من يرث الممتلكات التقنية؟

د. عبدالقادر ورسمه –
في عصر ثورة تقنية المعلومات، نجد كمية كبيرة من الـ«داتا» والبيانات والمعلومات الشخصية موجودة في حسابات المستخدمين في المواقع الرقمية المختلفة مثل الفيس بوك وجوجل وتويتر ولنكد ان وانستجرام وغيرها. أصبح الكثير جدا من الناس يستخدمون هذه المواقع للعديد من الأغراض وعبر هذا النشاط اليومي يتم تخزين الكثير من البيانات والمعلومات الشخصية الخاصة بهم. وهذه المعلومات تزداد كلما ازداد النشاط التقني للشخص. وهكذا، أصبح هذا العصر عصر الـ«داتا» والمعلومات الرقمية.
في أثناء حياة المستخدم لا توجد مشكلة لأنه يدير حساباته بنفسه وبالتالي يتصرف كيفما شاء في البيانات والمعلومات الشخصية الخاصة به من حذف أو اضافة أو تعديل. ولكن، هناك مشاكل قانونية وتقنية تطرأ، فور وفاة الشخص صاحب الحساب. وبالطبع، فإن هذه البيانات والمعلومات تمثل ثروة وممتلكات تقنية خاصة به. والسؤال، هل يجوز الاطلاع واستخدام هذه البيانات والمعلومات بعد وفاته؟ وكيف يتم الاستخدام؟ وهل تورث هذه الثروة ومن يرث هذا الإرث؟
لقد احتل موضوع الميراث التقني للمتوفي مكانة كبيرة في المحاكم في عدة دول. ولقد شغلت قضية الشاب المنتحر في أمريكا الرأي العام بعد أن طالب والديه السماح لهم بالدخول في حساباته التقنية لمحاولة معرفة أسباب الانتحار. وهناك من يؤيدهم وهناك من يرى العكس لأن المعلومات شخصية بحتة وعليه يجب أن تظل طي الكتمان. وهذه المواقف المتباينة ستستمر طالما هناك استخدام للحسابات التقنية التي يضع فيها المستخدم الكثير من البيانات وربما يكون بعضها سري جدا لا يرغب الشخص في الكشف عنه وهو على قيد الحياة أو داخل القبر ويفضل أن يموت «سره معه». وبالطبع، هو حر في هذا.
ولتجاوز مثل هذه المواقف، يوجد الكثير من الأشخاص الذين يخططون وهم على قيد الحياة لطريقة تسليم ممتلكاتهم التقنية وتنظيم كيفية توزيع هذا الميراث والتصرف فيه بعد الوفاة. وغالبا، هم يلجأون لهذا لأن ترك الأمر للصدفة لن يمكنهم من التحكم في هذه الإرث واستخدامه لأنهم غائبون عن الحياة. وبالطبع، مثل هذا التخطيط المسبق سيكون له انعكاساته المفيدة بل والمريحة.
والإرث الرقمي يشمل مجموعة من التذكارات الشخصية جدا من الصور والكتب ومراسلات البريد الإلكترونية والمدونات والحسابات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي وكل ما يقع في هذا الإطار من أعمال تقنية. ومن دون شك، مثل هذه المعلومات لها قيمة معنوية كبيرة جدا وبثمن باهظ. وتوجد الآن أنظمة قانونية خاصة بتأسيس «نظام لإدارة ميراث الممتلكات الرقمية»، وهناك بعض البلدان التي توجد بها قوانين تسمح لأقارب المتوفي بالدخول على ممتلكاته الإلكترونية. وسبق أن أصدرت جوجل على صفحتها إعلانا واضحا مكتوبا عليه «أخبرنا الآن بما تريد فعله بحسابك بعد الوفاة»، وذلك يتم من خلال عدة خيارات يقدمها الموقع لصاحب الحساب، ومنها أن يتم حذف حسابه أو أن يسمح لجوجل بأن تقوم بتعيين شخص «وصي» على حسابه يقوم بالاطلاع على جميع حساباته إذا لم يكن تم الدخول عليها لفترة تتراوح ما بين ثلاثة أشهر وسنة. وقبل إتمام هذا الإجراء ستقوم الشركة بإرسال رسائل تذكيرية عدة إلى عناوين البريد الإلكتروني البديلة وكذلك الهواتف في محاولة أخيرة للاتصال بالشخص. ونعتقد أن هذا اجراء تحوطي مهم من جوجل، وفيه تنبيه للأشخاص بما يجب الاستعداد له.
إن وجود مثل هذه القوانين، التي تسمح بالدخول في حسابات المتوفى، يعتبر في نظرنا أمرا مهما جدا، لأن عدم وجود القوانين يعني عودة ملكية الملف الشخصي الخاص بالمتوفى للشركة التي تملك الموقع مثل الفيسبوك وجوجل وتويتر وغيرها. وهذه الشركات لا تملك هذا الحق إذا حدد المتوفى شخصا معينا تعود إليه ملكية هذه الممتلكات التقنية. ولكن، وإمعانا في الخصوصية هناك بعض التوجهات بإصدار التشريعات التي تمنع أي شخص ما عدا الذي تحدده المحكمة أو الوصي الدخول على معلومات المتوفى والاطلاع عليها. مع هذا الوضع، ننصح بإعداد «وصية» خاصة بها البيانات الضرورية التي تتعلق بكيفية التعامل مع الممتلكات التقنية بعد الوفاة، ومن يجوز له التعامل مع هذا الإرث المهم جدا. وبالعدم، ستختفي هذه الثروة المهمة وتقبر مع صاحبها، وربما يكون في هذا ضرر للورثة أو لغيرهم من المستفيدين المحتملين. وقبل فوات الأوان، علينا الاستعداد والتجهيز لنقل ثروتنا التقنية لمن يستفيد منها أو يفيد بها غيره ومجتمعه. وفي هذا، قد يكون، استمرارا للحياة بعد الممات.