نوافذ: المسألة الأخلاقية في السلوك

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

أتصور، وبخبرة معقولة، أن المسألة الأخلاقية خاضعة كثيرا للمسألة الثقافية، أو الوعي الثقافي، وهو الوعي الناتج عن ممارسات تربوية ممتدة، ومسنودة بقيم المجتمع الذي يعيش فيه الفرد، فهي لا تنفك كثيرا عن مجموعة المسارات التي يعتمدها المجتمع لتنظيم حياة أفراده، والمجتمع هنا مجموعة الأسر المكونة له، التي تربى فيها هذا الفرد، حتى خرج بخلاصة مجموعة الأوامر والنواهي التي تصوب سلوكياته بين أحضان المجتمع، ولذلك فالأفراد الذين يتربون خارج الحاضنة الأسرية لن تكون أخلاقهم وسلوكياتهم بما يتوافق مع السلوكيات العامة في المجتمع، ومن هؤلاء الذين يعيشون في دور الرعاية الاجتماعية، على سبيل المثال، ولو كانت لهم برامج ومحددات تنظيرية لتقويم سلوكياتهم داخل هذه الدور، فالتربية الأسرية الحاضنة لمجموع أفراد الأسرة: الأب، الأم، الأخوة، الأخوات، مجموعات الأقارب من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، وذوي القربى الآخرون، هؤلاء كلهم يتفقون على سلوكيات تربوية شديدة الحساسية، وكثيرة المحددات، ومعقدة التوظيف، وهي فوق كل ذلك تراكم تاريخي متجذر ممتد لمئات السنين، أب عن جد، والقائمة تطول.
هذا التسلسل التاريخي في تأصيل ممارسة مختلف السلوكيات التي يقرها المجتمع كأسلوب حياة يتفاعل بها الأفراد بعضهم مع بعض، تحمل ذات الفهم في تأصيل الهويات، وتجذرها، وبالتالي تقاس عراقة الشعوب من هوياتها التي تحملها وشاحا أينما حلت وارتحلت، ولكن هذه الصورة تتعرض اليوم لكثير من التصدع، ومن الارتباك كذلك، ليس فقط لأنها تتصادم مع ما يتم تناقله عبر وسائل الإعلام التقليدية، ووسائل التواصل الاجتماعي (حديثة العهد) وإنما كذلك هناك قناعات ذاتية نابعة من الجيل نفسه الذي لم يعد يلتفت كثيرا إلى المسألة الأخلاقية الـ (متوارثة) وإنما يختط لنفسه منهجا سلوكيا مغايرا يكاد يبدأ من مرحلة الطفولة البكر، حتى قبل أن يختلط بأفراد المجتمع من حوله، ويكسب منه خبرات معينة تُفوّضه لأن يتصادم مع أفراد محيط أسرته قبل كل شيء، توافق هذا النهج مع ما هو موروث، أم لم يتوافق فهذه ليست قضيته، ومن هنا تبدأ في كل مرحلة (جيلية) مسألة الصراع المفتوح من الجهات الأربع.
المسألة الأخرى في هذا الجانب، هي: أن السلوك الممارس باستمرار، حتى وإن تصادم مع قناعات المجتمع الأكبر (سنا) فإنه مع مرور الأيام يصبح سلوكا مستساغا مقبولا وممارسا، وكأن شيئا لم يكن، ولأن المسألة الأخلاقية، في كثير من مواقف سلوكيات الأفراد، لا أحد يستطيع أن يدافع عنها فإنه، في المقابل، تتعرض لكثير من الانتهاكات، لأن في أول ردة فعل ستسمع: «أنا حر» أو «أنا مسؤول عن تصرفاتي» أو «أنت ليس لك دخل» أو «أدب أولادك إذا تقدر» وغيرها الكثير مما نسمعه، في مثل هذه المواقف، ولا أتصور أن القانون سيكون نصيرا لمن عاب على أي حد تصرفا منافيا لما هو معتاد، إلا إذا وصل الأمر إلى سلوك مادي منصوص عليه في القانون، فعلى سبيل المثال لا تستطيع أن تعيب على شخص (بصق) في الطريق، أو رمى شيئا من المهملات من سيارته، كما أصبح في حكم العادة أن ترى امرأة تضع المكياج في مكان عام، أو شابا يغير ملابسه في مكان عام، وقد دخلت مرة محل لمغسلة الملابس، فجاء شاب وغير دشداشته في المحل، واستلم النظيفة ولبسها، إلى غيرها من السلوكيات غير اللائقة فأصبحت اليوم بحكم الممارسة (معتادة) ولا تثير الاستغراب، وأُقيّم التزام الفرد بسلوكيات مقبولة أمام العامة؛ فهو ليس فقط يحترم من كان حوله، وإنما يحترم ذاته في المقام الأول، ومتى وصل الفرد إلى احترام ذاته، حظي بتقدير المجتمع له، وإجلاله وإكباره، وإنزاله المنزلة المباركة، ومن تجاوز هذا كله، فليس عليه العتب فيما يأتيه من سلوك مشين بعد ذلك.