عطر : البسطاء يسمعون ولا يفهمون؟

رنـــــدة صـــادق –
randanw@hotmail.com –

نشرات الأخبار مواعيد ثابتة ينتظرها البعض يوميا وكأنها منافذهم للمعرفة والأمان، وقد انقسم الناس لفئات عمرية وذهنية عديدة، فمن المعروف أن قلة من الشباب يتابعون نشرات الأخبار، فهم أما منتشرون على( الفيس بوك أو الأنستغرام) أو يطلون على بعض من خلال (السناب شات) أو يرابضون على جبهة (الواتسـأب)، أما الأكبر سنا فما زالت لديهم هذه العادة تجدهم يربطون تحركاتهم بموعد نشرة الثامنة بحيث إن كانوا خارج المنزل يحرصون على العودة قبل انطلاق النشرة .
أم محمود وزوجها كانا من هؤلاء الذين يحرصون على مشاهدة نشرات الأخبار، وليس فقط النشرة المسائية، فهما لم يتأثرا كثيرا باحتلال العولمة لتفاصيل وقتهما، وما زالت الحياة تدور حول التلفاز، وما يتم عرضه على مدار الوقت، وبالطبع كانت هناك تعليقات مستمرة من أم محمود على كلام مقدم النشرة والتي كان يتذمر منها زوجها فتارة يجيبها، وتارة يدعي أنه لم يسمعها، وأخرى يتجاهلها، وعندما تبالغ كان يصرخ طالبا منها الصمت .
وفي هذه الليلة وكما في كل ليلة تسمع أم محمود جملة يقولها المذيع: (يعملون لتمرير صفقة القرن، أو ترداد (صفقة القرن) ومنذ اليوم الأول لسماعها لهذه الكلمات الغامضة وهي تسأل زوجها: ماذا يقصدون بصفقة القرن ؟ وهو يتجاهل الرد عليها، وفي هذه الليلة ألحت أم محمود عليه وهي تطلب منه إيضاح الأمر فرد عليها: (شو بيعرفني،شو مفكرتيني كارتر ).
جلست حزينة ومتوجسة يسكنها الخوف فقد استشعرت بخطر ما، خاصة أنها لم تفهم وراحت تتمتم غاضبة من ضيق خلق زوجها، الذي كانت تعتقد انه يعرف كل شيء.
البسطاء يسمعون ولا يفهمون، والمثقفون يشرحون بكلمات لا تصل إلى العامة، والسياسيون يتكلمون بالعموم وأم محمود تعاني الأمرين .
الطبخات الدولية لها مكونات سرية وسحرية وخلطات لا يمكن للبسطاء فهمها، حتى وان تم تبسيط شرحها فالعالم بالنسبة لبعضهم لا يتعدى جغرافية حدودهم المعاشة، ولا يظنون أن العالم يهتم بأوطانهم الفقيرة أما بالنسبة للبعض الآخر، هؤلاء يتبنون نظرية المؤامرة عليهم ويجلسون في مجالسهم يتحدثون :عن أن خلاف رئيس بلديتهم مع أعضاء البلدية، مؤامرة دولية ويروجون لنظرية (الحق على الطليان) .
التاريخ مليء بالصفقات السياسية التوافقية التي بنيت على نظرية إعادة التموضع مع مقتضى التطور ولخلق تحالفات جديدة في مواجهة تحالفات أخرى، أو ما يطلق عليه اتفاقيات دولية لإنهاء نزاعات قائمة أو لتجنب حروب وشيكة ولعل أهم تلك الاتفاقيات أو الصفقات هي اتفاقية (سايكس بيكو)، التي تمت بين فرنسا وبريطانيا على اقتسام الدول العربية الواقعة شرقي المتوسط عام 1916. وتم الوصول إليها بين أبريل ومايو من ذلك العام على صورة تبادل وثائق بين وزارات خارجية الدول الثلاث( فرنسا وإنجلترا وروسيا القيصرية).
اليوم كثر لا يفهمون ما يحدث ؟ حتى الذين يهتمون بالشؤون السياسية الدولية، لأننا نتحدث عن أمر مبهم غير واضح الأطراف والغايات، وفي كل يوم نسمع خبرا يشرح منحى الصفقة، أما الإنسان العادي فهو أبعد ما يكون عن استيعاب المصطلح وتأثيره على حياته اليومية .
بالطبع نحن في لبنان لا يمكن أن تحدث صفقة في العالم لا تلحظنا، لأننا نقطة استراتيجية في الصراع القائم بالمنطقة وصندوق بريد مؤثر في المعطيات .
في المحصلة كلنا أم محمود، وكلنا بالنا مشغول ونرغب في الفهم، وبالطبع هل يتساوى الذي يعلم بالذي لا يعلم ؟ ولعل المنطقة التي تغلي تحتاج إلى تهدئة، ولا تتحمل حروبا جديدة، ولكن معضلة:«من قبل الآخر البيضة أم الدجاجة؟» لم يجدوا لها حلا ولم يتمكنوا من فك لغزها فهل نحن في زمن المعجزات؟