ملامـح مـن ذاكـرة الأعـيـاد

للعيد ذاكرة تختلف من شخص لآخر، ولكن أغلب ذكريات العيد تعود إلى الأيام التأسيسية في الطفولة، حيث يكون الإنسان في براءته الأولى وقادراً على اقتناص العالم في باكورته، ومن ثم مع تقدم الحياة والعمر تصبح الكثير من التقاليد والعادات من قبل الروتين والمعاد.
غير أن الإنسان بشكل عام مطالب بأن يخلق التغيير في الحياة، بحيث يكون له استعادة النشاط لينطلق نحو الإنجاز وتحقيق الأفضل في مستقبله، وكما ينطبق ذلك على الأفراد فهو ينطبق كذلك على الشعوب والأمم والدول، فالقاعدة واحدة لا تختل ولا تختلف، حيث إن الحيوية تكمن دائماً في التغيير والبحث عن الجديد وابتكار الحياة البديلة والسعيدة في الوقت نفسه.
درج الإنسان على أن يوجد النظام في حياته اليومية بحيث يكون له أن يعتاد الأفعال والتصرفات ويعمل على الأشياء بنظام وإيقاع محسوب ودقيق، غير أن الروتين قد يتحول في كثير من الأحيان إلى الملل ويفقد الكائن البشري القدرة على العطاء والإبداع، لهذا تحتاج النفوس البشرية والقلوب إلى الراحة والاستجمام والتغيير.
فالقلوب قد تكل وتمل، وتعمى، كما الأبصار، حيث إن طاقة الإنسان تقوم على النشاط الحيوي المستمر الذي لا يوقفه إلا الاستدامة السلبية، في مقابل ما يمكن أن نسميه الاستدامة الإيجابية التي لها طابع التجديد والنشاط والتغيير.
إذا ما تأملنا في الطبيعة من حولنا من أشجار وعصافير وزهور وكافة مظاهر الحياة في فطرتها، فهي التي تعطينا الدروس في فكرة الحيوية والنشاط والتجديد والبراءة المطلوبة لإعطاء الحياة المعنى، إنه عيد الطبيعية المستمر الذي لا يتوقف، تعاقب الفصول من فصل لآخر، ولنا أن نتخيل لو أن المواسم كانت موسماً واحداً ما الذي كان سوف يكون عليه شكل الحياة، ربما ليس الملل وحده ما سيسود بل الموات، حيث تنتفي الحيوية ولا يبقى سوى التحجر والتصلب الذي لا يحمل في داخله أي قدرة على توليد المعنى الجديد لكينونة الذات في العالم.
الخلاصة أن الناس في كل أطوار حياتهم عليهم تمثل الحياة الفطرية والطبيعة من حولهم التي سوف يتعلمون منها الكثير، في كيفية التكيف مع الأشياء والمستجدات في كافة الأصعدة الإنسانية وما سوى ذلك من التحديات التي يمكن أن تطرأ في الحياة بشكل عام.
مع كل عيد من أعياد الحياة الإنسانية، يجب أن نقف مع الذات أكثر من مرة متأملين ومباركين لأنفسنا نعمة الحياة وأن نعيش بالأمل والرجاءات التي لا تنقطع في سبيل تحقيق الأفضل في مقبل الأيام، لأن طابع الإنسان هو الرجاء والطموح حيث لا يقف عند نقطة معينة باعتبارها الغاية النهائية، وهكذا خلقنا نحن البشر، بتلمس الفضائل والمحامد وقبل ذلك أن نعمل بكل جد وإخلاص لأجل صيرورة العيش والعطاء لكي نرسم أفقنا المرتجى في الوجود، نترك البصمة والأثر ونُعبِّد الطريق بالذكريات الحسنة.