15 فنانا و30 لوحـة تتشـكل بمهـل على كتـف بحـر عمان فنانـون: الملتقى يعطي بعـدا إنسـانيا وإبداعيا وقيما تفاعلية

في النسخة الثانية من ملتقى بيت الزبير الدولي للفنون –

كتبت: بشاير السليمية:-

على كتف بحر عمان وبالتحديد في شنجريلا بر الجصة أسفل مصابيح كروية متدلية يشتغل خمسة عشر فنانا على ثلاثين عملا فنيا، كان المشهد من الأعلى يبدو رائع الجمال وضوء شمس بحر عمان تتسرب بهدوء من فتحات النوافذ لتنكفئ على اللوحات التي يقف بعضها على المساند الخشبية والآخر يرقد على الأرض، الأرض التي كانت مخلطة ببقع الألوان هنا وهناك، فوضى مرتبة وملونة تترجم النسخة الثانية من ملتقى بيت الزبير الدولي للفنون.
حين هبطت لأسفل لأرى عن قرب بدا المشهد حميما وأكثر دفئا، دفء الفن الذي كان ينبعث من الأصابع التي لسبت الألوان ثم عانقت الوجوه وقت مسح الجبين، فتركت أثرها هناك أيضا.

حين وجدت نفسي في المنتصف، بدأت أتساءل عن العمل على الفن منفردا والعمل عليه في العزلة كما يحب أغلب الفنانون أغلب الظن، فكان أن أجابني الفنان موسى عمر قائلا: «سؤال جميل جدا، مثل هذا التجمع وهذه الملتقيات مهمة جدا لاحتكاك الفنانين بفنانين آخرين، وامتزاج الثقافات والحضارات المختلفة، وهذا شيء مهم في الوقت الراهن، حيث كل شخص يعبر عن رأيه وعن فكره وفلسفته وعما يدور في هذه الدول بشكل خاص، ولكن الرسم منفردا هذه حالة عامة، فأن ترسم في البيت على مهل على مشروعك الخاص هنا وجه الاختلاف».
وواصل: «نشكر جزيل الشكر بيت الزبير والمسؤولين القائمين بدور في دعم الثقافة ماديا ومعنويا والملتقى يعتبر من أهم الملتقيات الدولية ونحن كنا بحاجة إليه قبل سنوات والحمد لله نحن الآن في النسخة الثانية من الملتقى ونتمنى المزيد من مثل هذه المحافل والحمد لله في الملتقى هنا أسماء كبيرة جاءت من أماكن مختلفة مثل ما ترين ولهم باع طويل في الفن وفي الحركة التشكيلية في بلدانهم فتوفقنا في هذا الأمر».

الرسم منفردا والرسم في جماعة

في حين أجاب الفنان إدريس الهوتي قائلا: «هذه الملتقيات تمنح التعارف والاحتكاك وتبادل الخبرات، وتابع: «هذا الشيء عادة يعطي نتائج أفضل من المعارض المعتادة، في المعارض صحيح أن الفنانين يتعارفون لكن تكون اللوحات جاهزة، في الملتقيات يشتغل الفنانون مع بعضهم بعضا ويتناولون وجباتهم مع بعضهم البعض ويخرجون في رحلات معا ويقيمون بنفس المكان وهذا يتخلله جلسات ونقاشات عفوية وأثناء ذلك نحن نشاهد كل فنان وكيف اشتغل ومراحل تأسيسه للوحة حتى انتهائه منها وهذه فائدتها مهمة بالنسبة لهم وهذه نحس بها لأننا شاركنا في فعاليات وملتقيات دولية من قبل وحرصنا على أن تتحقق نفس هذه التجربة في عمان بحيث نستضيف فنانين جيدين مختارين من دول مختلفة وفي مراحل فنية مختلفة حتى يستطيع الفنانين العمانيين الاستفادة منهم ويتحقق الاحتكاك وتبادل الخبرات».
ومن جانبه قال الفنان كريم سعدون: «هذه التجربة بها بعد العمل الجماعي فالفنان يحب العيش في عزلة ومختل بنفسه ولكن في التجمعات يحدث تبادل الخبرات واكتساب المهارات الجديدة إضافة إلى القيم التفاعلية حيث يمر الجمهور ويشاهدون العمل ويشاركون فيه في بعض الأحيان يخلق نوع من الثقافة البصرية وخلق الانطباعات المستقبلية في كيفية العيش مع الفنان ومع الفن بشكل عام مما يخدم عملية التلقي عند الجمهور مستقبلا ولن يجد صعوبة فيما بعد في تلقي الأعمال الفنية داخل المتاحف أو قاعات المعارض».
ويضيف الفنان إبراهيم غزالة قائلا: « تواجد الفنانين من دول مختلفة في فضاء واحد ومكان ومرسم ومشغل واحد ويتجاوروا ويعيشوا ويتجولوا مع بعضهم البعض له بعد إنساني وهذا هو المهم كونه التواصل الإنساني بين الشعوب وبين الفنانين بعيدا عن الفروقات والمشاكل والاختلافات السياسية فالفنانين دائما يتجاوزون الخلافات السياسية والعرقية والدينية والفنان دائما مترفع عن كل هذه الأشياء البسيطة».
أما الفنانة السعودية مهدية آل طالب عبرت عن ذلك بقولها: «الملتقيات هذه فوق كونها حالة فنية للفنان وتأثر بالأساليب واستفادة اعتبرها تعارف إنساني وتعارف على ثقافات مختلفة وتبادل خبرات فهذا الشيء بحد ذاته بحاجة إلى الفنان لأن يتواجد في مثل هذه الملتقيات حتى ينمي نفسه وتجربته لتتسع آفاقه ورؤيته بسبب الاحتكاك المباشر ولاطلاع على أساليب الفنانين البعيدة عنا، فنحن في الخليج تصلنا القليل فقط عن الأخبار من المغرب مثلا لكن هذه الملتقيات تقربنا بشكل مباشر وجها لوجه بعيدا عن قنوات التواصل الإلكترونية والعالم الافتراضي. وهذا ثراء لتجربة الفنان والفن ككل».
وكونها تحضر للمرة الأولى ملتقى في عمان قالت الفنانة العمانية حفصة التميمية: «لي عدة مشاركات في السلطنة وخارج السلطنة ولكن الجميل هذه المرة أن أكون مستضيفة ولست ضيفة، في كوننا نعرف الفنانين القادمين علينا وعلى عمان ونجعل منها ملهمة، حتى يضيفها كرمز في لوحته إن أحب. وعدا ذلك فنحن نرى الآن تجربة الآخر وتاريخه، وثقافته وأفكاره وأسلوبه بشكل حميمي».
أما الفنان سليم سخي قال: «تجربة جميلة بتواجد رؤى مختلفة مختلفة وتجارب مختلفة في مكان واحد ونعمل في المجال الإبداعي في فترة محددة هي خلاصة تجارب الفنانين المشاركين وفيها التقاء كذلك مع الخبرات المختلفة فالملتقى أبعاده كثيرة فنية وإبداعية، وهذه لها منافع كثيرة للمشاركين وللحركة التشكيلية في البلاد».

أعمال تتشكل

حدثنا كل فنان على حدة من جديد عن اللوحات التي يعمل عليها في الأثناء خلال الملتقى، فكان أن حدثنا الفنان موسى عمر عن لوحته قائلا: «عندي مجموعة أغنيات للشمس أشتغل عليها بمادة الخيش مدموج مع الكانفاس والقماش بحيث يعطي إيحاء تراثيا ومفردات تراثية طالما اشتغلت عليها».
فيما قال الفنان غدريس الهوتي عن عمله: «هي ليست مجرد لوحة ولكنها تجربة، بدأتها بالأخذ من عناصر معينة من البيئة العمانية لأحولها بشكل تجريدي إلى عمل، وترمز بشكل أساسي إلى مشاعر أحن إليها في ذكرياتي من مدينة مطرح التي ولدت فيها، فوضعت الأقواس والنساء وقطع من الزري، وبعض القلاع والنخيل كلها أشياء مرتبط بها عاطفيا وأضعها على اللوحة بشكل مختلف يترجم الحنين.
أما الفنان كريم سعدون فقال: «أشتغل على ثيمة محددة هي ثيمة المهاجر الذي ينتقل من مكان إلى آخر والفنان خصوصا الذي ينتقل وهو محمل بكل العلامات البصرية من المكان الذي يعيش فيه وعند انتقاله لمكان آخر به علامات جديدة وأفكار جديدة وقيم دلالية للأشياء تختلف، لذلك الفنان دائما وفي الغربة خصوصا يعيش في عزلة داخلية وبحاجة إلى اكتشاف المكان وبحاجة إلى اكتشاف دلالات الأشياء الأخرى، لسبب أنه سيكون بحاجة إلى القرب من المتلقي الجديد الذي يكون مثل الذي يتحدث معك بلغة أخرى لا يفهم أحدهم الآخر، لذلك أتناول مشكلة المغترب بشكل عام والمنعزل بشكل تام عن المجتمع الجديد وهذي مشكله يعيشها المواطنين اللاجئين والمهاجرين الذين لا يستطيعون أن يعيشوا اندماجا كاملا في المجتمعات الجديدة، فمثل الذي يجلس على كرسي متحرك ولا يستطيع أن يرى ما حوله إذا لم يتحرك هذه الاستعارة أخذتها ووظفتها في أعمالي».
وبإيجاز قال الفنان إبراهيم غزالة: «أحاول أن استلهم روح المكان في العمل الفني الذي أعمل عليه ببساطة». وتضيف الفنانة مهدية آل طالب: «اللوحة التي أعمل عليها هي كولاج صنعته بيدي بخامات مستهلكة، والألوان المستعملة هي الأكريليك، أكثر موضوعاتي أو جلها عن المرأة حيث أنني أرسمها بحالة تعبيرية مختزلة مختصرة في الشكل، وفقط التساؤل عن الإحساس، حيث أحاول أن أرسم بكل إحساسي الصادق حتى يوصل إلى المتلقي فأبث رسالة صدق من خلال اللوحة إلى المتلقي».
أما الفنانة حفصة التميمية قالت عن أعمالها: «دائما ما أرسم شخوص، وبالأخص نساء، فأنا متحيزة قليلا للمرأة، لكنني هذه المرة أضفت رجلا، كنت أضيف رجالا من قبل لكن عنصر المرأة عندي أقوى حضورا، لأنني ببساطة امرأة وأشعر بها وأعرف متطلباتها وأعرف إحساسها فأرسمها بصفة عامة لا أحدد لها زمنا ولا عصرا معينا ولا بلدا أرسم مشاعرها وحسب».
ووصف الفنان سليم سخي عمله قائلا: «استلهمت في العمل الكمة العمانية ودائما اللغة البصرية للفنان والمشاهد التي تمر عليه تختلف نظرته لها عن الغنسان العادي، فوجود المحلات التي تبيع مثل هذه المشغولات وطريقة عرضها في المحال كانت مصدر إلهام لهذا العمل وأنا شاهدتها كانها مجموعة من عناصر فنية تصطف جنب بعضها وكل كمة فيها أبعاد فنية مختلفة ولغة مختلفة فحاولت أن أن أشد الخيط من هنا لأبدا هذه الأعمال».

الفن وأزمة التلقي

وحول الفن وما إذا كنا نواجه أزمة في التلقي في عمان على وجه الخصوص قال الفنان إدريس الهوتي: «حاليا لا أعتقد أن هناك أزمة تلقي، فعلى سبيل المثال أنا بدأت كفنان في عام 92 ووقتها كانت هناك أزمة، وكفنان في ذلك الوقت لم أكن قادرا على عرض كل لوحة أعمل عليها، حتى الجهات القائمة على المعارض لم تكن تتقبل أي لوحة حتى لو كانت لوحة جيدة فنيا لكن المجتمع لم يكن يتقبلها وأيضا الجهات المنظمة لم تكن واعية بعد لكل مسارات ومجالات الفن التشكيلي، الآن ربما بعض السلبيات ما تزال موجودة لكنها تكاد لا تذكر مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا، لذلك لا أعتقد أن هناك أي أزمة بين الجمهور وبين الفنانين».
وأضاف: «الثقافة البصرية زادت خصوصا مع ظهور وسائل التواصل حتى بالنسبة لنا نحن الفنانين، ففي بدايتنا لم تكن هناك مصادر وقليل جدا أن نجد الكتب الفنية والإنتلانت لم يكن موجود حتى مع ظهوره كانت المصادر قليلة والآن مع وسائل التواصل الاجتماعي أصبح يشاهد اللوحات آلاف المتابعين في السابق لا حيث تعرض المعارض عددا محدودا من اللوحات، ولا يشاهدها إلا العدد القليل، فزاد الآن عدد المتلقين فتعودوا على اللوحات إضافة إلى قدرتهم الآن على تمييز اللوحات إلى جانب كثرة النقاشات الفنية أصبح لديهم بعض الإدراك وما نزال في عمان وفي الخليج نفتقد للنقد الذي يجعل من هذا التلقي ناضجا، ولأن النقد غائب هذا يؤدي إلى خلط بين المستويات، لكن ما عدا ذلك الوضع تحسن كثيرا».
فيما رأى الفنان سليم سخي أن : «الذائقة تطورت مع تطور الفن، فحين يتقدم الفن فإنه يرفع المتلقي إلى مستويات أعلى لفهم الإبداع وهذا دور الفن، وهناك ربما حلقة مفقودة بين المتلقي والمستويات المطروحة في هذا الوقت، فهنا يأتي دور الناقد حتى يضيق هذه الحلقة ويكون المتلقي بنفس مستوى ما يطرح من إبداع».

الفن ومشاكل العالم

وفي سؤالي للفنان كريم سعدون حول ما يمكن أن يقدمه الفن في ظل الأزمات والقضايا التي نعيشها قال: «الفن عادة أو الفنانون هم مثيرو أسئلة وليس لديهم أجوبة، فالفن لا يقدم حلولا للمشاكل ،ولكنه يثير أسئلة متعددة تثير انتباه الجمهور والرأي الجمهور إلى وجود مشكلة والمختصين يجدون الحلول لها، لذلك دائما الفنون تساهم في تثقيف بصري وإثارة أسئلة وتجر الأحداث لتغيير معين. فالفنان يبقى مثير أسئلة».

الحركة الفنية التشكيلية في الخليج

وترى الفنانة السعودية مهدية آل طالب أن الحراك الفني في الخليج مبشر جدا، مع أن الإعلام مقصر، لكن هناك فنانون حسب وصفها وصلوا إلى العالمية مستوى وإدراكا وفهما وتجربة، ويكمن تقصير الإعلام العربي مقصر في كونه يسلط الضوء فقط على التجارب المحلية، وأضافت: «ما أتمناه أن تكون هناك قناة تهتم بالفن خارج رقعة الخليج حتى يكون هناك ثراء في العملية الفنية الخليجية بشكل عام».