التحول الكبير القادم في تقنية الكهرباء

نك بتلر
الفاينانشال تايمز
ترجمة: قاسم مكي

أعادت التكنولوجيا مجددا تشكيل سوق الطاقة خلال العقد الماضي، فتطوير الغاز والنفط الصخريين في الولايات المتحدة أحدث تحولا في نمط التجارة الدولية وقلص الأسعار. وبدأ الانخفاض في تكلفة إنتاج الطاقة من الموارد المتجددة في تحويل طاقة الشمس والرياح إلى منافس للموارد التقليدية دون الحاجة إلى دعم مادي (من الحكومات). كما عززت الإنجازات التي تحققت في تقنية البطاريات من قدرة السيارات الكهربائية على تحدي سيارات محرك الاحتراق الداخلي.
لكن قد يتضح أن تأثير التقدم الذي شهدته تقنية التوليد والاستخدام اللامركزي للكهرباء سيكون أشد وأقوى في تشكيل سوق الطاقة خلال العقد القادم. (تعني هذا التقنية القدرة على إنتاج وتوصيل الكهرباء للمستهلكين دون الحاجة إلى ربطها بشبكة مركزية).
فحسب تقديرات البنك الدولي لا يزال حوالى 840 مليون شخص عاجزين عن الحصول على الكهرباء. ويعتمد حوالي ثلاثة بليون نسمة على أنواع الوقود الملوثة للهواء مثل الحطب وروث البهائم لتدفئة منازلهم وطهي طعامهم.
لكن ما يسعد المرء أن التقنية بدأت في التقليل من هذه الأعداد. فهي تمكن الملايين من الناس في كل عام من الحصول على الطاقة التي يمكن أن تضيء بيوتهم وتزودهم بماء شرب نقي وتمكنهم من المشاركة في الاقتصاد التجاري.
غير أن الإنجازات في تقنية التوليد اللامركزي للكهرباء سيكون لها أثر أقوى كثيرا من مجرد تلطيف الفقر. فالتقدم الذي يتم إحرازه في هذا المجال ينتج عن تطوير إمدادات التوليد اللامركزي للكهرباء من طاقة الشمس والرياح والتي يمكنها تشغيل أجهزة بسيطة ولكن فعالة مثل الثلاجات ومضخات المياه وأجهزة التلفاز.
وحسب تقديرات وردت في تقرير جديد صادر عن الرابطة العالمية لصناعة الطاقة الشمسية خارج الشبكة (GOGLA) والبنك الدولي زادت مبيعات أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية في العام الماضي بنسبة 77% مقارنة بعام 2017 وبحوالي 133% منذ عام 2016. وتقدر كل من الرابطة والبنك أن 108 ملايين أسرة على مستوى العالم توافرت لها بنهاية عام 2018 إمكانية الحصول على الإضاءة باستخدام هذه الأنظمة.
يشكل هذا العدد نسبة مئوية ضئيلة قياسا بالإمكانية التسويقية للكهرباء غير الموصولة بالشبكات المركزية ولكنه يشير إلى أن الفقر المعيشي المطلق والذي يعني حسب تعريف الأمم المتحدة «الحرمان الشديد من الحاجات الإنسانية» يمكن تقليصه بطريقة مثيرة عما قريب بفضل توافر إمكانية الحصول على استخدام الطاقة الكهربائية.
هذا النجاح لا يتحقق من تلقاء ذاته. فمدونة الاستدامة بشركة مكنزي تؤكد هذا الشهر أن استمرار التقدم في هذا المجال يعتمد على تبني السياسات الحكومية لفكرة إمدادات الكهرباء خارج الشبكة كبديل ملائم اقتصاديا لكهرباء الشبكات التقليدية. كما أن الأنظمة المالية التي يسدد عبرها الزبائن أثمان هذه الإمدادات وأسعار المنتجات المستخدمة لها «بالتقسيط» ضرورية أيضا.
تبلغ تكلفة أنظمة الكهرباء المنزلية المستمدة من ضوء الشمس وهي تتفاوت بين الفئة الأولى الأساسية التي توفر كهرباء لمدة أربع ساعات في اليوم إلى الفئة الثالثة (ثماني ساعات) حوالى 100 إلى 300 دولار لكل منهما.
هذا وتشير شركة مكنزي إلى أن التفاؤل البهيج ليس نموذجا تجاريا ناجحا وأن ثمة عوائق ينبغي التغلب عليها. لكن تقرير الرابطة العالمية للطاقة الشمسية يشير إلى انتفاء السبب الفني الذي يجعل شخصا «ما» يعيش الآن دون كهرباء.
ماذا يعني هذا بالنسبة لسوق الكهرباء الأوسع نطاقا؟ أولا، مع خروج الملايين من جب الفقر سيزداد الطلب على الكهرباء التقليدية بسرعة في مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا. وتشكل إمدادات الكهرباء خارج الشبكات المركزية منصة انطلاق للوفاء بهذا الطلب المتزايد. ومع ارتقاء وتحسن أوضاع الفقراء سيبدأ هؤلاء في استخدام الوقود للمركبات والمواد البتروكيماوية لتسميد محاصيلهم الزراعية. ويشهد الطلب على الكهرباء في الهند سلفا زيادة بنسبة 4% سنويا. كما أنه سيزداد أكثر إذا التحق قسم كبير من فقرائها الذين تبلغ نسبتهم 21% من سكانها بالاقتصاد التجاري. إن حجم الطلب الممكن على الكهرباء ضخم.
ثانيا، لا يقتصر استخدام أنظمة توليد الكهرباء خارج الشبكة على الفقراء. فلا يوجد سبب يجعلني لا أشاهد تلفازا في مكان لا يرتبط بالشبكة المركزية للكهرباء ويحصل على الطاقة الكهربائية من ألواح الخلايا الشمسية. كما لا يوجد سبب يجعلني لا أطبع مقالي هذا على جهاز الحاسب الآلي الذي استخدمه الآن بعد توصيله بقابس يستمد الكهرباء من توربينة رياح خاصة بي.
كذلك يمكن لمتاجر التجزئة الكبيرة والصغيرة أو مؤسسات الخدمات الصحية الوطنية استخدام أحدث تقنية تبريد غير مرتبطة بشبكة الكهرباء لحفظ الإمدادات الغذائية والدوائية.
في الواقع يشهد إنتاج الكهرباء من مصادر أخرى بخلاف محطات توليد الكهرباء المركزية والتقليدية تقدما في الوقت الحاضر في أوروبا والولايات المتحدة. كذلك يمكن للتقدم الفني الذي يتحقق في إفريقيا وسواها، خصوصا في مجال تطوير أنظمة ومعدات لا تحتاج إلى الربط بشبكة كهرباء مركزية، إحداث تحول في طريقة استخدام الطاقة بالبلدان المتقدمة.
ومن الممكن أيضا أن يدفع هذا التحول إلى اقتسام الكهرباء عبر شبكات محلية «جدا» داخل القرى والمدن الصغيرة والشوارع والمجمعات السكنية.
لقد اعتدنا على التفكير في عملية التحول في استخدام موارد الطاقة باعتبارها انتقالا إلى اقتصاد أقل إطلاقا لثاني أكسيد الكربون في الهواء. لكن انتقال الشركات والعائلات على السواء إلى إنتاج نسبة كبيرة من الكهرباء خارج الشبكات المركزية قد يجعل المنتجين التقليديين للكهرباء مجرد مزودين احتياطيين بالكهرباء (عند الضرورة فقط – المترجم).
لقد تجاوز الزمن، كما يبدو، نظام الإمداد بالطاقة الكهربائية الذي نشأ خلال القرن الماضي.


  • الكاتب رئيس معهد السياسات بجامعة كنجز كوليدج- لندن