وتر: كتاب وفنجان قهوة

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

وبعد انتشار صور كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي تجمع بين كتاب وفنجان قهوة، وبدافع الفضول تساءلت كما يتساءل غيري ترى ما العلاقة بين الكتاب والقهوة، حتى يتعمد الكثيرون نشر صورهما معا، أفي ذلك نوع من الترف الثقافي والمباهاة الأدبية، أم أن هناك علاقة حقيقية غير معلنة بين الكتاب والقهوة، أترى هل ينجذب الكتاب لرائحة القهوة أم أن القهوة تنجذب إلى عنوان الكتاب، أم أن السر في حاجة القارئ في التقرب من كتاب؛ فيستعين بالقهوة على ذلك، ترى أيهما كان جاذبا ليلتقيا على طاولة واحدة؟ بالنسبة لي أرى أن العلاقة بين الكتاب والقهوة لا تكمن في عطر القهوة ولا في فكر الكتاب بل في شيء آخر وهو أن كلاهما يتم تناوله على مهل، وعلى جرعات، ألم يخبرنا محمود درويش: (إن القهوة أخت الوقت، تحتسى على مهل) وكذلك الكتب، لا تُقرأ على عجل، وهي أخت الوقت وأخت المكان، فقبل أن تدعو كتابا لينزل إليك منزلة الجليس والصاحب، عليك أن تهيئ نفسك، أن ترتّب الجلسة كما يقال: إن تحضّر فنجان قهوتك، وأن تختار أجمل مكان لك في الحديقة، أو تفسح مكانا خاصا في مكتبك العامر بالكتب ليكون مكان لقائك الخاص بصاحبك الكتاب، ولا بأس أن تشعل شمعة وتضع وردة في مزهرية، وأن تتناوله برفق ولين؛ كما تطبخ قهوتك على نار هادئة، وتعامله معاملة العاشق لمعشوقه، تتأمل سطوره بمحبّة، فالكتاب كلّما اقتربت منه فإنك لا تملّ صحبته ولا تضجر، بل تحبّه وتقترب منه أكثر، فترفّق به، لأن الكتب كائنات غاية في الرقة والجمال، ولست مضطرا لأن تستعجل في قراءتها وكأنك مجبر مرغم على تلك الصحبة، فالكتب بقدر ما هي جميلة فهي حسّاسة، وبقدر ما تمنحها من محبّتك تحبّك، وبقدر ما تهتّم بها تهتّم بك، وبقدر ما تعطيها من وقتك، تعطيك من كنوزها، وعليك أن تدرك أن هناك كتبا كاملة الدسم وبعضها قليلة الدسم وبعضها خالية الدسم، لكن عليك اختيار الكتاب كامل الدسم دون أن تخشى التخمة، لأن الغريب في عالم الكتب أنه كلما تناولت منها لا تشعر بالشبع بل يزداد جوعك إليها، لذلك لا أتعجب أن تقترن القهوة بالكتاب، وأن تلتقط لهما الصور معا وهما بحالة انسجام وتناغم، فهناك علاقة محبّة لا يمكن نكرانها، وهناك عشق خفيّ سواء كان معترفا به أو غير معترف، فما دام هناك كتاب وفنجان قهوة، فهناك حياة.