في مواجهة دائرة بريكست المفرغة

د.صلاح أبونار –

في الرابع والعشرين من مايو 2019 أعلنت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي استقالتها، وبعد ذلك بشهر بالضبط تولى منصبها بوريس جونسون بعد انتخابه زعيما لحزب المحافظين الحاكم في 18 يوليو. وهكذا وجد المسؤول السياسي الأساسي عن العملية السياسية التي انتهت باستفتاء بريكست، نفسه في موضع المسؤولية الرسمية عن الخروج ببريطانيا من مأزقها الراهن. فما الذي يمكن لبوريس جونسون أن يفعله؟

الأرجح أنه لن يتمكن من فعل أي شيء جذري. فلا الأزمة قد تغيرت عناصرها وتوازناتها بما يمكن من تخطيها، ولا رئيس الوزراء الجديد جاء ومعه بدائل قادرة على تخطي سلبيات الخيارات القديمة. تظل الأزمة هي الأزمة والبدائل هذه ذات البدائل. والأرجح أن الأمر سينتهي بالإطاحة به، بالضبط كما أطاحت بريكست برئيسين للوزراء من قبله على مدى ثلاثة أعوام فقط.
يمكننا الإمساك بأصول الأزمة الراهنة في الخصوصية التاريخية التي ميزت علاقة بريطانيا بالمشروع الاندماجي الأوروبي. على مدى عقدي الخمسينات والستينيات حرصت لندن على الاحتفاظ بمسافة كبيرة بينها وبين المشروع الاندماجي الأوروبي المتنامي، وهكذا رفضت الاشتراك في الجماعة الأوروبية للصلب والفحم ومن بعدها الجماعة الأوروبية الاقتصادية. وجاء هذا التحفظ نتيجة عدة عوامل.
أولها موقعها كجزيرة اعتادت على وجود مسافة جغرافية وسياسة تفصلها عن أوروبا. وثانيها ضخامة إمبراطورتيها الاستعمارية، التي تركت لها مواريث ضخمة من العلاقات والامتيازات الخارجية على امتداد العالم، شكلت بالنسبة لها أسواقا ومصادر للموارد ومناطق للنفوذ، عبر مساندة قوية من هياكل مؤسسية ساهمت في تأسيسها ونخب محلية حاكمة تربطها بها علاقات تحالف قديمة ووطيدة. وثالثها قوة ورسوخ تقاليد السيادة الوطنية داخل المؤسسات البريطانية. ورابعها الخبرة البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية ودلالاتها، والتي لخصها الأستاذ روبين نيبلت رئيس مركز شاتهام هاوس البريطاني الأشهر، بقوله: «نحن لم نهزم في الحرب، ولم يجر احتلالنا خلال الحرب مثل غيرنا، ولم نخسر هذه الحرب). وخامسها أن بريطانيا كانت أكثر الدول الأوروبية وعيا بتحولات موازين القوة بعد الحرب الثانية، لأنها كانت الطرف الأوروبي الأساسي والوحيد الذي شارك في ترتيبات يالتا وبوتسدام، وهكذا اتجهت بكل اهتمامها الخارجي صوب الولايات المتحدة على حساب مجالها الأوروبي التاريخي التقليدي.
ولكن في السبعينيات غيرت بريطانيا من اتجاهها السابق، وهكذا انضمت عام 1973 إلى الجماعة الأوروبية الاقتصادية، وفي عام 1975 أقر الشعب البريطاني قرار الانضمام إليها عبر استفتاء. وجاء هذا التحول تحت تأثير عدة عوامل. أولها ظهور فوائد عمليات التكامل الاقتصادي الأوروبي على الاقتصاديات الأوروبية. وثانيها التراجع الواضح في مزايا المناطق والأسواق التي كانت خاضعة للإمبراطورية البريطانية، وذلك مع صعود النزعات القومية الراديكالية والتكتلات الإقليمية، وظهور أجيال جديدة للنخب الحاكمة مستقلة من مواريث السياسة البريطانية. وثالثها التحولات في المجال الدولي كما تجسدت في ظهور سياسات الوفاق الدولي، وبروز الدورين الألماني والفرنسي على المستوى الأوروبي العام. ومع ذلك سنلمس استمرار تأثير بعض العوامل التي أوجدت تباعد الخمسينيات والستينيات في المرحلة الجديدة. ففي الثمانينيات والتسعينيات تصاعدت حركة الاندماج الاتحادي الأوروبي، التي اتخذ البريطانيون موقفا متحفظا من بعض أشكالها. وهكذا لم يشتركوا في منطقة العملة الموحدة، ورفضوا المشاركة في منطقة الشنجين التي تسمح لمواطني الاتحاد بحرية الحركة عبر الحدود.
ثم قدر لتلك التحفظات البريطانية أن تتصاعد داخل الأقسام اليمينية من النخب الحاكمة وقطاعات واسعة من الرأي العام البريطاني، تحت تأثير التراجع الحاد في وزن وقوة أحزاب التيار الأساسي، وصعود المزاج الشعبي الشعبوي ومعه الأحزاب والقوى الشعبوية، وصعود الحركات الإرهابية واستهدافها لأوروبا، وتدفقات الهجرة الخارجية. وعلى مدى السنوات الأولى من العقد الثاني من القرن الجديد تكون تيار بريطاني عام ناقد للاتحاد الأوروبي ومطالب بالخروج منه، وصل ذروته في يونيو 2016 عندما قرر البريطانيون في استفتاء عام الخروج من الاتحاد الأوربي. وتشكل المنطق السياسي الذي استند إليه هذا التيار من عدة عناصر. بعضها الأول يتجه لنقد الكيان الاتحادي. سياسيا لسعيه صوب تأسيس دولة فوق قومية وبالتالي متخطية للسيادات الوطنية، ولما ينسب إليه من تضخم بيروقراطي وافتقاد للشفافية والبطء الشديد في الأداء، وعدم قابلية مؤسساته للمحاسبة. واقتصاديا لتركيزه المفرط على عمليات الاندماج والتوحيد القياسي للنشاط الاقتصادي، ولإهماله لتنمية القدرة التنافسية، وعدم قدرته على إطلاق سياسات مسايرة للثورة الصناعية الرابعة، وسياسته المفرطة في ليبراليتها تجاه حرية هجرة القوى العاملة بين بلدان الاتحاد. وبعضها الثاني يتجه صوب نقد التداعيات السلبية لعضوية بريطانيا على وضعها. وهنا يطرح النقد تضخم الهجرة القادمة من الاتحاد الأوروبي ثلاثة أضعاف على امتداد الفترة من 2004 إلى 2015، وهو ما يوازي زيادة عددهم من مليون إلى ثلاثة ملايين، وتأثير ذلك على فرص العمل المتاحة الأيدي العاملة الوطنية وتجانس الثقافة البريطانية ومعها الهوية القومية. وتأثير طبيعة البنية الاقتصادية للاتحاد على الاقتصاد البريطاني، الذي يجعله أقل تنافسية وقدرة على مسايرة التقدم التكنولوجي والتحديث.
ويمكن القول أن هذا النقد، مقرونا بالخوف من تأثير العمليات الإرهابية في أوروبا والتي يجري ربطها آليا بسياسات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، هو المسؤول عن نتائج استفتاء نوفمبر 2105 الذي اقترحه ديفيد كاميرون، وجاءت نتائجه على عكس توقعاته بالموافقة على الخروج، الأمر الذي أجبره على الاستقالة. إلا أن هذا النقد واجه بدوره نقدا مضادا أكثر تعبيرا عن الحقائق منه. يشدد النقد المضاد على عمق وحيوية الاندماج البريطاني في الاقتصاد الأوروبي. يتجه إلى الاتحاد 45% من صادرات بريطانيا، و40% من صادرت الخدمات المالية البريطانية، و40% من الاستثمارات البريطانية في الخارج، ويعيش به 1,2 مليون مواطن بريطاني. ويرد إلى بريطانيا من دول الاتحاد 53% من وارداتها، و48% من الاستثمارات الخارجية فيها، و10% من الخدمات المالية داخلها، ويعيش بها 3 مليون مواطن من دول الاتحاد. وعلى نحو أكثر تفصيلا وفي عام 2018، جاء 30% من المواد الغذائية المستهلكة في بريطانيا من الاتحاد، و79% من الأغذية المستوردة للمتاجر الصغيرة البريطانية من الاتحاد، ووصل عدد الزيارات البريطانية لدول الاتحاد 53,7 مليون زيارة مقابل 18 لبقية دول العالم. ويمكن القول أن العناصر المكونة لهذا النقد والمعادية لبريكست، شكلت القوة الدافعة التي تمكنت من هزيمة اتفاقية الخروج التي توصلت إليها تريزا ماي. ولكنها لم تكن القوة الوحيدة الصانعة للهزيمة، فهناك قوى يمينية مناصرة لبريكست ساهمت في تحقيقها ورأت في الاتفاقية تنازلات ضخمة لا يجب مرورها.
توصلت تيريزا ماي إلى اتفاقية الخروج بعد مفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي، وعندما واجهت رفض مجلس النواب إقرار الاتفاقية ظهرت أمامها خيارات محدودة. خيار الخروج بلا صفقة، وخيار إجراء انتخابات جديدة قد تأتي بمجلس نواب جديد يسيطر عليه المحافظون بأغلبية مريحة، وخيار اللجوء إلى استفتاء جديد يخير بين الموافقة على الاتفاقية والتخلي عن بريكست، وخيار إلغاء بريكست نفسها واعتبارها كأنها لم تكن. ولكنها فشلت في تحقيق أي تجاوز للمأزق الذي انتهت إليه. ويأتي بوريس جونسون إلى رئاسة وزراء بريطانيا محملا بنفس الخيارات، دون أي تغيير في عناصر وتناقضات الأزمة يمكن الرهان عليه لتمرير أي من تلك الخيارات. وفي الوقت نفسه ليس أمامه من الوقت سوى شهرين وتنتهي مهلة الستة أشهر، التي منحها الاتحاد لبريطانيا للوصول إلى حل بعد نهاية فترة العامين التي تنص عليها معاهدة الاتحاد، وهو ما يعني أنه ليس لديه ما يكفي من الزمن لكي ينجح في إجراء تحولات تمكنه من تنفيذ إحدى تلك الخيارات .
وسوف يكون من الصعب عليه الحصول على موافقة مجلس النواب على من الخيرات السابقة، لان المحافظين وحلفائهم لا يتعدى عدد مقاعدهم 320 مقعدا، بينما يصل إجمالي مقاعد المعارضة إلى 317 مقعدا، وهو ما يعني استحالة الحصول على الأغلبية المطلوبة.
وفي الوقت نفسه يصعب تصور لجوئه إلى استفتاء جديد، لان كل قياسات الرأي العام تشير إلى وجود أغلبية راهنة سوف ترفض الخروج من الاتحاد. كذلك من المستحيل أن يوافق الاتحاد الأوروبي على إعادة التفاوض من أجل اتفاقية جديدة، وأقصى ما سوف يوافق علية مهلة جديدة من ستة أشهر أخرى وتعديلات طفيفة على الاتفاق الأصلي. وبالتالي ليس هناك حل في ظل الموقف الراهن بكل تناقضاته وتوازناته، سوى إلغاء بريكست ومعه التراجع عن طلب الخروج، وهو الحل الذي أعلنت المحكمة الأوروبية شرعية انتهاجه. ولكن الأرجح أنه لن يفعل ذلك وسوف يواصل عبثا حل الأزمة حتى تطيح به، كما أطاحت من قبل بكاميرون وماي.