التنمية المستدامة وعمارة المستقبل

لا تقف تصورات الكائن البشري عند حدود معينة، فكلما عبر بمنطقة أو مرحلة من المراحل الزمنية، فكّر في مراحل جديدة، لكنه وهو يفكر في المستقبل والجديد، يستحضر التجارب والخبرات التي تم استخلاصها في مسيرة الأمس والتاريخ إلى لحظته الراهنة، هذا شأن التجربة البشرية في كافة قطاعات الحياة الإنسانية وعبر مختلف العصور والحقب في التاريخ.
ينطبق ذلك على المدن والعمارة والتخطيط الحضري بشكل عام، حيث إن نسيج الإنسان وعلاقته بالمكان هي في واقع الأمر تمر بالأطوار نفسها، وهي علاقة تربط بين الإنسان والزمان والمكان، المكان بوصفه علامة للحضور والجغرافية، والزمان بوصفه علامة وأساسا مرجعيا للتاريخ والتقاليد والثقافة المتوارثة وكافة الصور المختزنة في دولاب الأمس.
وفي مفاهيم العمارة والتخطيط والنظرة إلى هويات المدن بالتحديد، فنحن ندرك تماما أننا نعايش مراحل تاريخية تجلت في البناء أو في الشوارع أو في المباني المختلفة التي تحمل وظائف متعددة، فالعمارة ليست مجرد أبنية ثابتة وراسخة وأشكال لا معنى لها، بل هي ذات دلالات عميقة ولا يمكن فهمها بمجرد النظر إليها، بل عبر الاستحضار القوي للتاريخ والمعاني الخالدة فيه وذاكرة الناس في المكان المعين، حيث تنعكس التجارب والخبرات والثقافات من خلال هذه الأبنية الشاهقة.
مناسبة هذا الحديث «المؤتمر العربي للمدن المستدامة» المنعقد بصلالة في نسخته الثانية بعنوان «دور شركاء التنمية العمرانية في تحقيق التنمية الحضرية المستدامة» وتحت شعار « إسكان مستدام»، الذي يبحث في تطوير البنية الأساسية والإسكان المستدام في كافة القطاعات.
إن فهم هذه المعاني وجعلها في إطار فلسفي ومعرفي واحد ومتصل من حيث الأهداف والنتائج المرجوة، يتطلب من الباحث أو المراقب أو المتخصص أو الإنسان العادي المهتم، أن يفكر في تغيرات العصر والحياة، وأن فكر النماء المستدام يخضع في حد ذاته لتطور مستمر، حيث إنه لا يقف عند نقطة معينة إلا ويغادرها إلى أخرى جديدة، بحيث يستوعب الأمس مرورا بالحاضر إلى المستقبل المنشود، وهكذا هو مسار التجارب الإنسانية على مر العصور، إذ تبنى من خلال هذا التراكم وبوعي تام من ممارسي الأعمال وصانعي الأفكار والابتكارات ومستشرفي الأفق المشرق.
إن إثراء الحوار والنقاشات الغنية في مثل هذه المناسبات الفكرية والحوارية، من خلال العصف الذهني والمبادرات الذكية والرغبة في تلمس الأفق الأفضل، كل ذلك يقود إلى فضاء إنساني جديد من الوعي الخلاق الذي يلامس عمق الاحتياجات البشرية والمستدامة، لأن طبيعة الحاجة الإنسانية ذات علاقة بالمشاعر قبل أن تكون ذات نسق أو دلالة فكرية.
من هنا فإن الطريق إلى مدن المستقبل، هو درب المشاعر الجديدة والمدركات التي تقف أمام تحديات الإنسان في مرحلة جديدة من تاريخه الإنساني الصاعد إلى المستقبل، عبر الرغبة الجادة والأكيدة في تجاوز التحديات والمعوقات كافة إلى تشييد العالم الجديد والمرتجى.