معروفة منذ سنوات طويلة بصعيد مصر – «الكتاتيب» .. مدارس أهلية لحفظ القرآن وتعلم علومه

تشتهر قرى ونجوع مصر بوجه عام، وصعيد مصر بوجه خاص بظاهرة انتشار (الكتاتيب) -جمع كتّاب- وكانت المهمة التي أنشئت من أجلها الكتاتيب في قرى ونجوع مصر هي تحفيظ القرآن الكريم للصغار، وتعليمهم مبادئ القراءة والكتابة وعلم الحساب أيضا.
وبحسب ما جاء بوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) تقول الباحثة المصرية الدكتورة حليمة النوبي علي في كتابها: (النشاط الاقتصادي والاجتماعي للنوبيين): «فقد انتشرت تلك الكتاتيب في ربوع مصر بوجه عام وقرى ومدن صعيد مصر بوجه خاص، بفضل حرص المصريين على أن يكون أطفالهم من حفظة القرآن الكريم، وأن ينشأوا نشأة تربوية إسلامية».
وهكذا نشأت الكتاتيب منذ القدم وحتى اليوم، على أنها نمط من أنماط ما يسمى بـ (التعليم الشعبي) في مصر، الذي لقي في بداياته دعما كبيرا من الدولة وعلى مر العصور.
وفى العام 1868 ميلادية، ومع ظهور ما سمى بـ (مجلس شورى النواب) رأى نواب البرلمان آنذاك، أن نهضة الأمة ونمو الوعى يحتاج إلى إحداث نهضة في قطاع التعليم الشعبي، أي (الكتاتيب)، فقرر على مبارك ناظر -وزير- المعارف آنذاك تحسين حال الكتاتيب عبر وضعها تحت إشراف نظارة المعارف، مع إصلاح المباني والأسس وتطوير مناهج الدراسة. وكانت تلك الخطوة هي الأولى التي تضع فيها مصر مؤسسات تعليم أهلية تحت إشراف حكومي بجانب المدارس النظامية الرسمية -أي المدارس الحكومية- آنذاك.
ومن اللافت أن وزارة المعارف في ذلك الوقت قررت تقديم دعم مالي حكومي بلغ 700 جنيه للكتاتيب التي تضم إليها عددا كبيرا من التلاميذ، ثم وصل ذلك المبلغ لاحقا إلى ألف جنيه في العام. وكان أمام الخريجين من تلاميذ الكتاتيب أن يتجهوا إلى استكمال تعليمهم في الأزهر الشريف، أو في المساجد الكبرى التي كانت تعد الدراسة بها آنذاك دراسة جامعية عالية.
وبنظرة سريعة على أعداد تلاميذ الكتاتيب في ذلك الوقت يكفينا أن نعلم أن تلاميذ تلك الكتاتيب قد بلغ في منطقة واحدة هي قرى النوبة في أسوان أكثر من 9 آلاف و700 من التلاميذ سنة 1897 ميلادية.

مشاهير حفظوا القرآن داخلها

وقد نشأ كثير من الشخصيات المشهورة في مصر داخل الكتاتيب، وتلقوا تعليمهم الأولى بها، وحفظ القرآن الكريم على يد شيوخها، مثل الراحل الكبير الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، قارئ القرآن الشهير، الذي ولد بقرية المراعزة بمركز أرمنت التابعة لمحافظة قنا آنذاك، عام 1927 وحفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة في كتاتيب قريته في طفولته، والذي انطلق في دراسة علوم القرآن وأصول التجويد، حتى اعتمد قارئا بالإذاعة المصرية عام 1951، وتمكن من تلاوة القرآن الكريم في أكثر من 40 دولة في العالم وكرمه عدد من رؤساء وملوك دول العالم وتوفي في 31 نوفمبر عام 1988. وهناك فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، الذي التحق بالكتاتيب في سن صغيرة، قبيل أن ينتقل للدراسة بالمعاهد الأزهرية بمختلف مراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، إلى أن التحق بجامعة الأزهر التي صار رئيسا لها ثم صار مفتيا ثم شيخا للأزهر الشريف.

تطور الكتاتيب

وفى الأعوام الماضية وحتى اليوم خضعت الكتاتيب المصرية للكثير من التطوير، فتحول بعضها إلى مدارس قرآنية، لا تقتصر الدراسة فيها على قراءة القرآن الكريم وحفظه، بل تشمل الدراسة أيضا علوم القرآن جميعها، وصار هناك (مقارئ) للكبار بجانب كتاتيب الصغار، ويتجمع بتلك المقارئ التي تقام في الدواوين –الديوانية- العائلية وفى المساجد رجال كبار من مختلف الطبقات الاجتماعية، ونساء أيضا، لكن لهؤلاء النساء مقارئ خاصة بهن بعيدا عن مقارئ الرجال.
كما تطورت الكتاتيب وصارت تفتح أبوابها في الصباح وفي المساء بعد أن استفادت من التكنولوجيا المعاصرة، وصارت الكتاتيب مشروعات تعليمية تدخل أرباحا جيدة لدى البعض مثل أصحاب دور رياض الأطفال، الذين سرعان ما حولوا دور رياض الأطفال المملوكة لهم التي تعمل بإشراف من وزارة التضامن الاجتماعي، إلى كتاتيب لتحفيظ القرآن الكريم للصغار، وصار لا يخلو نجع أو شارع من كتاب لتحفيظ القرآن الكريم في كل عموم مصر، وبخاصة قرى الصعيد التي تشتهر بكتاتيبها التاريخية منذ القدم.
لكن الكثير من الكتاتيب لا تزال تحتفظ بنمطها القديم فهناك (اللوح) المصنوع من الصفيح وهناك الحبر والمحبرة، وهناك القلم المصنوع من نبات البوص، وهناك السبورة الأسمنتية التقليدية.
وفي شهري ربيع الأول ورمضان، تحتفل قرى مصر ومدنها بتكريم حفظة القرآن الكريم في احتفالات سنوية تقام مع حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، وحلول شهر الصوم المبارك، فتوزع الهدايا والجوائز المالية وتذاكر السفر إلى بلاد الحجاز لأداء مناسك العمرة. وللساحات الدينية والصوفية في مدن وقرى مصر وصعيدها دور لافت في تشجيع حفظة القرآن الكريم، ورعايتهم وتكريمهم وتقديم الدعم اللازم لهم، وتنظم الساحات الدينية والصوفية المصرية احتفالات سنوية يُدعى لها مشاهير العلماء والقراء ومحطات التلفزة؛ فيكرم في تلك الليالي محفظو القرآن الكريم وحفظته وسط التكبير والتهليل.