الـ «خرافة» .. تصدمها الحقائق وتبررها الجهالة

أحمد بن سالم الفلاحي  –
كاتب صحفي –

هل سنحتاج الى مشرط حاد لكي نستأصل الـ «خرافة» المتوغلة في فهم العامة، لكي نفسح المجال أمام الحقيقة العلمية -على وجه الخصوص- حتى تأخذ مكانتها وسلطتها، وهيبتها دون منازع؟
لا تبدو المسألة الاجتماعية على إطلاقها وفق رؤية الروائي الإيرلندي ماكجرين في روايته «كي يواجهوا الشمس المشرقة“ عندما قال: «عالم غيبته التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عصفت بالمجتمع الريفي (…) عالم يتلاشى بفعل الهجرة والرحيل ويذوي المجتمع فيه على هامش الحداثة وأنماط الحياة الجديدة»- انتهى النص – فلا تزال مختلف المناخات الاجتماعية تتوغل كمفاهيم، وقناعات، وممارسات، وإيمانيات، وبالتالي؛ وكما تبدو الصورة ذاتها؛ لا تزال البشرية تؤرخ لوقع الخطوة في مربعها الأول، ولم تستطع حتى الآن؛ على الرغم مما اربك هذه المسيرة كلها؛ طوال سنوات الوعي المستمرة، والمتراكمة، أن تزحزح الكثير من القناعات، وللذين راهنوا على توالي الأجيال، من أنها سوف تحدث ثورة قيمية غير عادية، يبدو أن رهانهم؛ لن نقول عنه خاسرا بحكم مطلق؛ ولكن ما تحقق منه شيء نسبي جدا، لا يتوازى مع هذه الثورة المعرفية التي تعيشها الشعوب قاطبة، بلا استثناء، ذلك أن القيم الاجتماعية ليس يسيرا تزعزعها وفق مفهوم الـ «وجبات السريعة» والأجيال التي تتبنى التغيير لن تتفق اتفاقا شموليا يذهب إلى التغيير الجذري السريع والمباشر، فوق أن التفاوت العمري بين الأجيال هو الذي يعرقل مسيرة التغيير الجذري السريع والمباشر، وبالتالي كلما خطا هذا التغيير خطوات، واجه عقبات القناعات الفردية، ومشكلة هذه القناعات أنها مرتبطة بالفرد في سياقه الزمني وخبراته، وليست فقط مرتبطة بالتحولات الجمعية الشمولية.
ومن هنا ستبقى المفاهيم الاجتماعية حاضرة في كل عصر، ومقبولة في كل عصر، وممارسة في كل عصر، وتحظى باهتمام غير عادي في كل عصر، حتى وإن بدت للصورة أنها شاذة، أو غير متناسقة مع أدوات عصرها، وهذه هي المحنة الكبرى لجميع المنظرين، وقادة الرأي، وأصحاب الدراسات الميثيلوجية والمهتمة بعلم الأساطير؛ على سبيل المثال.
من هنا يأتي الحديث عن مصطلح الـ «خرافة» وهو المفهوم الاجتماعي الأبرز، الذي لا يزال يحتفظ بمكانته كأهمية حاضرة في الوعي الجمعي، وبمفهومه القيمي، وتأثير ذلك على سلوكيات الأفراد، ومدى الإيمان بحقيقته، ولذلك استطاعت الخرافة أن تحجز لها مكانة في الذاكرة الشعبية، وارتقت الى مستوى المنهج، لأنها ظلت ولا تزال مرجعا لكثير من المواقف، هل ذلك عائد إلى القوة التي لا يزال يمارسها الجهل في هذه الذاكرة؟ أم أن النفوس أدمنت المفردة أكثر من استيعاب حقيقتها؟ لأنه في المقابل هناك نكران لهذه الحقيقة، ولذلك عندما يريد أحدنا أن يسقط حقيقة ما، سرعان ما يقول لك: «هذه خرافة» فهذا الإسقاط يعطي مؤشرا آخر أن الـ «خرافة» لم يبق لها في واقع الناس إلا الاسم فقط.
تذهب الـ «خرافة» إلى حيث مناخات الميتافيزيقيا، ولذلك فهي تحظى ببعض الاهتمام، وبعض الاعتناق، وبعض التفكير في ضرورة استيعابها كواقع، مع أن الواقع؛ في المقابل؛ أن العلم يعيش معترك الصدام مع كل ما يذهب إلى مفهوم الـ «خرافة» لذلك فما بين العلم والخرافة ثمة مصادمة قائمة، وهي تعكس مراوحة بين الخطأ والصواب، والسلوك والسلوك المضاد، ومع ذلك ظلت الخرافة حاضنة لسلوكيات كثيرة أقرها أبناء المجتمع على أنها مسلمات، وإن تضاربت مع العلم والدين، فالعلم؛ كما هو الدين؛ لا يؤمن بالخرافات، والتراهات، ويرى فيها مضيعة للوقت، ومصادمة للفكر، وينتصر مع الزمن في تجاوز هذه المفاهيم البدائية، ومع ذلك لم يستطع المنجز العلمي؛ حتى الآن؛ من أن يسقط عَلَم الـ «خرافة» فلا يزال مرفرفا، وحوله كثيرون يحيونه صباح مساء، حيث تعيش الخرافة تألقها الدائم، لأن درجة تصديقها في الوسط الشعبي لا تزال عالية جدا، بغض النظر عن تصادمها مع العقل، ومن قبله الدين.
يقول الكاتب (منصف المزغني) في مقال له تحت عنوان: (الإرهاب والكتاب) نشر في مجلة (دبي الثقافية) في العدد (118) مارس 2015م: «لا إرهاب مثل الجهل، ولا إمكان لدفعه عن العقول إلا بالمعرفة المخزونة المحضونة في الكتاب الذي حافظ على نقل العقل والعلوم، وفيه تم تدوين مسلسل الجدل الإنساني الدائر في معارك أهل الفكر والعلم ومعارفهم حيث الفكرة تقارع الفكرة المضادة». انتهى النص
ولكن فكرة الخرافة؛ وهي المنتشرة عند عامة الناس؛ في المجتمع؛ يقينا؛ لا توازي فكرة العالم؛ حيث لا مقارنة؛ ولذلك؛ ربما يقف العالم حائرا من تأصل بعض المفاهيم لدى عامة الناس، وصعوبة زعزعة هذا التأصل القابع في الذاكرة الجمعية لدى العامة، والمهم في هذا الاتجاه أن هناك ثمة اتحاد معلن ومعتمد بين العلم والحقيقة في محاربة الـ «خرافة» ولكن لأن هناك ثمة مصالح مادية لفئات في المجتمع؛ تنتصر للخرافة؛ فإن المعركة لا تزال تراوح مكانها، حيث لا غالب ولا مغلوب، وخاصة فيما يتعلق ببعض العلاجات الشعبية، وهي جزء لا يتجزأ من حاضنة «الطب البديل» الذي لا يزال يلقى رواجا يكاد يوازي الطب الحديث، من حيث الاهتمام به، ومن حيث اعتناقه كبديل للطب الحديث، ومن حيث الإيمان بفاعليته وقدرته على الشفاء، أو على الإجابة عن الأسئلة الحائرة لكل الصور غير المرئية في واقع الناس، أي ما وراء الطبيعة البشرية.
قد يعمل التشخيص، وخاصة في جانب الأمراض التي تترعرع في بيئتها الخرافة «غالبا» على مقاومتها، وعدم مساومتها، ولكن في جانب آخر تلد الخرافة مولودا خاليا من العيوب، وهي الحالة التي يجد فيها المريض علاجا لمرض قضى الأشهر العديدة بين أحضان المستشفيات، ومع ذلك خرج بـ «خفي حنين» ووجد؛ في المقابل؛ العلاج الناجع مع معالج شعبي، تكاد تهزأ من شكله، ورثة ثيابه، ومكان إقامته؛ هل هي الصدفة حينها تبرأ ساحة الـ «خرافة»، وتسقط الطب الحديث في منزلق عدم التكافؤ؟
قد نطرح هنا تساؤلا؛ لا يقل حيرة؛ فنقول: هل هناك ثمة علاقة بين خرافة المعتقد وعقلية الندرة؟ لأن عقلية الوفرة المعززة بالمعرفة، والمحصنة بالبحث والتدقيق، والكشف والتعليل، وإني لأحزن؛ حقا؛ عندما تعلن الـ «خرافة» انتصارها على الحقيقة العلمية في مثل هذه المواقف، لإيماني الشديد، والكبير بأن ما تتحصله الـ «خرافة» من نتائج هي لا تخرج عن الصدفة، بينما ما يتحصله العلم من نتائج فهي قائمة على جهد إنساني خالص وصادق، وملموس.
هناك من ينتصر لفهم أنه لا توجد حقيقة مطلقة، ولأن الـ «خرافة» تصطدم؛ غالبا؛ بالحقيقة، لم تستطع الحقيقة أن تتجرد في محاربتها للخرافة، وذلك عودة إلى ذات الفكرة أنه «لا توجد حقيقة مطلقة» فهل هذا هو قدر للحقيقة أن تعيش في هذا المأزق الخطير، لكي تجد الـ «خرافة» تألقها، ولو في حضرة الحقيقة؟ إنها إشكالية مفاهيمية كبيرة، ليس يسيرا تخطيها، ولعلني لا أتجاوز الفهم إن شبهت هذه الصورة بصورة المعنى الوارد في بيت الشعر الذي يقول:
«لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى: حتى يراق على جوانبه الدم»
فهل سنحتاج الى مشرط حاد لكي نستأصل هذه الـ «خرافة» المتوغلة في فهم العامة، لكي نفسح المجال أمام الحقيقة العلمية؛ على وجه الخصوص؛ لكي تأخذ مكانها وسلطتها، وهيبتها دون منازع؟
يمكن الختام هنا، بتسجيل مجموعة من النقاط، كاستخلاصات لهذه المناقشة لموضوع الـ «خرافة» ومن هذه النقاط:
أولا: ما بين الـ «خرافة» والحقيقة ثمة فاصل دقيق، وعلى العقل البشري أن يتجرد من المهادنة، فالصح يجب أن يبقى صحيحا؛ حتى إن وقع في مأزق الخطأ، والخطأ يجب أن يبقى خطأ؛ حتى وإن حقق نصرا يذهب به درجة إلى درجة الصح.
ثانيا: هناك ثمة علاقة بين الـ «خرافة» والإشاعة وكلاهما يروج للآخر، ومعظم المجتمعات الإنسانية تعيش محنتها الكبرى في نسبية تصديقها للخرافة والإشاعة على حد سواء.
ثالثا: من يذهب الى تعطيل الحقيقة، ويعلي من شأن الـ «خرافة»، فإنه؛ في هذه الحالة لا بد من لجنة لتقصي الحقائق، فإن هناك ثمة مصلحة ما، تمخر في بنية القناعات، وتربك تماسكها.
رابعا: استحوذت الكهوف والأماكن الخربة على قدر كبير من الأساطير والخرافات، عززتها الثقافة الشعبية المتواضعة التي تنتصر إلى التسليم المطلق بكل ما هو غيبي، وهذه إحدى الصور الماثلة لدى كل شعوب العالم، فأينما تذهب، تجد الخرافات، والأساطير، والأماكن؛ كالكهوف والمغارات؛ التي تعزز قناعات الناس بوجودها.