شفافية :حتى يكون اقتصادنا أقوى من الأزمات

محمد بن أحمد الشيزاوي –
shfafiah@yahoo.com –

كثر الحديث في الأسابيع الماضية عن أن هناك أزمة اقتصادية جديدة سوف تؤثر على الاقتصاد العالمي خلال العام المقبل، وهو موضوع يتم تداوله منذ أكثر من عام بشكل يشيع التشاؤم في أوساط العديد من الاقتصاديين والمتابعين للشأن الاقتصادي في السلطنة وربما العاملين في القطاعين العام والخاص والمواطنين، ورغم المؤشرات الاقتصادية الجيدة التي أظهرها الاقتصاد الوطني منذ مطلع العام الماضي والتحسن المستمر في عدد من القطاعات الاقتصادية واستكمال تنفيذ العديد من المشاريع الحيوية والبدء في تنفيذ مشاريع جديدة إلا أن ظهور أزمة اقتصادية جديدة سوف يعيدنا إلى نقطة البداية ويضاعف حجم التحديات.
وبغض النظر عن الآراء المتباينة بشأن الأزمة الاقتصادية العالمية المتوقعة (هل ستأتي أو لا تأتي) فإنه من المناسب أن ندرس واقع الاقتصاد الوطني وهل هو مهيأ للتعامل مع أي أزمة اقتصادية جديدة؛ خاصة أن الميزانية العامة للدولة لم تحقق أي فائض خلال السنوات الخمس الماضية وتم منذ عام 2014م اللجوء إلى الاقتراض المحلي والعالمي والسحب من الاحتياطيات لتمويل عجز الموازنة، وهو ما يعني أننا في حاجة إلى اتخاذ سياسة اقتصادية تُؤدي إلى نمو أكبر في القطاعات غير النفطية كالصناعة والسياحة من غير زيادة الضرائب وإنما من خلال تشجيع الصناعات التحويلية، وإقامة مصانع إنتاجية تعتمد على استخدام المواد الخام المحلية، وتخفيف القيود التي يواجهها القطاع الخاص، وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتسريع إجراءات تنفيذ المشاريع، والاستفادة بشكل أكبر من الإمكانيات التي تتمتع بها السلطنة من حيث الموقع الجغرافي والثروات السمكية والمعدنية والمقومات السياحية المختلفة.
وإذا نظرنا إلى الناتج المحلي الإجمالي للسلطنة خلال العام الماضي نجد أنه سجل نموا بنسبة 12% عن مستواه في عام 2017 ليرتفع من 27.2 مليار ريال إلى نحو 30.5 مليار ريال؛ غير أنه من الملاحظ أن هذا النمو يعود بشكل أساسي إلى ارتفاع الناتج المحلي للأنشطة النفطية التي ارتفعت من 7.9 مليار ريال إلى 10.8 مليار ريال مسجلة نموا بنسبة 37.1%، في حين أن الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية سجل نموا بنسبة 2.9% فقط ليرتفع من 20.2 مليار ريال إلى 20.8 مليار ريال، ومن الملاحظ أيضا أن الناتج المحلي لقطاع الإنشاءات سجل العام الماضي تراجعا للعام الثالث على التوالي ليبلغ 1.9 مليار ريال مقابل 2.1 مليار ريال و2.3 مليار ريال في عامي 2017 و2016 على التوالي.
وبالإضافة إلى التحديات التي تواجهها عدة قطاعات اقتصادية هناك تحدٍّ آخر لا يقل أهمية عنها وهو مسألة الباحثين عن عمل، فبحسب البيانات الإحصائية الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات فإن النسبة الإجمالية للباحثين عن عمل (الذكور والإناث) ممن يحملون مؤهلا جامعيا بلغت بنهاية مايو الماضي 9.7% والدبلوم الجامعي 9%، ومن الملاحظ أيضا أن نسبة الإناث الباحثات عن عمل ممن يحملن مؤهلا جامعيا بلغت بنهاية مايو الماضي 18.3% والدبلوم الجامعي 17%، صحيح أن النسبة الإجمالية للباحثين عن عمل من مختلف المؤهلات الدراسية تبلغ 2.5%، إلا أنه من المهم النظر إلى نسب الباحثين عن عمل ممن يحملون المؤهلات الجامعية فهم قوة العمل الرئيسية التي علينا الاهتمام بها، كما أن هناك أرقاما صادمة لنسبة الباحثين عن عمل في الفئات العمرية من 15 سنة إلى 29 سنة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن العام المقبل سوف يشهد مخرجات جديدة من أصحاب المؤهلات الجامعية ومن تقل أعمارهم عن 29 سنة فإن هذا يجعلنا أمام تحديات أكبر خاصة إن صحت توقعات مجيء أزمة اقتصادية عالمية جديدة.
إن مناقشة الآراء التي تتوقع أزمة اقتصادية في عام 2020 أصبح أمرا ضروريا لوضع السيناريوهات التي تمكّننا من مواجهتها إن حدثت، وعلى الرغم من تفاؤلنا بالمؤشرات الإيجابية التي أظهرها الاقتصاد الوطني خلال العام الماضي والنصف الأول من العام الجاري إلا أنه من المهم أن نهيئ اقتصادنا لمزيد من النمو بحيث لا تؤثر فيه أي أزمة اقتصادية؛ ولا يتحقق ذلك إلا بالإصرار على سياسة التنويع الاقتصادي عبر تشجيع القطاعات غير النفطية على النمو وزيادة قدرتها على توفير فرص العمل للمواطنين.