حوريّة بنيس سيناصر.. عالِمة الرياضيّات وفيلسوفة العلوم

تهاني سنديان –

تَنبت الأدمغة العربيّة في أوطانها، لكنّها تظلّ عاقراً، لا تُثمِر فيها، فلا يتمّ قطافها إلّا في الخارج، في أوطان أخرى، والسرّ في ذلك بات لا يُخفى على أحد: التنمية الفكريّة كسائر مجالات التنمية الأخرى في بُلداننا، غير مُدرَجة على جداول الخطط السياسيّة والاستراتيجيّة لساسة أوطاننا… ومن الأمثلة الكثيرة الشاهدة على ذلك، نكتفي بذكر مثالَين ساطعَين: رشدي راشد وحوريّة سيناصر…

لئن كان العلّامة المصري رشدي راشد الذائع الصيت في الغرب، معروفاً بعض الشيء في البلدان العربيّة، فإنّ الفيلسوفة المغربيّة حوريّة سيناصر تكاد تكون مجهولةً في العالَم العربي، خلافاً لسيرتها الناصعة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا… فحوريّة سيناصر صاحبة مؤلّفات في عِلم الرياضيّات نذكر منها على سبيل المثال: «تناقضات اللّامتناهي» و«الأجسام والنماذج»؛ وفي فلسفة الرياضيّات «متاهة المُستمرّ» و«إبداع الأرقام»؛ وفي تاريخ العِلم «جان كافاييس، فلسفة الرياضيّات».
وسيناصر مديرة أبحاث في المركز الوطني (الفرنسي) للبحوث العلميّة وعضوة «لجنة التاريخ وفلسفة العلوم» في «الأكاديميّة الدوليّة لتاريخ العلوم». وهي أيضاً مسؤولة منشورات فِرع التاريخ والفلسفة في دار «فْـرِن» الفرنسيّة المختصّة بنشْر البحوث العلميّة والفلسفيّة. وصدرت عن هذه الدار ترجمة حوريّة سيناصر لكِتاب «إبداع الأرقام» للباحث البريطاني في تاريخ العلوم ريتشارد ديديكند. أمّا أبحاثها فقد تركّزت على المدرسة الألمانيّة للرياضيّات الإنشائيّة، التي تمحورت حول نِتاج فيلسوف الرياضيّات ديفيد هيلبرت في الثلث الأوّل من القرن العشرين، وعلى تكوين نظريّة النماذج والدلالات الشكليّة، وبخاصّة على نتاج ألفريد تارسكي حول الخصوبة التشغيليّة للمَناهج التي تُفعِّل التماثليّة والتفسيريّة.
في موازاة ذلك، انصبّت أعمالها على عرض مؤلّفات أصحاب نظريّة المعرفة الفرنسيّة الذين طبّقوا تفكيرهم بشكلٍ أساسي على الرياضيّات والمنطق، أمثال جان كافيليس، وجان توسان ديسانتي، وجيل غاستون جرانجي. وكانت حوريّة سيناصر قد نقلت من الألمانيّة إلى الفرنسيّة مؤلّف جورج كنتور «مسألة أساسيّة في نظريّة المجموعات»، كما كَتبت بالإنكليزيّة دراسة تحليليّة لمؤلَّفات ألفرِد تارسكي الرياضيّة بعنوان: «ألفرِد تارسكي: التغيّر الدلالي، التغيّر الاستكشافي في الرياضيّات».
ولحوريّة سيناصر كِتاب آخر وضعته بالإنكليزيّة في فكر تارسكي الرياضيّ بعنوان: «ألفريد تارسكي الحياة والمنطق».
ولحوريّة سيناصر دراسات منشورة في مجلّات علميّة مختصّة بالرياضيّات، ومنها دراسة في نتاج العلّامة رشدي راشد الرياضي، وبخاصّة كِتابه الذي نشرته «مؤسّسة الفرقان للتراث الإسلامي» (لندن، 1993 و1996) وهو بعنوان: «الرياضيّات اللّانهائيّة من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر. المؤسّسون والمعلّقون: بنو موسى، وابن قرّة، وابن سنان، والخازن، والقوي، وابن السمح، وابن هود، وابن الهيثم». أمّا دراسة حوريّة سيناصر التي تعرض فيها كِتاب رشدي راشد فمنشورة في «مجلّة تاريخ العلوم» الفرنسيّة ولها دراسة قيّمة بعنوان «فكرة اللّامتناهي في الرياضيّات»، وهي محاضرة ألقتها على طلّاب ثانويّة Lycée Henri-IV في العام 1994، وهي محفوظة في مكتبة الثانويّة.
في الحضور اللّافت للنساء قبل سنتَين، احتفت «دار المعلّمين العليا» الفرنسيّة (ENS) بحوريّة سيناصر، على مدى ثلاثة أيّام (15 و16 و17 يونيو 2017) اعترافاً بجهودها وإسهامها في التقدّم العلمي؛ ومؤخَّراً، في مدينة نيس الفرنسيّة. وفي «المركز الجامعي المتوسّطي»، كانت حوريّة سيناصر مَوضع احتفاء وتكريم في الندوة الفكريّة الموسّعة التي عُقِدت الشهر الماضي (12 يونيو 2019) تحت عنوان «المرأة في الإسلام: قراءات جديدة»، في إطار تعاون ثقافي بين «مَعهد العالَم العربي» في باريس و«المركز الجامعي المتوسّطي» بمبادرة من كرسي معهد العالَم العربي الذي يرأسه الدكتور معجِب الزهراني، حيث طُرِحَت إشكاليّة «مكانة المرأة في الإسلام» وهي إشكاليّة معقّدة ما زالت مَوضع مناقشات غالباً ما تتجاذبها الاتّجاهات والأغراض السياسيّة المُختلفة، وغالباً ما تغيب عنها النساء، فلا يخوض فيها سوى مفكّرين رجال.
وقد رأى عددٌ من المُشاركين في الندوة أنّ من المُمكن قراءة النصوص الدينيّة على نحوٍ يُعيد النظر في تأويلاتها وتفاسيرها الذكوريّة التي تهمّش النساء وتجعلهنّ في الصفّ الخَلفي.
وقد شارك في مناقشات هذه الندوة الفكريّة، علاوةً على حوريّة سيناصر، نجاة زُغّار أستاذة الإسلاميّات في جامعة إكس- مارسيليا، وزهرة بيريت أستاذة الأدب المُقارَن في جامعة ليون – 2، وبولين كوتشي الفيلسوفة ومديرة أبحاث في «المركز الوطني للبحوث العِلميّة»، وثريّا فيلي تولون أستاذة الأديان المُقارنة في جامعة ليون – 2، وماري فرنسواز روا البروفيسور الفخري وعالِمة الرياضيّات، وعلي بن مخلوف أستاذ المنطق والفلسفة الإسلاميّة في جامعة كريتاي، ومحمّد الصغير جانار أستاذ الأنتروبولوجيا ومدير المشروع التوثيقي والعِلمي في «مؤسّسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلاميّة والعلوم الإنسانيّة». أدارت الندوة نعيمة داوود الباحثة في «معهد البحوث الإبستيمولوجيّة» في بروكسيل، الذي يرأسه المفكّر الموريتاني بدي ولد ابنو. كذلك، كان «كرسي معهد العالَم العربي» قد عقد في شهر يونيو العام الماضي، ندوةً تكريميّة للمفكّر المصري ذي الشهرة العالَميّة رشدي راشد، بعنوان «الفكر والعِلم والدّين في العالَم العربي: القضايا والإشكاليّات» شاركَ فيها إلى جانب الفيلسوفة المغربيّة حوريّة سيناصر، المفكّر الفرنسي الذائع الصيت جان ستون صاحب كِتاب «مفاتيح المستقبل»، والمفكّر السوري محمّد شحرور صاحب مشروع «القراءة المُعاصِرة للقرآن»، والأكاديمي الفيريائي بيار كولي، وكارين شملا، المختصّة في عِلم وتاريخ الرياضيّات.
دَرست حوريّة سيناصر في فرنسا الرياضيّات والفلسفة حيث نالت دبلوم دراسات معمّقة في الرياضيّات من جامعة السوربون ودكتوراه دولة في الآداب من جامعة السوربون الأولى، ثمّ درّست في الجامعة نفسها، والتحقت كباحثة بالمركز الوطني للبحوث العِلميّة، وما لبثت أن حازت الميداليّة البرونزيّة من المركز على أبحاثها القيّمة (1991) ثمّ وِسام السعفة الأكاديميّة من رتبة فارس. كلَّفتها «موسوعة أونيفرساليس» كِتابة مادّة فلسفيّة تتعلّق بالرياضيّات بعنوان: «الواقعيّة الرياضيّة» من المفيد الرجوع إليها لمعرفة مدى إحاطة هذه العالِمة بعلوم الرياضيّات وفروعها كافّة.
نقتبس منها: « تؤكّد الواقعيّة أنّ وجود الكيانات الرياضيّة (الأرقام، الأشكال، المجموعات، الوظائف، الأصناف، وما إلى ذلك..) هو وجود مستقلّ وسابق على معرفتنا بها. في نظر الواقعي، الرياضي يتعامل مع أشياء محدّدة بوضوح تستثير ذكاءه وتتحدّاه. فأن يعرف المرء لا يعني أنّه اخترع أو أتى بجديد، بل يعني أنّه اكتشف شيئاً كان موجوداً قبل أن يكتشفه؛ اكتشف وجود عناصر وعمليّات ووظائف ومَناهج العرض والبرهنة كانت موجودة قبل أن يكتشفها».
كما كَتبتْ للموسوعة العِلميّة نفسها المادّة المتعلقة بعالِم الرياضيّات جورج كانتور، ونقتبس منها أيضاً: «(…) شقَّ كانتور، في عِلم الرياضيّات، الطريق إلى عالَم اللّامتناهي، طوَّر نظريّة المجموعات التي تتيح مُعالَجة كلّ موضوع رياضي، سواءً كان متناهياً أم غير متناهٍ، بوصفه جملة عناصر محدّدة، وأَدخل مفهوم اللّامتناهي في الكِبَر واللّامتناهي في الصِّغَر. فكان ذلك نقلة نوعيّة في الفكر الرياضي».
وُلِدت حوريّة بنيس في الدار البيضاء سنة 1940 وعاشت وتعلّمت في فرنسا وتزوّجت من المفكّر المغربي محمّد علال سيناصر الذي رئس قسم الفلسفة والعلوم الإنسانيّة في منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، ودرَّس المنطق في جامعة السوربون، ومن أعماله المعروفة «كرسي الاعتراف» الذي لخّص فيه سيرة حياته بكلمتَين: «صبر واجتهاد»، وقدّم شهادته على مَواقف وأحداث عايشها خلال حياته، وعلاقاته بكبار المفكّرين والمناضلين المغاربة كالمهدي بن بركة وعلال الفاسي ومحمّد بلحسن الوزاني. تقلَّد منصب وزير الثقافة في المغرب سنة 1992 وله قولةٌ شهيرةٌ في هذا الشأن: «اللّهم لا تجعلني وزراً على وزارة الثقافة!»؛ كما عُيِّن مستشاراً للملك الراحل الحسن الثاني، ثمّ مستشاراً للملك محمّد السادس قبل أن يتمّ إعفاؤه سنة 2003. لئن كانت حوريّة سيناصر عبقريّة عِلميّة تتربّع، على الرّغم من تجاهل مكانتها في البلدان العربيّة، على عرش المعرفة العلميّة، إلى جانب نساء عبقريّات أخريات من مختلف بلدان العالَم (نذكر منهنّ: دانييلا دي سيلفا، فيرا سوس، إيفا تاردوس، كارين ريتش، جوان بيرمان، كريستين برناردي، جوليا كيمب، جين بارتيك، صوفي جرمين، غريت هيرمان، غلوريا أوليف…) فكَم من الحوريّات العبقريّات مَنسيّات في بلاد العرب، كأستاذة الرياضيّات في كليّة العلوم في جامعة القاهرة ليلى سويف مؤسِّسة «مجموعة 9 مارس لاستقلال الجامعات» و«الجمعيّة المصريّة لمُناهضة التعذيب»؟
وثمّة عالِمات عربيّات يعملنَ في وكالة الفضاء الأمريكيّة («ناسا») كوداد المحبوب التي تدير القمرَين الصناعيَّين «AIMS» و»KALIPSO»، ومواطنتها السودانيّة نجوى عيّاش قدح الدمّ الباحثة في الشرائح الدقيقة التي تعرف بالشاشات المتّصلة بالمركّبات الفضائيّة، وعالِمة الرقميّات أسماء بوجيبار، وسلوى رشدان، وابنة غزّة سهى القيشاوي التي تعمل على إصدار نماذج لمهمّات روّاد الفضاء إلى الأماكن التي يتم إرسالهم إليها وبخاصّة كوكب المرّيخ، ومواطنتها الفلسطينيّة إقبال الأسعد (ابنة الإحدى والعشرين سنة) التي دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة كأصغر طبيبة في العالَم، والسوريّة نادية الرفاعي حبّال التي أسهمت في الإعداد لأوّل رحلة لمركبة فضائيّة إلى الهالة الشمسيّة.

كاتبة من لبنان – المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي