الرواحي: فريضة الحج يتجرد فيها المسلم والمسلمة من كل علائق الدنيا لأجل علائق الآخرة

شريعة الله الخالدة لا تفرق بين غني وفقير –
أجرى اللقاء :سيف بن سالم الفضيلي –

أكد الشيخ محمد بن زهران الرواحي من دائرة البحوث بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية أن شريعة الله هي التي لا ترى الوزن في الناس من حيث المناصب أو من حيث الجاه، أو من حيث النسب، وإنما من حيث التقوى، وفريضة الحج التي فرضها تعالى على المسلم في العمر مرة واحدة، واحدة من العبادات التي أراد الله تعالى بها أن نكون فيها سواسية كأسنان المشط، فهو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها؛ وجهتهم واحدة، ومقصدهم واحد، وتلبيتهم واحدة، وأفعالهم واحدة، وزيهم واحد يتعاونون فيما بينهم، ويتآزرون فيما بينهم، ويتكافلون فيما بينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويتنافعون فيما بينهم، ويتزودون بما يقربهم إلى الله عز وجل؛ ابتغاء مرضاته عز وجل.
وأوضح الرواحي أن الحج شرعه الله عز وجل لحكمة عظيمة، بل لحكم عظيمة؛ ففيه يتجرد المسلم والمسلمة من كل علائق الدنيا لأجل علائق الآخرة… وإلى ما جاء في اللقاء، يشير الرواحي إلى أنه من العبادات التي فرضها الله عز وجل لعباده، حج بيته الحرام، وفرضه عليهم في العمر مرة واحدة لمن استطاع إليه سبيلا.
قال الله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، وله أركان، وأركانه هي: الإحرام من الميقات، والطواف حول البيت، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة.
ومن شروط الحج: الاستطاعة لأداء هذه الفريضة؛ فلا بد لمريد الحج أن يكون لديه المال الكافي لأداء هذه الفريضة، كما أنه يجب أن يكون قادرا بدنيا لكي يستطيع أداء أعمال الحج المختلفة، كما يجب عليه أن يترك المال الكافي لأهله وعياله فترة غيابه عنهم لأداء هذه الفريضة، ويجب عليه أداء الحقوق لأصحابها من ديون، وإن نذر بشيء فعليه إيفاء نذره قبل الذهاب إلى الحج، والتخلص من كل التبعات التي عليه من ظلم الناس وإيذائهم، فيعطي الحق لكل من ظلمه، ويستسمح من اغتابه، ومن آذاهم بأي نوع من أنواع الإيذاء.

لماذافرض الله الحج؟

قال الله عز وجل: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ}.
إن الله عز وجل جعل لكل شيء سببا، وشرع من الأحكام ما يسعد للبشرية حياتها، في دنياها وآخرتها؛ فشرع الصلوات الخمس، وشرع الزكاة، وشرع الصوم، وكلها شرائع لو نظر الناظر فيها نظرة عبرة لاعتبر، ولو نظر الناظر فيها نظرة عظة لاتعظ، هذا هو الإسلام.
وكذلك الحج شرعه الله عز وجل لحكمة عظيمة، بل لحكم عظيمة؛ ففيه يتجرد المسلم والمسلمة من كل علائق الدنيا لأجل علائق الآخرة.
وهو المكان الذي يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها؛ وجهتهم واحدة، ومقصدهم واحد، وتلبيتهم واحدة، وأفعالهم واحدة، وزيهم واحد، يتعاونون فيما بينهم، ويتآزرون فيما بينهم، ويتكافلون فيما بينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويتنافعون فيما بينهم، ويتزودون بما يقربهم إلى الله عز وجل؛ ابتغاء مرضاته عز وجل.
هل وجدت البشرية شريعة كهذه؟ لا لم توجد. لماذا؟
لأنها شريعة الله الخالدة، التي لا تفرق بين الناس من حيث غناهم وفقرهم، بل من حيث أعمالهم وتقواهم.
إنها شريعة الله التي لا ترى الوزن في الناس من حيث المناصب، وإنما من حيث التقوى، إنها شريعة الله التي لا ترى الوزن في الناس من حيث الجاه، وإنما من حيث التقوى، إنها شريعة الله التي لا ترى الوزن في الناس من حيث النسب، وإنما من حيث التقوى.
قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، هذا هو الإسلام، وهذه هي شريعته الحقة.

كيف نفهم الفهم الصحيح لفريضة الحج؟

إن القرآن الكريم هو المصدر الأول للتشريع، وهو الذي نستقي منه الأدلة الشرعية، وتأتي بعده السنة النبوية الشريفة، وقد جاء في القرآن الكريم ما يدل على مشروعية الحج، وذلك في قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}؛ فهذه الآية الكريمة دليل واضح وقوي على مشروعية الحج، وأنه فرض على المستطيع من عباد الله، لا يقبل التأخير، فحين تكون هناك استطاعة، وجبت الطاعة، الطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.
إن الله عز وجل حينما يأمرنا بأمر، فإنما ذلك الأمر هو خير لنا؛ لأنه العليم بنا؛ من هنا فلا يجوز لامرئ يستطيع الذهاب إلى الحج ويتقاعس عن أدائه؛ لماذا؟ لأنه أولا: ينفذ أمر الله عز وجل، وكفى بهذا سببا في عدم جواز تأخير الذهاب إلى الحج وقت الاستطاعة، ولنضرب لذلك مثلا، ولله المثل الأعلى: فلنفرض أن سلطانا من السلاطين أمر أحد رعيته بفعل أمر، ولم يستطع المأمور فعل ذلك الأمر، أتراه بعد استطاعته سيفعله أم لا؟ لا شك أنه سيفعله، فكذلك الله عز وجل إذا أمر أمرًا بفعله، على العباد أن يسارعوا لفعله؛ لأن في ذلك خيرهم، وعزهم، ونصرهم، وشرفهم، وأمنهم، وقوتهم، وهيبتهم.
وثانيا: لأن الإنسان لا يعرف متى يأتيه الأجل، فإذا جاءه الأجل، ولم يحج فقد باء بالخسران المبين، لماذا؟ لأن الإنسان لا يخلو من خطأ، ولا يخلو من ذنب، ولا يخلو من تقصير، وجعل الله عز وجل الحج كفارة للمرء مما اقترفه من ذنوب وأخطاء وسيئات؛ أفلا يحرص الإنسان على طاعة ربه، وعلى مرضاة ربه عز وجل فيسارع للحج؛ لأن الحج يكفر عن جميع الذنوب والخطايا والسيئات، فيرجع المرء من حجه كيوم ولدته أمه؛ فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».
وثالثا: قال الله عز وجل: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، ويبين الله عز وجل في هذه الآية الكريمة أن الحج له وقت معين، فإذا كان كذلك، فلماذا لا يسارع الإنسان المستطيع للحج بالحج إلى بيت الله عز وجل؟ سؤال يوجه للمستطيعين؛ فهل من إجابة؟!
إن المرء ليصاب بالدهشة حينما يجد أناسا يستطيعون الذهاب إلى الحج، ولا يحجون، أتراهم أمنوا الحياة فلن يموتوا إلا بعدما تأتيهم الرغبة إلى الحج؟ أم تراهم أمنوا الغنى الذي هم فيه، فلن يفقروا بعد غناهم؟؛ فكم من غني صار فقيرًا؛ أم تراهم أمنوا الصحة فلن يمرضوا بعد عافيتهم؟ فكم من صحيح اليوم، مريض غدا، نسأل الله العافية، أم تراهم أمنوا الأوضاع في العالم فلن يستجد جديد؟ أليست الأوضاع الآن غير ما سبق؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة، وإجابتها عند كل مستطيع للحج، ولم يبادر للحج، شابا كان أم شابة، رجلا كان أم امرأة.
فأين الإنسان من الإيمان؟ وأين الإيمان منه؟ إذا كان يستطيع الذهاب إلى الحج ولم يحج وتقاعس عن أدائه في وقت استطاعته.

كيف يستقبل المسلم والمسلمة أشهر الحج؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشر- قالوا: «يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟»، قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء»، في هذا الحديث الشريف يبين النبي صلى الله عليه وسلم فضل الأيام العشرة من ذي الحجة، وعندما يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل هذه الأيام؛ معنى ذلك أن هذه الأيام لها مزية كبرى، لا تعادلها أي مزية أخرى؛ فلنتساءل: لم كانت لهذه الأيام هذه المزية الكبرى؟ سؤال وجيه، وللإجابة عنه؛ أقول وبالله التوفيق: إن هذه الأيام فيها الشعائر العظام، وقد قال الله عز وجل: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}؛ ففيها يوم التروية، وفيها يوم عرفة، وفيها المبيت بالمزدلفة، وفيها أعمال الحج الأخرى، من ذبح للأضاحي، ورمي للجمار، وطواف بالبيت، ومبيت بمنى، وغير ذلك من الأعمال المتعلقة بالحج، وكل هذه الأعمال يؤديها الحجاج في هذه الأيام المباركة، عبادة جمعت الكثير من الأعمال، فكان لها عظيم الأجر والثواب عند الله عز وجل؛ لذلك يستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج؛ لما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده»؛ فينبغي للمسلم والمسلمة الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وعليهما كذلك الإكثار من العمل الصالح في هذه الأيام خاصة؛ لما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف السابق الذكر، والأعمال الصالحة كثيرة مثل الصيام، والصدقة، وصلة الرحم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من الأعمال التي تقرب إلى الله عز وجل.
وإن مما يبين منزلة هذه الأيام الكبيرة؛ هو قوله عز وجل: {وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ}؛ فكفى بهذه الآية الكريمة تبيانا لعظيم فضل هذه الأيام؛ فيا أيها المسلم، ويا أيتها المسلمة: اعملا بما يقربكما إلى الله في هذه الأيام المباركة، من كل عمل صالح أمر به الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؛ تنالا عظيم الأجر، وكمال الثواب، والله ذو الفضل العظيم، ذو الجلال والإكرام.

شكر النعمة:

ماذا على الإنسان بعدما يؤدي فريضة الحج؟

إذا أكرم الإنسان بكرامة أتراه يشكر أم يكفر؟ لا شك أنه يشكر، هكذا شأن الحج؛ فالله عز وجل أكرم المسلم والمسلمة بغفران جميع ذنوبهما بعد أدائهما فريضة الحج، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه»؛ لذا على المسلم والمسلمة أن يشكرا هذه النعمة، نعمة غفران الله عز وجل لذنوبهما بعد أدائهما فريضة الحج، فلا يعودا إلى ما كان من سابق عهدهما من إتيان الذنوب؛ فالكرامة لا ترد بالكفران، وإنما بالشكر والعرفان.