفع أجرة السيارة على من لا يعرف سعر الأجرة، ومن ذلك بيع سلعة بسعر مبالغ فيه لمن لا يعرف سعر السلع في ذلك المكان، وذلك احتيال وعدوان، ولا ينبغي أن يكون في بلد قلّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسام الأخلاق، وقد راعى دين الرحمة المستهلك فمن من تلقي أصحاب البضائع قبل أن يصلوا إلى الأسواق لشراء البضائع منهم وبيعها بعد ذلك بغير سعرها، مبينة أن من وقع عليه شيء من ذلك وجب عليه تبليغ الجهات المختصة التي تحمي المستهلك وتراقب الأسواق فان ذلك من التعاون على البر والتقوى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
كما تنبه خطبة الجمعة لهذا اليوم المستهلك إلى أن التقدم العلمي سهّل على الإنسان أن يختار السلعة الحسنة بثمنها الحقيقي فيمكن لمن أراد أن يشتري سلعة أن يفتح المواقع الموثوقة في شبكات التواصل فيطلع على المواصفات ويقف على الأنواع والخيارات ويعرف الجيد والرديء من تلك السلع، ويرى ثمن كل نوع بحسب درجته ومواصفاته، فيكون على بينة من أمره، ومن لم يكن ذا قدرة على التعامل مع الشبكات كان عنده من أهل بيته من يستطيع أن يعينه على ذلك، وذلك من الفطنة التي ينبغي للمؤمن أن يتدرع بها (فالمؤمن كيّس فطن) والإسلام دين يحمل أتباعه على أخذ الحيطة والحذر في التعاملات، وخصوصا في المعاملات المالية فإنها مزلة الإقدام ولذلك أمر الله جلال جلاله بكتابة الدين ولو كان المتداينون عدولا: (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا). فالإنسان مسؤول عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه كما ورد ذلك في الحديث الشريف، كما يجب على المؤمن أن يتحرى الحلال الطيب مبينة أن من الأمور التي تهاون فيها بعض الناس صرف الشيكات غير المغطاة من البنوك فيشتري المستهلك أو التاجر سلعة أو عقارا ويعطي البائع شيكا غير مغطى، وقد يكون البائع غير منتبه او وثق ثقة عمياء فذهب ماله إدراج الرياح فلا هو بسلعته أو عقاره، ولا هو بثمن ذلك فيندم ولات حين مندم، وكم من إنسان وقع فريسة هذا النوع من الاحتيال فمنهم من ذهبت سيارته ومنهم من ذهب بيته ومنهم من ذهبت بضاعته فيمضي الزمان وهو يجري وراء من خدعه، مشيرة إلى أن الواجب على الإنسان أن يكون في غاية الانتباه واعيا بما له وما عليه ملتزما بالأمانة في جميع أحواله، راجيا السعادة في حاله والفوز في مآله.