حرائق الأمازون بين أزمة المناخ والصعود الشعبوي

صلاح أبو نار –

سوف تأتي الحرب التجارية بين واشنطن وبكين لكي تقدم وقودًا لحركة التوسع في اتجاه الأمازون من جانب مزارعي فول الصويا. فرضت بكين حظرًا على صادرات الصويا الأمريكية، وفي مواجهة الحظر تقدم المنتجون البرازيليون لكي يستولوا على نصيب أمريكا من السوق الصيني.
خلال شهر أغسطس تقدمت غابات الأمازون الاستوائية في البرازيل لتستقطب الاهتمام العالمي، وسط زخم متواصل ومتصاعد من التناول الإعلامي السياسي والعلمي، تقدم جمع من نجوم الفن والرياضة، مرورًا بأسماء بارزة في أكبر الجامعات ومنظمات حقوق الإنسان، وانتهاء برؤساء لدول وقادة قمة السبع الكبار، ليطلقوا صيحة تحذير: «رئة الأرض تحترق». فما الذي كان يجري في الأمازون؟ وما هي أبعاده الحقيقية؟ وما هي سياقاته المفسرة؟
تمتد غابات الأمازون البرازيلية على مساحة 4.005.082 مليون كيلومتر مربع، تمثل 60% من إجمالي غابات الأمازون المنتشرة عبر تسع دول في أمريكا الجنوبية. وتعتبر الأمازون البرازيلية أكثر مناطق الحياة النباتية والحيوانية تنوعًا في العالم، ففيها 1700 نوع من الطيور، و651 نوعًا من الزواحف، و578 نوعًا من الثدييات، و695 نوعا من البرمائيات، و65.000 نوع من النباتات. وعلى امتداد الفترة الممتدة من عام 1970 فقدت الأمازون 760.000 كيلومتر مربع من مساحتها أي ما يساوي 19%، بينما لم تفقد حتى 1970 سوى 2.4% من مساحتها. إلا أن هناك من الباحثين من يرى أن نسبة التدهور السابقة لا تمثل بدقة واقع التدهور الذي شهدته الغابات؛ لأنها تأخذ في حسابها حالات الاجتثاث الكامل للأشجار فقط، وتهمل حساب المساحات الواسعة التي تدهورت نتيجة للحرائق والقطع الجزئي والانتقائي للأشجار. ويقدر قسم الأيكولوجيا العالمية التابع لمؤسسة كارنيجي، أن مساحة الغابات المندرجة تحت هذا النمط لا تقل عن مساحتها في النمط الأول، أي نمط الاجتثاث الكامل للأشجار. سجلت الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري حدوث 75.000 حريق في الأمازون وفقا للتقديرات الرسمية. ويمثل هذا الرقم قفزة هائلة خاصة إذا أخذنا في اعتبارنا إنها تقديرات ثمانية أشهر فقط، حيث لم يسجل عام 2018 سوى 40.000 حريق. ولكن هذه القفزة لا تمثل استثناء قياسا على معدلات حرائق نفس الفترة داخل البرازيل نفسها. فهي تمثل زيادة 85% عن 2018، بينما سجلت مناطق البرازيل الأخرى نسب زيادة أعلى عند المقارنة بمتوسطات حرائق 2015 – 2019. ففي منطقة رورايما كانت النسبة 141%، و138 % في أكري، و115% في روندوينا، و114% في مالو جروسو دو سوي. وإذا التفتنا صوب دول أمريكا اللاتينية الأخرى، سنجد أن نسبة حرائق 2019 بالمقارنة بحرائق 2018 في فنزيلا 114%، وكولومبيا 104%، وجيانا 145%، وسورينامي 128%، وجيانا الفرنسية 120%. ولكن هنا يجب الوقوف وإبداء الملاحظة التالية. يصعب تقدير المغزى الدقيق لهذه المقارنة، طالما لم نضعها في إطار مقارنة موازية لمساحات الغابات في الحالات المذكورة، وهي المقارنة التي لم تطرحها المصادر التي رصدت تلك الأرقام. ولكن إذا وضعنا تلك المقارنة أمام ظاهرة انتشار الحرائق في نفس الفترة، داخل مناطق في أقصى الشمال سجلت الدراسات معاناتها من ارتفاع في درجات الحرارة، مثل سيبيريا التي احترق بها 21.000 ميل مربع من الغابات وجرين لاند والاسكا وجزر الكاناري ، يمكن القول إن العامل المشترك بين كل تلك الحالات، هو عامل تغير المناخ العالمي. بيد أن القضية الأهم في حالة حرائق الأمازون هو التمييز بين حرائق الغابات واجتثات الغابات. تمثل ظاهرة اجتثاث الغابات الخطر الرئيسي الذي تواجهه غابات الأمازون. وظاهرة الاجتثاث أعم كثيرا من ظاهرة حرائق الغابات، والواقع أن الحرائق في ممارساتها العمدية المخططة كما هو مفترض على نطاق عالمي واسع بالنسبة لجزء كبير من حرائق الأمازون الأخيرة، هي غالبا شكل تحايلي من أشكال عمليات الاجتثاث.
فيما بين عامي 2001 و2018 فقدت البرازيل 53.8 مليون هكتار مربع من الغطاء الشجري. في عام 2004 فقدت 3.85 مليون هكتار، ثم أخذ المعدل في الانخفاض ليصل عام 2013 إلى 1.95 مليون هكتار. وفي عام 2014 أخذ في الارتفاع ليصل عام 2016 إلى 5.38 مليون هكتار، ثم أخذ في الانخفاض ووصل عام 2018 إلى 2.95 مليون هكتار. وعندما ننظر إلى موقع «جلوبال فوريست واتش» الراصد لتحولات الغطاء الشجري، سنجد أن الجداول الخاصة بالبرازيل تحدد أربع عوامل لتراجع غطاء الغابات، وهي الحرائق والتحضر والقطع التجاري للأشجار والمقصود به قطعها لتحويل الأرض إلى مراعي للماشية، وأخيرًا الزراعة المتنقلة. وعندما ننظر إلى الأرقام الواردة عبر السنوات الممتدة من 2001 و2015، سنجد أن العامل الرئيسي للاجتثاث هو القطع التجاري للأشجار ويتلوه عامل الزراعة المتنقلة، ثم التحضر، وفي المرتبة الأخيرة يأتي عامل الحرائق. وإذا أخذنا عام 2005 على سبيل المثال، كبد عامل القطع التجاري البرازيل 2.5 مليون هكتار، والزراعة المتنقلة 547.000 هكتار، والتحضر 296.000 هكتار، والحرائق 187.000 هكتار. وإذا نظرنا إلى الحرائق على أنها في جزء غير بسيط منها مجرد أداة تحايلية للاجتثاث لصالح عاملي الرعي والزراعة، سوف تتراجع مساهمتها في الاجتثاث إلى حد كبير. ويقودنا التحليل السابق إلى اعتبار أن مشكلة الحرائق الأخيرة في الأمازون، لا يمكن فهمها جوهريا إلا في إطار نسق تحليلي يتكون من مستويين. الأول يضعها في إطار المتغيرات الكلية الدافعة للاجتثاث التي حددناها أعلاه، وهو بالتالي عامل يتناول متغيرات ودوافع اجتماعية واقتصادية بعيدة المدى يمكننا رصدها على مدى زمني طويل. والثاني يضعها في إطار المدى الزمني المباشر والقصير نسبيا، الذي حدثت في سياقه القفزة الراهنة في عدد الحرائق. يمنحنا التحليل السابق الخاص بعوامل الاجتثاث الأربعة شرحا كافيا للمستوى الأول، لكننا سندعمه الآن بإحصائية أوردتها إحدى الدراسات. وتفيد انه فيما بين عامي 2000 و2005، كانت تربية المواشي مسؤولة عن 65 – 70% من الاجتثاث، والزراعة صغيرة النطاق عن 20 -25% ، والزراعة واسعة النطاق عن 5 -10 %.
وفيما يتعلق بالمستوى الثاني جاء في تصريح لوزير البيئة، إن الأسباب هي ممارسات الفلاحين التقليدية في تطهير الأرض عن طريق الحرائق، وموسم جفاف مرتفع الحرارة ورياح ذات سرعة عالية. ولكن في مواجهة هذا التفسير الرسمي لاحظ الاستاذ كارلوس نوبري المتخصص البارز في علوم البيئة: «جفاف هذا العام ليس شديد الحدة، وسرعة الرياح ليست شديدة القوة، والواقع أن الجفاف والرياح في معدلاتهما العادية». وهولا ينكر دور أساليب الزراعة التقليدية وتأثيرها، لكنه لا يرى أنها خلقت في حد ذاتها هذه الطفرة في عدد الحرائق. وما الذي يقف إذن وراء تلك الطفرة؟ خلف هذه الطفرة سنجد عامل السياسات البيئية للرئيس البرازيلي الجديد بولسونارو. يحمل الرئيس الجديد نظرة متشككة تجاه قضية التغير المناخي تماثل نظرة الرئيس ترامب. وفي أعقاب انتصاره أخذ حماة البيئة في الأمازون في دق نواقيس الخطر، وسجلت التقارير الصحفية انه بمجرد انتخابه شعر مقتحمو أراضي الأمازون الأهلية المحمية بالحماية والحصانة وشرعوا في الهجوم. وبالفعل قام الرئيس الجديد الذي كان قد وعد خلال حملته الانتخابية بإتاحة 2 مليون ميل مربع للزراعة والتنجيم، بإلغاء الكثير من القيود المفروضة على اجتثاث الأشجار وتحويل الغابات إلى مراع، ونقل مسؤولية تحديد حدود أراضي الأهالي إلى وزارة الزراعة ، وهو أمر يماثل تعيين الثعلب حارسا على حظيرة الدجاج. وخلال العام الأول من رئاسته فقد الأمازون 1330 ميلًا مربعًا من غطائه الشجري، وهو ما يماثل 39% زيادة عن نفس الفترة خلال عام 2018.
وسوف تأتي الحرب التجارية بين واشنطن وبكين لكي تقدم وقودا لحركة التوسع في اتجاه الأمازون من جانب مزارعي فول الصويا. فرضت بكين حظرا على صادرات الصويا الأمريكية، وفي مواجهة الحظر تقدم المنتجون البرازيليون لكي يستولوا على نصيب أمريكا من السوق الصيني. وبالفعل تمكنوا من زيادة صادراتهم بنسبة 27%، ومع مجيء بولسونارو وشعورهم بالحماية قرروا أن يقتحموا مزيدا من الأرض، وفي تقدمهم أخذوا في إشعال الحرائق.
ماهي علاقة الحرائق بالتغير المناخي ؟ والى أي مدى تشكل تهديدا للمناخ؟ يمكن التسليم بوجود صلة بين بعض حرائق شمال أوروبا وارتفاع درجة حرارة الأرض، ولكن بالنسبة للبرازيل هذه الصلة ضعيفة وغير مؤكدة. ولا نجد لدي أغلب المحللين أي تشديد، على دور ارتفاع درجة الحرارة فيها. ويبدو الخطر الحقيقي في تأثير الحرائق نفسها على الوضع المناخي. انتجت الحرائق كمية من ثاني أكسيد الكربون تساوي 228 ميجا طن، وهو أعلى معدل لها من سنة 2010. ولكن الخطر الحقيقي الذي يتناوله المحللون، ينطلق من فرضية استمرار الحرائق وتصاعدها على مدى زمني معين، بمعدل يعصف بمساحات أكبر من الغابات. يسخر دان نيبستاد خبير الغابات الأمريكي البارز من فكرة إنتاج الأمازون لعشرين في المائة من أوكسجين العالم، قائلا: »هراء لا يستند إلى علم. تنتج الأمازون كمية كبيرة من الأوكسجين، لكنها أيضا تستهلك نفس الكمية في عملية تنفسها». والخطر كما يراه فريق من المحللين يكمن في أمرين. الأول أن تواصل الحرائق بمعدل مرتفع يعني انبعاثات أكبر لثاني أكسيد الكربون. والثاني يشرحه الاستاذ كاي شان من جامعة كولومبيا البريطانية: «غابات الأمازون أكبر نظام من نوعه يقوم بتغذية نفسه بالمياه. الأشجار تمتص المياه من الأرض، وفي المقابل تقوم كل ورقة بفرز مياه في الهواء، وهناك تتحول إلى سحب تمطر وتستمر العملية. والمشكلة أن أي ضرر يمكن أن يلحق بهذا النظام، يمتد إلى مناطق أوسع كثيرا من الأمازون. الأمر الذي يعني انه كلما فقدنا المزيد من الأشجار يتهدد توازن البيئة، الأمر الذي سيهدد سقوط الأمطار ليس في الأمازون فقط بل أيضا في أماكن أخرى».