النموذج العماني الرائد

د. أحمد سيد أحمد –

قد اعتمدت عمان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على محددات أساسية، وهي: محلية التنمية، وكفاءة التمويل، والتطور التكنولوجي، وتوفر البيانات، كما أن هناك تحديات تواجه تحقيق التنمية المستدامة أبرزها تحدى التمويل، كذلك بيئة الشرق الأوسط المضطربة .
منذ أن أولت الأمم المتحدة قضية التنمية المستدامة لأولوية كبرى لها في أجندة عملها منذ بداية الثمانيات من القرن العشرين ثم تبلورت بشكل محدد في القمة العالمية للتنمية المستدامة عام 2015، أصبحت تلك القضية جزءا أساسيا من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول المختلفة وقضية عالمية تنطلق من أن العالم يواجه تحديات مشتركة لا يمكن لدولة واحدة بمفردها أن تواجه تلك التحديات وإنما تتطلب العمل الجماعي الدولي المشترك وأن يكون في إطار استراتيجية واضحة، ولذلك شكلت التنمية المستدامة أبرز استراتيجيات الأمم المتحدة وحددتها فترة زمنية شملت 15 عاما للانتهاء منها تبدأ في 2015 وتنتهى في 2030، كما وضعت الأمم المتحدة 17 هدفا للتنمية المستدامة وأكثر من 100 غاية مرتبطة بها من أجل تحقيق النهضة الإنسانية والتغلب على التحديات.
وأبرز الأهداف الـ17 (السبعة عشر) للتنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة تشمل: القضاء على الفقر بجميع أشكاله. والقضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحّسنة وتعزيز الزراعة المستدامة. الصحة الجيدة والرفاه. ضمان التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيز فرص التعلّم مدى الحياة للجميع. تحقيق المساواة بين الجنسين. ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة الموثوقة والمستدامة. تعزيز النمو الاقتصادي المطرد والشامل للجميع والمستدام، والأيدي العاملة الكاملة والمنتجة، وتوفير العمل اللائق للجميع. إقامة بنى أساسية قادرة على الصمود، وتحفيز التصنيع الشامل للجميع والمستدام، وتشجيع الابتكار. الحد من انعدام المساواة داخل البلدان وفيما بينها. اتخاذ إجراءات عاجلة للتصدي لتغير المناخ وآثاره. حفظ المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها على نحو مستدام لتحقيق التنمية المستدامة. ومكافحة التصحر، ووقف فقدان التنوع البيولوجي. (السلام والعدل والمؤسسات). تعزيز وسائل التنفيذ وتنشيط الشراكة العالمية من أجل التنمية المستدامة. وقد تبنت عمان من الناحية العملية قضية التنمية المستدامة منذ بدء مسيرة النهضة المباركة في عام 1970 وقبل أن تثار القضية عالميا، وبرز ذلك في خطب وكلمات جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم التي شملت مضامينها قضايا التنمية المستدامة التي ركزت عليها الأمم المتحدة، كما تم ترجمتها على أرض الواقع عبر خطط التنمية الخمسية المتتابعة، وقد تبنت عمان رسميا أهداف التنمية المستدامة في خطة التنمية الخمسية التاسعة 2016-2020، لتكون أجندة عمل لها ثابتة ومتوافقة مع أجندة الأمم المتحدة ولتستمر عبر خطة التنمية الخمسية العاشرة 2021- 2025، لتصبح عمان نموذجا عالميا رائدا في تطبيق مفاهيم وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وبالفعل نجحت عمان في إنجاز 14 هدفا من 17 هدفا للتنمية المستدامة وتسعى لاستكمال إنجاز باقي الأهداف، وهو إنجاز كبير في ضوء الظروف والإمكانيات المتاحة والتحديات العديدة التي تواجه تحقيق تلك الأهداف.
وارتكزت فلسفة التنمية في عمان على بناء الإنسان العماني باعتباره الغاية من التنمية وهو أداتها في الوقت ذاته، وتمحورت كل خطط التنمية على الاستثمار في الاهتمام والنهوض بالمواطن العماني، وبالتالي عمليا على أرض الواقع برز الإنجاز العماني في تحقيق التنمية المستدامة في عدة قطاعات وعلى عدة محاور، أبرزها:
أولا: قطاعي الصحة والتعليم والمساواة بين الجنسين: فقد استثمرت الدولة العمانية مليارات الدولار في قطاعات الصحة والتعليم انطلاقا من ضرورة بناء إنساني عماني يمتع بصحة وعافية قوية وعقل مستنير مزود بكل أسلحة المعرفة والمهارات الحديثة، حيث انتشرت آلاف المستشفيات الحديثة في كل أنحاء عمان وفقا لأحدث الإمكانيات والمعايير العلمية في الصحة وتوفير الخدمة الصحية لكل سكان السلطنة وفى كل المناطق سواء المدنية أو النائية، كما قامت الدولة العمانية ببناء آلاف المدارس وعشرات الجامعات ضمن الاهتمام بالتطوير والارتقاء بالتعليم الجامعي وما قبل الجامعي والاهتمام بالبعثات العلمية لأبناء عمان، وقد ترتب على ذلك الاهتمام بقطاعي الصحة والتعليم تراجع معدلات الوفيات وارتفاع متوسط أعمار الإنسان العماني كذلك اختفاء الأمراض الخطيرة والمعدية، كذلك تراجع معدلات الأمية وزيادة أعداد المتعلمين والداخلين إلى سوق العمل سنويا. وفى مجال المساواة بين الجنسين حققت عمان طفرة كبيرة في هذا المجال منذ سنوات بعيدة حيث تقف المرأة العمانية بجانب الرجل العماني في كافة القطاعات والأعمال والمجالات نتيجة لتبني السلطنة سياسات تمكين المرأة ومشاركتها في العمل العام وكذلك في العمل المجتمعي والمشروعات الخاصة وفي التساوي في معدلات الدخل كذلك مشاركتها في العمل السياسي العام خاصة الانتخاب والترشح لمجلس الشورى العماني.
ثانيا: القضاء على الجوع والفقر وتعزيز النمو الاقتصادي وتوفير العمل اللائق وتحفيز التصنيع، وهذه المجالات حققت فيها عمان أيضا طفرات كبيرة برزت في الاهتمام بالأمن الغذائي خاصة مشروعات الزراعة كأحد المجالات الأساسية لاستراتيجية التنويع الاقتصادي والتحول من الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل الوطني وما يترتب عليها من تداعيات سلبية بسبب التقلبات في أسعاره، إلى التحول للاعتماد على مصادر أخرى للدخل مثل الزراعة والسياحة والثروة السمكية والتصنيع والخدمات، وقد أنجزت السلطنة بالفعل خطوات مهمة وقطعت أشواطا كبيرة في استراتيجية التنويع الاقتصادي، حيث المشروعات العملاقة في صلالة وصحار والدقم التي تضم المنطقة الاقتصادية الخاصة الضخمة، كذلك بروز السلطنة في مجالات الابتكار ومشروعات ريادة الأعمال حيث تبنت الدولة العمانية استراتيجية تحفيز ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومشروعات ريادة الأعمال وتشجيع الشباب العماني على الابتكار والاتجاه نحو المشروع الخاص ليحقق فيه ذاته ومستقبله، كما تطورت عملية التصنيع في السلطنة خاصة في قطاع البتروكيماويات وكذلك بناء الشراكات الاقتصادية مع دول العالم المختلفة.
ثالثا: قطاعات الحفاظ على البيئة واستدامة الموارد ومواجهة التصحر والتغيرات المناخية، وهذه المجالات أيضا للتنمية المستدامة حققت فيها سلطنة عمان طفرات كبيرة حيث احتوت خطة التنمية الخمسية التاسعة الحالية على أهداف الحفاظ على البيئة والتوازن الإيكولوجي في البر والبحر واتخاذ خطوات مهمة لمكافحة التلوث ومواجهة التغيرات المناخية والانبعاثات الحرارية والتي أثرت على عمان أيضا مثلما أثرت على كل دول العالم وهو ما نشهده حاليا في ارتفاع درجات حرارة الأرض وذوبان الجليد والتصحر وغيرها من المخاطر العالمية.
رابعا: بناء السلام والعدل والمؤسسات، وقد برزت عمان كمثال عالمي ونموذج رائد في تبنى قيم السلام في عالم ومنطقة مضربة مليئة بالصراعات والحروب والأزمات والدمار، وانتهجت السلطنة منذ بداية النهضة المباركة السلام كمنهج أساسي في سياساتها الخارجية ودورها الرائد في تحقيق السلام في المنطقة والعالم، حيث قامت السلطنة بالوساطة في العديدة من الأزمات والصراعات ونجحت في تسويتها سلميا، وهذا يعود إلى سياسة السلطنة التي تقوم على الاحترام والموضوعية والحيادية والانحياز لقيم السلام والتعايش والتعارف بين الشعوب والأمم واحترام قواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والتي مكنتها من أن تقود تيار السلام والعدل والبناء والتعايش في العالم مقابل تيار الحروب والصراعات والدمار الذي يسود الآن الكثير من دول ومناطق العالم المختلفة.
وقد اعتمدت عمان في تحقيق أهداف التنمية المستدامة على محددات أساسية، وهي: محلية التنمية، وكفاءة التمويل، والتطور التكنولوجي، وتوفر البيانات، كما أن هناك تحديات تواجه تحقيق التنمية المستدامة أبرزها تحدى التمويل، كذلك بيئة الشرق الأوسط المضطربة، لكن بشكل عام فإن النموذج العماني في تحقيق التنمية المستدامة أصبح نموذج يحتذى ليس فقط في المنطقة بل في العالم وذلك بشهادة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وهو ما عكسته الأرقام والإنجازات على أرض الواقع خاصة أن تحقيق التنمية المستدامة يمثل فلسفة ومحور رؤية عمان 2040.