إنزال الستار على مفهوم الأمن القومي الأمريكي!

عاطف الغمري –

في عام 1991 تبنت إدارة الرئيس جورج بوش (الأب) مفهوم أولوية حل النزاعات الإقليمية، وعلى رأسها النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، باعتباره أمرا يتفق مع مصالح الأمن القومى الأمريكي بما يحققه من استقرار إقليمي في المنطقة، وبعد انتهاء مرحلة زعزعة الاستقرار التي فرضتها احتياجات الصراع الأمريكي السوفييتي، وهو ما لم يعد له وجود بعد انتهاء الحرب الباردة، وزوال الاتحاد السوفييتي.
واستمر هذا المفهوم الجديد في عهد إدارة بيل كلينتون، ثم حدثت له ردة في عهد جورج بوش الابن، وانحياز إدارته بالكامل لإسرائيل، ولنتنياهو على وجه الخصوص، مع محاولة للادعاء باهتمامهم بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لكن الولايات المتحدة اتخذت خطا معاكسا ومعلنا مع مجيء دونالد ترامب للرئاسة، وبعد أن كانت القاعدة الأساسية لحل النزاع، هي الالتزام بالتراضي المتبادل بين طرفي النزاع، اتخذت إستراتيجيته الجديدة تقوم على السيطرة وفرض الحل من جانب أمريكا ذاتها، ومعنى ذلك إبقاء الوضع على ما هو عليه، دون إيجاد تسوية نهائية.
وهذا التصور للتسوية من شأنه تفجير الاستقرار الإقليمي، الذي كانت أمريكا في عهد بوش الأب تعتبره مصلحة حيوية لأمنها القومي.
هذه النظرة لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، كانت قد شغلت كثيرا من مراكز الفكر السياسي، والمعاهد الإستراتيجية في الولايات المتحدة، وتحديدا في عام 1997، والتي أوضحت اقتناعها بأن عدم حل المشكلة الفلسطينية، سيكون السبب في حالة من عدم الاستقرار الإقليمي في الشرق الأوسط، مؤكدة أن الحل يمثل مصلحة حيوية ومصلحة أمن قومي للولايات المتحدة.
هذا النمط من التفكير طرح في عشرات الندوات وحلقات النقاش وتضمنته أوراق، وكتابات، كان منها أوراق العمل التي صدرت بعد نهاية حلقة عمل لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، واحتواها كتاب بعنوان «سياسة أمريكا في الشرق الأوسط.. وعملية السلام»، وذكر بصورة قاطعة أن انهيار عملية السلام سوف يؤدي إلى تعقيدات هائلة للجهود الأمريكية للتصدي للتهديدات لمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفي أنحاء أخرى من العالم، وضمن هذه التهديدات الإرهاب.
ولكن – أن يحدث التحول على هذا الشكل في عهد ترامب، فإن عقول المتابعين تشغلهم محاولة البحث عن الأسباب التي تقف وراء هذه التوجهات للإدارة الأمريكية، وإذا كانت النخبة السياسية في الولايات المتحدة، ترى في معظمها أن ما يحدث من تحول في السياسة الأمريكية، لا يتفق مع مصالح الأمن القومي الأمريكي، فإلى أي أسباب استندت الإدارة الحالية؟.
وفي محاولة لحصر هذه الأسباب ركز كثير من المحللين على ثلاثة منها. من بينها إقصاء النخبة من الذين اعتادوا صناعة القرار السياسي في عهود مختلف الرؤساء، وهذه النخبة هي التي ناصبها ترامب العداء صراحة، منذ سباق الرئاسة الانتخابي عام 2016، ثم من بعد توليه الرئاسة، مؤكدا رفضه لأفكارها.
والسبب الثاني أن التغييرات التي لحقت بالمناصب الرئيسية والحيوية في إدارة ترامب، قد انتهت إلى اختيار من ينتمون إلى حركة المحافظين الجدد، المعروفين بتعصبهم لإسرائيل، ورفضهم للحقوق الفلسطينية، يمثلهم جون بولتون مستشار الأمن القومي، وأيضا مايك بومبيو وزير الخارجية المنتمي إلى تيار المسيحية الصهيونية.
أما ثالث الأسباب فيعبر عن اهتمام ترامب بالدرجة الأولى بإعادة انتخابه لولاية ثانية، وبعد أن تأكد أن أعضاء ائتلاف المسيحية الصهيونية، سوف يصوتون لصالحه، ويبلغ تعداد أصواتهم نسبة 20% من إجمالي أعداد الناخبين.
القضية إذن قد تجاوزتها أسباب أزاحت جانب قضية المصلحة الحيوية والأمن القومي، وهو واقع تشهد عليه النظريات السياسية ذات الرواج في الولايات المتحدة، والقائلة: إن خريطة الأوضاع الداخلية هي التي تفرض نفسها ورؤيتها على مسار السياسة الخارجية.