هل يفيد هبوط أسعار النفط الشركات الكبرى؟

نك بتلر- الفاينانشال تايمز –
ترجمة : قاسم مكي –

يشهد سعر النفط هبوطا مرة أخرى، موجدا بذلك كاسبين وخاسرين. فالبلدان المصدرة للنفط بقيادة أوبك وروسيا تفقد دخلا وثروة. كما ستواجه شركات النفط العالمية تدنيا في إيراداتها. لكن قد يكون هنالك جانب مشرق وإيجابي (في هبوط سعر النفط) لهذه الشركات يتمثل في فرصة حصولها مجددا على حقوق إنتاج في مناطق حظرت بها الملكية الخاصة خلال فترة نصف القرن الماضي.
لا ينبغي أن يكون تدني أسعار النفط في الأسابيع القليلة الماضية مفاجئا لأحد. فتوقعات نمو الطلب تشير إلى انخفاضه وهنالك مخاوف مستمرة على (حجم الطلب على النفط) من آثار الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ويخشى العديدون من أننا على وشك الدخول في انكماش اقتصادي عالمي. أما في الوقت الراهن فلم يتحقق توقع المراقبين بأن تؤدي العقوبات الأمريكية إلى وقف تام للصادرات الإيرانية. فالصين مستمرة في شراء النفط من إيران.
توجد إمدادات وفيرة من النفط في السوق العالمية. لذلك عادت الأسعار إلى المستوى الذي صار يعرف منذ عام 2016 بالسعر (العادي الجديد). (يتراوح هذا السعر عند حوالي 60 دولارا للبرميل بالنسبة لخام برنت وأعلى بقليل من 50 دولارا لخام غرب تكساس في الولايات المتحدة). الأسعار متقلبة وتتأثر بالمضاربة. لكن أولئك الذين يراهنون على العودة إلى أسعار 80 إلى 100 دولار للبرميل يواصلون خسارة رهانهم. أما البلدان الأكثر تضررا من الأثر المترتب عن سعر 60 دولارا لبرميل النفط فهي المنتجة له والتي تعتمد بشدة على الإيرادات النفطية في دخلها القومي. وسيزيد مشاكلها تعقيدا الهبوط الجديد للسعر (بعد ذروة 75.60 دولار للبرميل التي بلغها خام برنت في أبريل).
لم يعد العمل الجماعي للبلدان المنتجة للنفط (في تكتل نفطي) فعالا. لقد اختفت قدرة أوبك على التأثير على الأسعار حتى مع تطبيق القيود على حجم إنتاجها ودعم المنتجين من غير أعضائها مثل روسيا والصين. ولم تنحسر المطالبة بالإنفاق من جانب الأعداد المتزايدة من السكان. كما لم تنحسر أيضا الحاجة إلى الاستثمار في مشروعات تطوير حقول إنتاج جديدة مع استنزاف الحقول القائمة. لقد فشلت شركات نفط وطنية كثيرة جدا في تحديد موارد جديدة أو خفض التكاليف.
قد يكون الحل الوحيد لذلك اجتذاب استثمارات دولية جديدة. وهذا خيار غير مريح بالنظر إلى الأهمية الرمزية لمبدأ حق تقرير المصير الوطني الذي قاد إلى تأسيس منظمة أوبك وإيجاد شركات نفطية حكومية قبل أكثر من نصف قرن.
كما ستكون دعوة الشركات الدولية للعودة مجددا رمزا للفشل في نظر العديدين وقضية إشكالية إلى حد كبير في ميدان السياسة الداخلية. كما ستنطوي هذه الخطوة على مخاطرة سياسية للشركات المعنية. لكن غالبا ما سيطغى منطق الحاجة المشتركة على كلا الجانبين.
فكما أن البلدان المنتجة تحتاج إلى الإيرادات وفي حالات عديدة إلى موارد جديدة كذلك فإن كبرى شركات النفط بحاجة إلى موارد للحفاظ على مستويات الإنتاج. فالعديد من المناطق المنتجة للنفط المتاحة للاستثمار الخاص مثل بحر الشمال وألاسكا تشهد تدهورا في مواردها النفطية. وتتكدس بعض أكبر الموارد المتبقية في بلدان جرى إقصاؤها من مثل هذا الاستثمار لأسباب سياسية مثل إيران وفنزويلا. وهناك مناطق أخرى غير جذابة إما بسبب الفساد أو لأنها مغلقة أمام الاستثمار الغربي بموجب تشريعات عقابية. أيضا من المستحيل تقريبا إيجاد مناطق جديدة بها كميات كبيرة من الاحتياطيات النفطية. ويشكل نجاح شركة موبيل أكسون مؤخرا في غيانا استثناء نادرا.
لقد قلصت الشركات الدولية من التكاليف وتمكنت من المحافظة على توزيعات أرباحها بالرغم من هبوط سعر النفط خلال الأعوام الخمسة الماضية. لكنها تدرك بشدة الحاجة إلى استمرار واستدامة قاعدة مواردها في عالم من المرجح أن يحتاج إلى حوالي 100 مليون برميل في اليوم خلال معظم فترة السنوات العشرين القادمة.
قد يصل الطلب على النفط إلى الذروة التي لاذروة له بعدها. لكن في غياب تحقيق اختراقات تقنية مثيرة سيستقر الطلب عند مستوى قريب من المعدل الحالي للاستهلاك. لاشك أن الشركات الكبرى المنتجة للنفط لديها المقدرة الفنية والمهارات الإدارية الكافية للوفاء بالمطلوب، لكن من اللازم تأمين الحصول على الموارد.
لقد بدأت عملية إعادة الارتباط (بين بلدان الموارد النفطية وهذه الشركات). فالشركات الدولية حاضرة في بلدان عديدة منتجة للنفط سبق أن أبعدت منها بما في ذلك العراق والمكسيك.. لكن وجودها هذا يكون في العادة بموجب عقود خدمة محدودة تتيح لها عائدات محدودة جدا. وسيكون من الضروري عقد صفقات أفضل لتأمين الاستثمار بالمستوى اللازم.
لقد اندثرت حقبة الاستعمار ويجب أن تكون الشركات حساسة سياسيا بما يكفي لتصميم اتفاقيات مفيدة للطرفين. إن الشراكات العميقة بين الشركات الحكومية وكبرى شركات النفط العالمية هي الأوفر حظا مقارنة بالعودة إلى نظام يحصل فيه الأجانب على حقوق الملكية الكاملة لنفط المحاصصة، وهو ما يعني الملكية الكاملة للموارد التي يجري تطويرها. (المقصود بنفط المحاصصة نسبة الإنتاج التي تحصل عليها شركة نفط تملك امتيازا بالاشتراك مع حكومة البلد المضيف – المترجم). ومن الواضح أن البلدان المرشحة لمثل هذه الشراكات هي ليبيا ونيجيريا وإيران وأيضا نيجيريا وفنزويلا إذا سمحت السياسة بذلك.
لن يتم التغلب على العداوات القديمة على الفور وفي بعض البلدان قد لايكون مثل هذا الارتباط (المحاصصة بين الشركات والحكومات) ممكنا أبدا. لكن بالنسبة لمعظم البلدان الأخرى صارت صراعات أعوام الستينات والسبعينات جزءا من الماضي البعيد وتحت ضغط استمرار تدني الأسعار ستسود البراجماتية.

  • الكاتب رئيس معهد السياسات بجامعة كنجز كوليدج لندن