تحت جناحي الممزَّق تستريح الريح.. رؤية شعرية للوجود والكون

عمّان «العمانية»: في عنوان مجموعته «تحت جناحي الممزق تستريح الريح»، يتناص الشاعر الفلسطيني المقيم في نيكاراجوا فخري الرطروط مع البيت الشهير لأبي الطيب المتنبي: (على قلقٍ كأنّ الريح تحتي/‏‏ أوجّهها يمينا أو شمالا). ولكنّ زمن المتنبي يختلف عن زمن الرطروط، ليس فقط من حيث اختلاف اهتمامات الناس وقضاياهم، بل وأيضا من حيث شكل التعبير وأدواته ووسائله. فالرطروط في كتابه الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان، يلجأ للومضة أو «الزفرة» والنفثة التي تكتفي بجملة واحدة أو بضع كلمات لتلخيص الصورة واختزال الحال.
في كتابه الذي يقع في 180 صفحة من القطع الوسط، يدوّن الرطروط (أو ينقش) عبارات تتأمل الوجود، دون أن يسرف في الإنشاء، منحازا للصورة الحسّية أو المتخيّل الذهني الذي يتواءم مع وسيلة العصر للتلقي.
يُقسم الكتاب إلى ثمانية نصوص تتسم بعناوينها ذات الدلالة السريالية والتي لا تبتعد عن الواقع السريالي في لا معقوليته وغرائبيته، والعناوين هي: «صيف وحشرات وأحلام ميتة»، «متى ستتحول البنادق إلى كائنات نباتية؟»، «موسم خصاء البراغيث»، «مقدمة سفينة في كأس ماء»، «مملكة القرود»، «مسحوق الكآبة»، «رجل وحيد يلعب التايكوندو مع الهواء»، و«لن ننجز شعراً يكفي لرثاء العالم».
وينطق الشاعر في ومضاته من رؤية شعرية للوجود والكون، وهي الرؤية اللامعقولة التي تبدو غريبة كما الشعر لاستيعاب الواقع الأشد غرابة، وهو يراهن على الشعر والشعرية لوعيٍ متوازن للكون.
وللعناوين الفرعية التي اختارها الرطروط علاقة كبيرة بمتون النصوص في تصوير العالم المتوحش، والتساؤل عن الزمن الذي ستتحول فيه البنادق إلى كائنات نباتية، بمعنى تخلّيها عن وحشيتها وتغير دورها من وسيلة للموت إلى وسيلة للخصب والحياة.
في المقولة الكلية للمجموعة، ثمة سرد يلخّص سيرة الحياة نفسها بتأملات الواقع وإعادة بنائه شعريا كرهان للخروج من مأزق الحياة:
«هذا العالم خرج لي بالصدفة من ماكينة قمار
وضعتُ قطعة معدنية
فربحني العالم».
وهي الصدفة نفسها التي تحكم الحياة بقدَرية غير معلومة:
«نحن قنابل مؤقتة
تقوم القوى العلوية بتفجيرها بقسوة
وفي اللحظات غير المتوقعة».
ولا يكون لنا سوى الانتظار أو متابعة المشهد وهو ينهار:
«نجلس على حطام العالم
نراقب السماء الزرقاء
والغيوم والطيور المهاجرة».
هذه النصوص التي تفيض تأملا في الحياة، لا تحتاج للسرد الطويل، وإنما للإبراقات والنفثات التي أحسن الرطروط في اختيارها أو بشكل أدقّ في التقاطها من فضاء الحياة الذي تنسجها تلك الصور كالعناكب، وهي نصوص تتواءم مع عصر السرعة والتكنولوجيا التي تكتفي بالجملة التي تثير التفكّر، وتترك في نفس القارئ الكثير من الأسئلة التي يضعها تحت جناحيه كلما راودته نفسه للتحليق.
هي الأسئلة التي تراود المبدع حينما يدخل المرآة ويضلّ طريق العودة، ولا يسعفه سوى الشعر، حيث «للشعر رائحة لا تعرفها سوى الذئاب المنفردة»، وحيث الشعراء «صمامات أمان لهذا العالم»، وحيث الشعر «قادر على إطلاق النار على الأشياء القبيحة في العالم من النقطة صفر»، فالعالم الذي يشيَّد في قصيدة «لا يمكن تدميره».
في «تحت جناحي الممزق تستريح الريح» اختزالٌ لصور الحياة التي يراها الشاعر في الباص والسينما، ويصادفها في الشارع وقارعة الطريق، ليعيد تقطيرها بنشوة الشعرية، فهي دعوة لشعرنة العالم التي تتمثل رؤيةَ أبي الطيب المتنبي وهو يوجه أقداره رغم إدراكه بعبثية تلك الأمواج المتلاطمة: «على قلق». وربما هذا ما دفع الشاعر الرطروط إلى التساؤل متمثلا مقطعا من فيلم سينمائي: «لماذا تستمر في العيش؟» قبل أن يجيب نظيره في المرآة: «لأنه ليس لدي خيار آخر».