المشهد اليمني .. والدولة الفيدرالية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –
إن اليمن الشقيق بتاريخه وحضارته وشعبه الأصيل يستحق الأفضل ولابد من التنازل عن المصالح الشخصية والحزبية والتطلعات السياسية لصالح الاستقرار، وحتى يشهد اليمن مرحلة جديدة من الاستقرار والسلام بعد عقود من الصراعات والحروب والاغتيالات التي جعلت اليمن ساحة صراع مفتوحة لأكثر من نصف قرن.

الحرب في اليمن المتواصلة منذ عام 2015 دخلت منعطفا خطيرا من خلال أحداث عدن الأخيرة والتي أدت إلى أضعاف الحكومة الشرعية بشكل كبير بعد أن استولى المجلس الانتقالي الجنوبي علي مفاصل ومؤسسات الحكومة في عدن وبدأ يتمدد نحو أبين وبقية مناطق عدن والمحافظات الجنوبية وهو أمر يشير بوضوح إلى خطة مدروسة للانفصال وعودة اليمن الجنوبي إلى ما قبل الوحدة عام 1990 وكل المؤشرات تقول إن المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة لم تستطع إيجاد حل توفيقي في اليمن سواء من خلال وقف الحرب الكارثية أو من خلال ما يحدث في عدن كمخطط يستهدف انفصال الجنوب عن الدولة اليمنية.
أحداث عدن
كانت الحرب اليمنية بين جماعة أنصار الله ودول التحالف تسير بشكل أقرب إلى صراع إرادات من خلال مواجهات عسكرية لا تحسم المعركة وامتدت الحرب إلى حرب استنزاف وكان الشعب اليمني هو ضحية تلك الحرب العبثية في ظل أزمة إنسانية مرعبة لم يشهد لها العالم مثيلا، ومن هنا كانت الجهود تنصب علي جهود المبعوث الأممي مارتن جريفيث لإيجاد هدنة أو حل توفيقي بين الفرقاء اليمنيين من خلال تطبيق اتفاق استوكهولم خاصة في محافظة الحديدة الساحلية.
وفي خضم تلك الجهود لإيجاد اختراق في الأزمة اليمنية جاءت أحداث عدن الأخيرة لتعقد المشهد بل وتزيده تعقيدا من خلال قيام المجلس الانتقالي الجنوبي بالسيطرة على المؤسسات الحكومية في عدن مما أوجد مؤشرات خطيرة على موضوع الشرعية أساسا.
وعلى ضوء تلك الأحداث الدامية في عدن ارتفعت الأصوات بضرورة إرجاع الأمور في عدن إلى ما كانت عليه مع إصرار الانفصاليين علي سيطرتهم بل واندفاعهم نحو الاستيلاء على مؤسسات ومعسكرات حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي والتي تواجه إحراجا سياسيا غير مسبوق في ظل التناقضات التي يشهدها اليمن بشكل دراماتيكي.
ومع استمرار الانفصاليين في الجنوب في السيطرة على مفاصل الحكومة اليمنية في المحافظات الجنوبية فإن الشرعية سوف تضعف بشكل تدريجي وقد تتلاشى مع ما يجري من وقائع على الأرض ويتجه المشهد اليمني بالتالي إلى منعطف خطير ومن هنا فان الجميع ينتظر الحسم في ضرورة عودة الأمور إلى طبيعتها وما كانت عليه في عدن، وان حكومة الرئيس هادي هي الحكومة الشرعية وعلي المجلس الانتقالي الانفصالي ان يتوقف عن مغامراته في عدن والمحافظات الجنوبية.
المجتمع الدولي

كانت هناك تصريحات حول أهمية بقاء اليمن موحدا كدولة عضو في الأمم المتحدة وكان الموقف الأمريكي بارزا خلال تأكيد واشنطن على ان بقاء اليمن موحدا هو أمر حيوي للاستقرار ومستقبل اليمن وهناك عدد من المواقف الغربية في حين غابت الجامعة العربية كعادتها في مثل هذه الأحداث المصيرية ومن هنا فإن انفصال اليمن هو أمر مرفوض دوليا وإقليميا وان الحوار بين الفرقاء اليمنيين على شكل الدولة اليمنية هو الآلية الصحيحة.
وعلى ضوء أحداث عدن وأبين فإن على المجتمع الدولي وخاصة مجلس الأمن ان يقوم بدوره ويناقش بشكل مباشر الأزمة اليمنية حتي لا تنزلق الأمور الى وضع يصعب السيطرة عليه ولعل مسألة إنهاء الحرب في اليمن بشكل كامل هو احد الخطوات الأساسية من خلال قرار ملزم من مجلس الأمن وبعد ذلك يتم تنفيذ خطة استوكهولم وتبدأ محادثات مباشرة بين الفرقاء في اليمن حول شكل الدولة اليمنية من خلال مخرجات الحوار الوطني حول الدولة الفيدرالية أو أي شكل يتفق عليه الفرقاء لتبدأ اليمن مرحلة جديدة يسودها الاستقرار والتنمية.
الأمم المتحدة يمكنها على الأقل وقف الحرب وبدعم من الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وآخرين حتي لا تتفاقم الأمور في اليمن ونشهد حروبا أهلية بين الفرقاء هنا وهناك وهو مشهد إن حدث سيجعل اليمن الصومال الجديد.
الحل الإقليمي
المشكلة في اليمن أنها مرتبطة بقضايا إقليمية من خلال الخلافات في المنطقة والحرب فيها أشبه بحرب بالوكالة وهذا أمر واضح وهو الأمر الذي أوجد هذا المشهد اليمني المعقد ومن هنا فإن الحوار الإيراني- الخليجي هو المسار الصحيح لإنهاء الأزمة اليمنية وأيضا فتح صفحة جديدة من العلاقات الطبيعية بين دول المنطقة على ضفتي الخليج ويبدو لي ان الدعوة الإيرانية لفتح ذلك الحوار هي خطوة إيجابية خاصة معاهدة عدم الاعتداء بين دول المنطقة، والولايات المتحدة في نهاية الأمر لن تواجه إيران عسكريا وقد اتضح ذالك من خلال أزمة الناقلات ومن هنا فإن الحل الإقليمي سوف ينهي جملة من الأزمات المحلية في اليمن وحتى سوريا والأزمة الخليجية حيث ان هذه الأخيرة تهدد بشكل صريح بقاء مجلس التعاون والذي يشهد تآكلا وانحسارا لدوره الذي كان يحمل طموحات كبيرة لشعوب المنطقة.
إذن المشهد اليمني يتعقد وأصبح موضوع عودة الشرعية يكتنفه الغموض وأصبح المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يدعو للانفصال صوته عاليا ويقوم بانقلاب واضح على الشرعية في المحافظات الجنوبية وفي مقدمتها عدن.
من هنا فإن موقف واشنطن ينبغي البناء عليه ووقف كل الممارسات في عدن وأبين وعودة الأمور الى طبيعتها لتتواصل الجهود وتنصب بشكل مباشر على إنهاء الحرب في اليمن والتي أصبحت تهدد المصالح الاقتصادية للدول وأصبحت تشكل عاملَ عدم استقرار لمنطقة الخليج.
وبدون هذا المسار فإن اليمن سوف يدخل دوامة من العنف والحروب الأهلية وعندها سوف تتشظى الدولة اليمنية ككيان سياسي موحد وهذا الأمر ينبغي على الحكماء في اليمن ان يدركوا خطورته وأن المغامرات العسكرية والتي تهدف إلى تفكيك الدولة اليمنية هي مسألة في غاية الخطورة ونتائجها سوف تكون كارثية على الشعب اليمني.
وفي ظل تلك التعقيدات فإن الجميع بانتظار خطوة حاسمة لردع تلك المغامرات العسكرية وأن تبدأ الجهود السياسية من قبل المبعوث الأممي أو الجهود السياسية الأخرى في احتواء الوضع المتردي في اليمن تمهيدا لحل سياسي شامل يحدد شكل الدولة اليمنية ولعل النموذج السوداني برغم اختلاف المشهد يعطي صورة إيجابية عن أهمية الحوار والتوصل إلى اتفاق تاريخي شهده البلد الشقيق السودان رغم تعقيدات المشهد بعد سقوط النظام السابق.
إن اليمن الشقيق بتاريخه وحضارته وشعبه الأصيل يستحق الأفضل ولابد من التنازل عن المصالح الشخصية والحزبية والتطلعات السياسية لصالح الاستقرار وحتى يشهد اليمن مرحلة جديدة من الاستقرار والسلام بعد عقود من الصراعات والحروب والاغتيالات والتي جعلت اليمن ساحة صراع مفتوحة لأكثر من نصف قرن، ومن هنا فإن المشهد اليمني يمر الآن بأخطر مراحله منذ اندلاع الحرب الكارثية عام 2015 تلك الحرب التي أصبحت بمثابة مستنقع وأصبح الكل يبحث عن مخرج لإنهاء هذا النزيف الذي أصبحت تكلفته عالية ماليا وإنسانيا وأخلاقيا، وعلى ضوء ذلك فإن نهاية الحرب في اليمن هي الخطوة الأهم لتغيير المشهد المؤلم ونسف أي مخطط لانفصال جنوب اليمن وان يستعيد اليمنيون تماسكهم ويبدأ الحوار المباشر بينهم بما يحقق مصلحة وطنهم.