إيران والسلاح النووي

دينيس روس – صحيفة «ذا هِل» الأمريكية – ترجمة قاسم مكي –

تشرع إيران الآن في تخطي القيود المفروضة على برنامجها النووي بواسطة خطة العمل الشاملة المشتركة التي وقعت عليها في 2015 وانسحبت منها الولايات المتحدة عام 2018.
في البداية تجاوزت إيران مخزون اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي سمح لها الاحتفاظ به. ثم بدأت التخصيب بأكثر من نسبة 3.67% المسموح بها بموجب الاتفاق. وفي حين أن الإيرانيين يخصبون عند أقل من 5%، وهي نسبة تنقص كثيرا عن مستوى التخصيب الكافي لإنتاج السلاح النووي والتي تتراوح بين 80% إلى 90%، إلا أنهم ما عادوا يلتزمون بقيود الاتفاق. وهم يهددون بعمل المزيد إذا لم يعد في إمكان البلدان الأوروبية التصرف على نحو يخفف من الأثر الاقتصادي للعقوبات الأمريكية المفروضة عليهم مجددا.
هنالك عدة أسئلة ينبغي طرحها. أولا: لماذا يفعل الإيرانيون هذا الآن بعد أن واصلوا الالتزام بقيود الاتفاق لمدة عام عقب انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق واستئناف فرض عقوبات أمريكية أحادية قاسية؟
ثانيا: ماهي النتائج العملية التي ينطوي عليها تخلي إيران التدريجي عن قيود الاتفاق؟
ثالثا: هل لدى إدارة ترامب رد على تحركات إيران؟
ورابعا: ماهي الخيارات المعقولة في الرد على الإيرانيين.
لماذا تفعل إيران هذا؟ في 4 مايو أنهت إدارة ترامب الإعفاءات (من العقوبات) التي منحتها لثمانية بلدان لشراء النفط الإيراني. وهي بفعلها هذا فرضت تكلفة باهظة على اقتصاد إيران. ورغم أن العقوبات تسببت سلفا في تدهور اقتصادها بقدر ليس يسيرا إلا أن إنهاء الإعفاءات كان يعني أن صادرات النفط الإيرانية التي كانت عند مستوى مليون برميل في اليوم تقريبا ستتدنى كثيرا إلى 300 ألف برميل في اليوم. لقد فاقمت خسارة الإيرادات النفطية بشدة من المشاكل الاقتصادية في إيران التي خسرت عملتها 60% من قيمتها. كما شهدت كذلك ندرة في السلع الاستهلاكية رافقها تضخم متصاعد.
دفع قرار سحب الإعفاءات إيران إلى تغيير حساباتها من محاولة التعلل بالصبر حتى انتهاء رئاسة ترامب إلى التصدي لحملة «ذروة الضغط» الترامبية بأخرى إيرانية. ترافق مع «تحركات هذه الحملة الأخيرة» في المنطقة شروع الإيرانيين في التخلي عن بعض التزاماتهم بموجب الاتفاق النووي. وقصدهم من ذلك الضغط على الأوروبيين إما لجبر الضرر الاقتصادي الناشئ عن العقوبات الأمريكية أو الضغط على إدارة ترامب للتلطيف من سياسة العقوبات.
فالإيرانيون يعلمون أن الأوروبيين يخشون من أنهم إذا لم يحولوا دون تخليهم التام عن الاتفاق ستتزايد مخاطر ضرب الولايات المتحدة أو إسرائيل للمنشآت النووية الإيرانية. وهم يريدون الحيلولة دون نشوب صراع.
لكن لا يحاول الإيرانيون التأثير على الأوروبيين وحدهم فقط. إنهم يتحدون إدارة ترامب مباشرة. فلأنهم يرون أن ترامب لا يرغب في أن يكون جزءا من الحروب الشرق أوسطية التي لانهاية لها يعتقدون كما يبدو أن تشديد الضغط قد يدفعه إلى التراجع.
ماهي النتائج العملية لتخلي إيران التدريجي عن الاتفاق النووي؟
في البداية سيقلل الإيرانيون من الوقت الذي يلزمهم لبلوغ «عتبة» إنتاج مادة انشطارية تكفي لصنع السلاح النووي. كان التقدير قبل الاتفاق أن الإيرانيين (بالنظر إلى عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة لديهم ومخزونهم من اليورانيوم المنخفض التخصيب الذي تجاوز 3 آلاف كيلو جرام) يحتاجون إلى ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر لبلوغ عتبة السلاح النووي. لكن بخفض مخزونهم إلى 300 كيلو جرام وأجهزة الطرد بما يقرب من نسبة 50% امتدت فترة وصول الإيرانيين لهذه العتبة إلى عام تقريبا.
سيحتاج الإيرانيون إلى وقت للعودة إلى حيث كانوا (قبل الاتفاق). لكن الخطوات التي يتخذونها ستقلص تدريجيا من طول الفترة اللازمة لبلوغ العتبة. ومن الواضح أن التوقيت سيتأثر بمستوى تخصيب الإيرانيين. فإذا بدؤه بنسبة 20% وهو ما أشاروا إلى أنهم قد يفعلونه لتزويد مفاعل الأبحاث الطبية في طهران بالوقود سيعجل ذلك من الجدول الزمني. لكن فترة بلوغ العتبة والقدرة التسليحية ليستا هما نفس الشيء. فالأولى من شأنها إتاحة يورانيوم مخصب يكفي للسلاح النووي لكن ليس السلاح نفسه.
كشفت الغنيمة الوثائقية والرقمية الضخمة التي سربتها وكالة الموساد التجسسية سرا من طهران أن الإيرانيين أنجزوا الكثير فيما يخص تصميم الأسلحة بما في ذلك في مجالي التجريب والمحاكاة.
وإذ قلنا ما قلنا لا يعلم أحد بالضبط كم من الوقت سيحتاج الإيرانيون لصنع قنبلة. لقد كانت هنالك ومنذ فترة طويلة تقديرات بأن الإيرانيين سيحتاجون إلى عام تقريبا لتحويل اليورانيوم عالي التخصيب إلى سلاح نووي. لكن ذلك تخمين وليس معرفة يقينية. فقد تكون الفترة أطول أو اقصر كثيرا.
هل لدى إدارة ترامب رد على إجراءات إيران المضادة لسياسة «ذروة الضغط» الأمريكية؟ فضلا عن مواصلة الضغوط الاقتصادية على نحو أشد عزما مما في السابق، يبدو أن الرد هو «لاشيء». بل بدلا عن ذلك يبدو أن هناك أملا بأن الإيرانيين سيلزمهم عاجلا أم آجلا أن يستسلموا.
حقا على الرغم من تصريح مستشار الأمن القومي جون بولتون في 5 مايو بأن «التهديدات ضد قواتنا ومصالحنا وأصدقائنا في المنطقة ستقابل بقوة لا هوادة فيها» إلا أن كل الهجمات وأعمال التخريب في المنطقة لم تواجه بردود مباشرة. ومن جانبه كان الرئيس ترامب يبعث بإشارات عن رغبته في التفاوض. لقد «لطف» من أهدافه وفي ذات الوقت يقول: إن الإيرانيين يلعبون بالنار. يبدو أن الإيرانيين غير مقتنعين في الوقت الحاضر ولم يتراجعوا.
ماهي الخيارات المتاحة لإدارة ترامب في الرد على ذلك؟ يمكنها محاولة إقناع الإيرانيين من خلال الأوروبيين والروس بأنهم يخاطرون حقا باستثارة رد عسكري إذا بدأوا في تقليص المدة اللازمة لوصولهم إلى عتبة السلاح النووي.
لكن اقتصار هؤلاء على تمرير الرسائل لن يكون بمثل فعالية قولهم هم والصينيين بأنهم سيستأنفون تطبيق العقوبات إذا لم يلتزم الإيرانيون مجددا بالاتفاق النووي. والمشكلة الآن هي أنهم كلهم يحملون ترامب مسؤولية إيجاد الخطر. فقط إذا اعتقدوا أن الإدارة الأمريكية قد تضطر إلى القيام بعمل عسكري ضد البنية الأساسية العسكرية لإيران من المحتمل أن يفرضوا ضغوطا حقيقية على الإيرانيين.
من المفيد التذكير بأن الاتحاد الأوروبي عمل في عام 2012 على مقاطعة النفط الإيراني عندما خشي من قيام إسرائيل بعمل إذا لم يفرض ضغطا حقيقيا (ومقنعا لها) على إيران.
إن الخوف من اندلاع الحرب هو ما دفع الأوروبيين إلى التحرك وقتها وأظن أن ذلك صحيح اليوم.

* الكاتب مستشار وزميل بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى. عمل مساعدا خاصا للرئيس أوباما ومنسقا خاصا للشرق الأوسط في إدارة الرئيس كلينتون ومديرا لهيئة موظفي تخطيط السياسات بوزارة الخارجية الأمريكية في إدارة بوش الأولى.