الفيسبوك.. خداع الكوكب الأزرق!

محمد جميل أحمد –

أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي، كالفيسبوك في كثير من إيحاءاته، وفي ظن كثيرين، كما لو أنه نمط جديد مكتف بذاته وبديل، في الوقت نفسه، عن تقاليد الكتابة وآليات القراءة الضرورية لسوية الحياة الثقافية وانتظامها الموضوعي.
البعض صدّق هذا الوهم، البعض الآخر ظن أن طبيعة القراءة في الفيس هي هوية النشاط القرائي المطلوب للاندراج في عالم الكتابة والقراءة المنتج للمعنى، البعض الآخر بدت ثقته زائدة بنفسه، نظرا لكونه نجما من نجوم الفيس (وهي نجومية تحتاج إلى نشاط كثيف من اللايكات المجانية والتعليقات الهوائية في حسابات الآخرين عبر حضور وإلحاح دائمين) كما لو أنها الشرط الوحيد الذي يؤهله للكتابة والمشاركة في المجال العام بآرائه، ليس من حيث كونه فردا من حقه التعبير، وإنما تماهيا مع نجوميته الفيسبوكية تلك!
كل هذه الإشكاليات من أهم القضايا التي يطرحها نشاط الأعضاء في (جمهورية فيسبوك التي تجاوز عدد سكانها المليارين) بطريقة قد تضعنا أمام جدوى ذلك النشاط الجديد ذاته، وما قد يشكله من إضافة حقيقية في عالم الكتابة والقراءة بشروطهما الموضوعية (لا عالم التواصل).
فإذا كان بإمكاننا القول، في صورة ما، إن الفيسبوك هو شكل من أشكال التجمع البشري الخام والافتراضي، يمنح أعضاءه فرصة عظيمة وغير مسبوقة للتواصل، فإن هذه الحيثية قد تشبه تماما حيثية وجود الناس في المقهى، أو في السوق، أو في الساحة الشعبية للحي، حيث يكون المهيمن الأول والمزاج العام مزاج شعبوي يتصل بعاديات الحياة، لكن الفرق هنا هو أن الحياة العادية في السوق -رغم شعبويتها- تقتضي أن يكون لصاحبها ظهور يحدد له ذاته أمام الآخرين، فيما أن الفيسبوك يوفر لصاحبه خفاءً يحرره من كثير مما قد لا يجرؤ عليه وهو في السوق مثلاً!
فكيف يمكن للفيس -والحال هذه- أن يكون بديلا لتقاليد الكتابة والقراءة؟
وكيف يمكننا أن نتصور مستقبلاً الثقافة والوعي العام، إذا ما قُدّر لمثل هذه الأدلوجة، أن تكون هي اعتقاد الناس عن تلك التقاليد، نظرا للطبيعة الإلكترونية والتواصلية للفيسبوك؟
صحيح أن فعل القراءة، في حد ذاته، فعل إيجابي وأن التفاعل مع الوسائط الرقمية الجديدة في منابر التواصل الاجتماعي يقتضي مطلق عمليات أولية للكتابة والقراءة، لكنه في الوقت ذاته، ذلك ليس كافيا لإلغاء جدوى القراءة من مصادرها المعرفية الأساسية كالكتاب. وليس الجدل هنا في أولوية مطلق الكتابة والقراءة -فهذا متوفر في استخدامات الفيسبوك- بل أصل الجدل هنا هو في طبيعة القراءة من الكتاب بوصفها عملية معرفية تنقلنا من مجتمع الشفاهة إلى مجتمع القراءة.
فمجتمعات القراءة، أي المجتمعات التي تجعل من القراءة ضمن أولويات عاداتها اليومية ليس فقط كهواية، وإنما كنمط لسلوك حياة لا يمكن تعقُّل مفرداتها في النظام والقانون والمعرفة والأسلوب العام للعيش إلا بالقراءة والضبط، تلك المجتمعات، ولأنها مجتمعات قراءة، فهي تمارس فعل القراءة كضرورة لممارسات الحياة اليومية في كتاب المعرفة، ولهذا فإن رؤية تلك المجتمعات لذاتها ولمجتمعها وللعالم لا يجعل من منطق الشفاهة حاكما عليها أبدا، أي لا تكون الفوضى والبلبلة وهما نمطان يحكمان عالم مجتمعات الشفاهة، جزء من تعبير تلك المجتمعات المتقدمة عن الحياة والعيش.
عند هذا الفرق، الذي يفصل بين عالمين تحكمهما خصائص هي مفاعيل لنظامين نقيضين؛ نظام مجتمعات القراءة، ونظام مجتمعات الشفاهة، يمكننا موضعة تقاليد وممارسات الفيسبوك، وما إذا كانت بالفعل هي ممارسات مجتمعات قراءة أم مجتمعات شفاهة.
وهنا يتبين لنا عبثية الجدل النسقي الذي يدور حول الفيسيوك بوصفه مصدرا للمعرفة في مجتمعات هي أصلا مجتمعات شفاهة، أي ليست لها قدرة ذاتية على رؤية عالمها من خلال معايير وأنظمة وقوانين وإدراكات عامة لضبط تصور واع لحياة لا يمكن تمثلها إلا بنظام عالم القراءة، لا نظام الشفاهة.
إنها لمفارقة؛ أن يكون لمجتمعات القراءة في الغرب (الذي أنتج التكنولوجيا الحديثة، واخترع العالم الرقمي) تعاملاً مختلفا مع تطبيقات الفيسبوك، لا يشبه تعامل عالم مجتمعات الشفاهة التي تعكس بوعيها المتخلف أزمات عديدة لاستخدامات الفيسبوك، يختلط فيها السطو على مجالات مختلفة، كالصحافة والقانون والمعرفة لتصبح كل تلك الفنون مشاعا فوضويا ليس عليه ضابط، لا من حيث تحرز الأفراد /‏ المواطنين (كما يتحرز مواطنو عالم القراءة في الغرب) ولا من حيث البنيات القانونية والمؤسسة التي تحمي حقوق الناس، ولا من حيث جدوى اقتناع كثيرين من مستخدمي الفيسبوك في العالم العربي بأن تلك التطبيقات العشوائية الخطرة لاستخدامات الفيسبوك ليست تطورا متجاوزا لقواعد آليات الكتابة والقراءة المنتجة للمعنى.
لكن لا أحد بإمكانه أن يسمع، فمجتمعات الشفاهة لا تصغي لأن الجميع فيها يتكلم!