المسرح الخليجي… يبحث عن جمهور

د. عزة القصابي –

في ظل التحول الهائل في مجالات التقنية وثورة الاتصالات ووسائل الميديا، أصبح المسرح مهددا بخطر الانزياح للخلف بأميال كثيرة، وخاصة في ظل تأثر المجتمعات بوسائل الترفيه الحديثة مثل الأفلام الرقمية وبرامج التسلية وقنوات الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي بأنواعها المختلفة.
وبعد تسعينات القرن الماضي حاول المسرح الخليجي جاهدًا الخوض في سباق حثيث؛ بغية اللحاق بركب الحياة الحديثة وجذب الجمهور إليه، وسعى المشتغلون فيه إلى توظيف التقنية وتقديم أعمال تتناسب مع العصر، مع الحفاظ على التقاليد والبُنى الاجتماعية التي تتوافق مع مضمون المؤسسات والقيم الإنسانية في آن واحد.
واقترن «مشروع التجديد» في المسرح الخليجي الحديث بالتراث والتاريخ؛ إذ أسهمت المرجعية التراثية في إيجاد مسرح جماهيري حديث، يعكس الواقع وفق قوالب درامية، تتصالح مع طبيعة المجتمع المعاصر، إضافة إلى الحفاظ على ثوابت الموروث الشعبي بما يتناسب مع البيئة المعاصرة للخليج العربي.
وحاول الباحثون فهم أسباب «عزوف الجمهور» عن المسرح، ووجدوا معظمها ينصب حول نخبوية المضمون وتقوقعه حول ذاته، وعدم اختياره لموضوعات تهم الناس، وكان ذلك سببا في إخفاقه في استقطاب الجمهور إليه.
وتعود أسباب تراجع «شعبية» المسرح إلى ضعف التخطيط وغياب الاستراتيجيات والخطط في نطاق عمل الإدارات والمؤسسات الرسمية، وفي بعض البلاد اتسمت الحركة المسرحية بالعشوائية ابتداء من التجارب المدرسية المعتمدة على الهواة وانتهاء بالمحترفين منهم، وكان ذلك سببا في فشل إقناع المجتمع بأهمية المسرح ودوره الرائد.
لقد وقع «المسرح الخليجي» في جدلية ضمن مفارقتين مهمتين؛ هما: واقع التأسيس الشعبي، وواقع التوظيف الإعلامي الرسمي للمسرح، الأول يشد المسرح إلى جوهره ويأخذه إلى منابعه، والثاني يجعله منقادًا إلى وسائل التقنية الحديثة.
دونما شك أن «القضية» المطروحة تعد محور اهتمام المجتمع، فإذا غربت موضوعات المسرحيات عن واقع الإنسان والمجتمع، فإن الإقبال عليها يكون ضعيفا، والعكس صحيح؛ إذا قدمنا موضوعات عامة تهم الشريحة العظمى فإنه سيكون قريبا منهم، وهذه المعادلة الطردية تسبب في نشوء المسارح الشعبية التي تلقى اليوم رواجا أكبر عن المسارح النخبوية.
ولقد عالجت معظم «النصوص الخليجية» الموضوعات الاجتماعية التقليدية، دون التعرض للقضايا المعاصرة الناجمة عن المتغيرات الاقتصادية، وما يتبعها من تحولات هيكلية في البنائين الاجتماعي والقيمي؛ إذ اكتفى الكُتُّاب والمخرجون بالنبش في الأبعاد الاجتماعية والقضايا الحياتية اليومية.
ولم تستطع بعض المسرحيات التوغل في أعماق المجتمع وقضاياه الجوهرية، وهذا جعل العاملين فيه يقدمون مشاهد غير مكتملة النمو عن الواقع الاجتماعي، و لم يستطيعوا التعبير عن جوهر الصراع الإنساني أو الطبقي، واهتموا بشخصيات تتجزأ من النسيج الاجتماعي، ويعود ذلك لأسباب إما متصلة بقيم المجتمع ذاته، أو الخوف من فتح باب الذرائع التي تعوق تطوير الحركة المسرحية.
لم يزل «المسرح الخليجي» يعاني «أزمة الجمهور» والتوجه إلى «النخبوية»؛ لأسباب عديدة: أهمها غياب البنية الأساسية، وخضوعه للمؤسسة الرسمية، إضافة إلى ضعف الإمدادات المادية مع قلة الإقبال الجماهيري عليه؛ بسبب انخفاض الثقافة المسرحية لدى الجماهير، فنجد الجمهور يتوجه لمشاهدة أغنية طربية أو فيلم سينمائي، بينما يتثاقل لشراء تذكرة لعرض مسرحي.
بقي أن نقول: إنه رغم معاناة العاملين في المسرح الخليجي من «التخبط والعشوائية» ومواجهتهم للكثير من التحديات كما هو الحال في المسرح الخليجي الذي أصبح يعيش في دوامة من الرهانات المغرضة؛ فإن ذلك لا ينفي أنه خلال مسيرة المسرح الخليجي قدمت أعمال جماهيرية تلامس روح التراث والقضايا الاجتماعية الآنية، وتسعى للتجديد والتجريب ومحاولة الاستفادة من تقنية الخشبة والتركيز على السينوغرافيا وإنتاج الصور.
وفي الوقت نفسه، فإنه لا يمكن إنكار دور «المسرح الفرجوي» في مسيرة المسرح الخليجي الساعي إلى رفد الساحة الفنية والثقافية بأجيال من الفنانين، رغم افتقداهم للمعرفة الكافية بأصول هذا الفن آنذاك؛ إلا أن العروض المسرحية المقدمة شغلت حيزًا مهمًا في المناسبات الوطنية والقومية والدينية، وأسهمت في انتشار الوعي بأهمية الفن المسرحي، وقد لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا: «إن رواد المسرح المدرسي قاموا بدور فاعل في انتزاع المسرح من دور العلم إلى خشبات المسارح العامة والفرق المسرحية الهاوية».