«التاسعة» تخلف «الثامنة».. عمر جديد لمسيرة الشورى

أحمد بن سالم الفلاحي –

في نظرة فاحصة ومستوعبة للممارسة الشورية في السلطنة خلال مسيرتها المباركة، يجد أنها كتاب مفتوح ـ طوال فتراتها الثماني – بدءا من يوم إعلان قوائم الترشح، مرورا بيوم التصويت الحر المباشر، وصولا إلى الممارسة الفعلية تحت قبة المجلس، ويضاف إلى ذلك ما يبث وما يعلن عنه من تعاطي جميل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالتالي هذا الوضوح، وهذا التفاعل يعطي قراءات واعية للمتابع للمشهد.
نشرت جريدة عمان في عددها (13914) الصادر بتاريخ الأحد 7/‏‏‏‏7/‏‏‏‏2019م تصريحا لسعادة الشيخ الأمين العام لمجلس الشورى، قال فيه: «تلقى مجلس الشورى التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – القاضية بفض دور الانعقاد السنوي الرابع (2018 – من الفترة الثامنة (2015 – 2019) للمجلس اعتبارا من (14) يوليو 2019م، معلنا بذلك نهاية الفترة الثامنة عملا بأحكام المادة (58 مكررا 26) بالإضافة إلى المادة (58 مكررا 29) من النظام الأساسي للدولة» ـ انتهى النص -.
وبإعلان التوجيه السامي أعلاه، تغلق الفترة الثامنة من عمر مجلس الشورى أبوابها إلى الأبد مفسحة المجال للفترة التاسعة القادمة، والتي تقترب حيثيات تشكلها النهائي قريبا؛ إن شاء الله؛ وسط تفاؤل كبير بتشكيل أعضاء «تكنو قراط» فالممارسة الشورية التي تقتطع اليوم (8) فترات من عمرها استطاعت أن ترسخ قاعدة جماهيرية عميقة ونوعية، قياسا بالعمر التنموي الذي قطعته السلطنة في عهدها الزاهر بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – الذي أسس القواعد الراسخة لهذه المسيرة، وتعهدها بالعناية والرعاية عبر خطوات متدرجة، واكبت احتياجات مسيرة التنمية الشاملة في السلطنة، وتوافقا مع مستوى الوعي النوعي لدى المواطن، الذي وصل اليوم إلى مستوى عال من الفكر السياسي الناضج، والقدرة الكبيرة على تسيير دفة معززات النهضة المباركة في مجالاتها المختلفة: الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، وهذه الصورة تؤكدها الممارسات المختلفة في التعامل مع مختلف المستجدات على أرض الواقع، وقدرة هذا المواطن على استيعاب ما يدور حوله، وما يثار حوله من قضايا حساسية، وبالغة الخطورة، ومع ذلك حافظ على هدوئه، وعلى حكمته، وعلى تبصره، وعلى حنكته في تجاوز مختلف ما يثار حوله دون ضجيج، وهذا كله يؤسس قواعد ثابتة للانطلاق نحو غد أكثر قدرة على مجابهة مختلف الظروف، وذلك ليس بغريب على شعب متجذر في الحضارة والتاريخ.
وفي السابع من الشهر الجاري أعلنت وزارة الداخلية عن القوائم الأولية لعدد المتقدمين للترشح لعضوية مجلس الشورى للفترة التاسعة (2019 – 2023م) حسب ما نشرته الصحف، وفق النص التالي: «مسقط في 7 يوليو/‏‏‏‏ أعلنت لجان الانتخابات في الولايات اليوم القوائم الأولية للمرشحين لعضوية مجلس الشورى للفترة التاسعة، حيث بلغ إجمالي المرشحين 767 بينهم 43 امرأة.»(…)».
وعندما أصف – تجاوزا – أن الفترة التاسعة سوف تضم مجموعة «تكنو قراط» فإنني بذلك استشهد بالإحصائية التي نشرتها وزارة الداخلية عبر موقعها الإلكتروني، وهي إحصائية المرشحين حسب المؤهلات العلمية للقوائم الأولية للمرشحين لانتخابات أعضاء مجلس الشورى لهذه الفترة، وقد بينت هذه الإحصائية التصنيف التالي: (32) من حملة شهادة الدكتوراه (29 من الذكور؛ 3 من الإناث) و(91) من حملة شهادة الماجستير (82 من الذكور؛ 9 من الإناث) و(249) من حملة شهادة البكالوريوس (238 من الذكور؛ 11 من الإناث) و(74) من حملة شهادة الدبلوم العالي ( 69 من الذكور؛ 5 من الإناث) و(321) من حملة شهادة التعليم العام (306 من الذكور؛ 15 من الإناث) فهذه المؤشرات الإحصائية بالغة الدلالة، لتقييم أعضاء الفترة، ولجس نبض مستوى الوعي السياسي الذي تحدثنا عنه أعلاه، فالمواطن يدرك اليوم؛ بما لا يدع مجالا للشك؛ الأدوار المنوطة بأعضاء مجلس الشورى، والمهام الجسيمة التي تنتظره في المرحلة القادمة، وهي مرحلة على قدر كبير من الأهمية نظرا لما تعيشه الشعوب اليوم من تحديات جسيمة، تحتاج إلى كثير من الوعي لمجابهتها، واتخاذ القرار الصائب لمعالجة أسبابها، واستنطاق الرؤى الحاضنة للقرارات المصيرية، الجميع يتفق على أنها تحتاج إلى وعي يتجاوز مجموعة المواضعات المحلية: كالأسرية، والقبيلة، والصداقة، والمعرفة، في اختيار الأعضاء، وكما يعرف الجميع أن العضو، لا يمثل ولايته؛ على وجه الخصوص؛ وإنما يمثل عمان بكل ثقلها الحضاري، وبكل طموحات أبنائها، وبكل ما تواجهه من ظروف غير معتادة في مناخاتها المختلفة: الاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والسياسية، وهي عناوين كبيرة المحتوى التنموي، وعريضة الدلالات والمعاني، وليس من اليسير التعامل معها وفق هذه المواضعات المحلية المتواضعة، التي قد يركن إلى تمجيدها البعض القليل من الذين لا يزالون يعيشون في مربعهم الأول.
لفت انتباهي؛ وأنا أتابع بعض التفاعلات على إعلان القوائم الأولية من قبل وزارة الداخلية؛ تغريدة تم تداولها على صفحة التواصل الاجتماعي «تويتر» بتاريخ الثامن من الشهر الجاري، حيث حملت السؤال التالي: ما هو شكل العضو الذي نحتاجه في مجلس الشورى؟
وأجزم أن من وضع هذا التساؤل المحوري على درجة كبيرة من الوعي بحقيقة المسألة الشورية في السلطنة، وكانت نتائج الاستفتاء كالتالي: عضو ثري؛ حصل على (0%)؛ وعضو مثقف؛ حصل على (46%)؛ وعضو متخصص قانوني؛ حصل على (38%)؛ وعضو ذو وجاهة قبلية؛ حصل على (16%)؛ فارتفاع نسبة العضو المثقف (46%)، ونسبة العضو المتخصص في مجال القانون (38%)، يعكس هذا الوعي المتقدم لدى الناخب، وأجزم؛ ولعلني لا أبالغ في ذلك؛ أن هذه النسب وضعها ذوو الأعمار الصغيرة ما بين سن الـ (21 – ما بعد الثلاثين) وهذا؛ بدوره؛ ما يعكس الوعي السياسي لدى الناخب العماني، ومستوى رفع سقف طموحه في الأعضاء القادمين لقيادة دفة الفترة التاسعة (2019 – 2023م) وهذا مستوى لا شك أنه يسعد الجميع، ويطمئن صاحب القرار، وهو في أحواله كلها جانب من النتائج الملموسة للممارسة الشورية المتوالية عبر سنواتها السمان، والتي تقترب من انتهاء عقدها الثالث، وسط تحقق إنجاز تشريعي غير منكور، هو اليوم مساحة آمنة للتطبيق على أرض الواقع العماني في مختلف المؤسسات المعنية.
في الخامس من شهر مايو الماضي من هذا العام 2019م، نشر مجلس الشورى إحصائية رقمية لمجموعة الاشتغالات التشريعية، حملت عنوان: «أعمال الفترة الثامنة لمجلس الشورى حتى دور الانعقاد السنوي الثالث» بينت هذه الإحصائية الأرقام التالية: «(30) مشروع اتفاقية، و(17) مشروع قانون محال من الحكومة، و(5) مشروعات قوانين مقترحة من المجلس، و(15) دراسة وتوصية»، ويضاف إليها اليوم ما تم إنجازه خلال دور الانعقاد السنوي الرابع من الفترة الثامنة، التي أغلقت أبوابها يوم أمس الأحد 14/‏‏‏‏ 7/‏‏‏‏ 2019م، وهذا كله يحسب لمجموع أصحاب السعادة أعضاء المجلس، وينقيهم من مجموعة التهم غير الواعية التي يطلقها عليهم البعض زورا وبهتانا، فـ (85) عضوا يمثلون الـ (61) ولاية هم يدركون أيضا مجموع المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ويظلون الأكثر صدقا، وحرصا، ونقاء وصفاء، وهم يتعاملون مع مجموعة التشريعات التي تتداخل في جميع مجريات الحياة العمانية، فهم أبناء هذا الوطن، ولن يضار الوطن من أبنائه المخلصين، كيف وهؤلاء كلهم بلا استثناء يمثلون صفوة أبناء المجتمع الذين انتخبوهم، وقدموهم لأجل هذا الوطن العزيز وأهله.
في نظرة فاحصة ومستوعبة للممارسة الشورية في السلطنة خلال مسيرتها المباركة، يجد أنها كتاب مفتوح ـ طوال فتراتها الثماني – بدءا من يوم إعلان قوائم الترشح، مرورا بيوم التصويت الحر المباشر، وصولا إلى الممارسة الفعلية تحت قبة المجلس، ويضاف إلى ذلك ما يبث وما يعلن عنه من تعاط جميل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبالتالي هذا الوضوح، وهذا التفاعل يعطي قراءات واعية للمتابع للمشهد، ومعنى هذا أن على كل المتقدمين للترشح للفترة التاسعة القادمة أن يكونوا مستوعبين لهذه العملية، استيعابا واعيا، وشاملا، لكل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بها، بدءا مما تم إنجازه، وبقوانين المجلس ولوائحه، وبصلاحياته، وبالعلاقة المتكاملة بينه وبين مجلس الدولة، هذا المجلس؛ اعني مجلس الدولة؛ الذي ينظر إليه على انه «بيت خبرة» لما يضمه من مكرمين أعضاء خبروا طوال سنوات حياتهم العملية الكثير من القضايا، والمواقف، والظروف الطارئة، بحكم مهامهم، ومسؤولياتهم، ومستوياتهم الوظيفية المختلفة، والمتعددة، وبهذا التكامل الجميل والرائع بين أعضاء المجلسين، تمضي هذه المسيرة محفوفة بعناية الله عز وجل، وبتوجيه كريم من لدن المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وبجهد المخلصين من أبناء عمان الأوفياء، سواء هؤلاء الذين يمثلون الشعب العماني الكريم تحت قبة المجلس، وعموم أفراد المجتمع الذين يهمهم كثيرا أن يكونوا جميعا ممثلين تحت قبة مجلس عمان، من خلال أعضاء المجلسين.