فرص وتحديات المرحلة الانتقالية في السودان

د. عبد العاطي محمد –

إلى أن تكتمل الصورة فيما يتعلق بتفاصيل الاتفاق الذي نجحت الوساطة الإفريقية – الأثيوبية في تحقيقه بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير في السودان، وإلى أن يتجسد تطبيق الاتفاق بسلاسة على أرض الواقع، يبقى المشهد السوداني مرشحا لعديد التحديات التي يمكن أن تعصف بهذه الوساطة وتعيد الجميع إلى المربع الأول، تماما مثلما هو مرشح الآن لعديد الفرص التي يتعين اغتنامها لإدارة المرحلة الانتقالية وتجنب الأخطاء التي وقع فيها الآخرون.
لقد نجحت الوساطة في فك شفرة الأزمة التي امتدت لثلاثة أشهر وقدمت حلا قبله الطرفان تمثل في ثلاثة بنود هي تشكيل مجلس سيادي بالتناوب بين العسكريين والمدنيين لمدة 3سنوات و3 أشهر من 11 عضوا 5 للعسكريين و5 للمدنيين وواحد يجري التوافق عليه بين الطرفين، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة برئاسة رئيس وزراء مستقل، وإجراء تحقيق وطني مستقل وشفاف بشأن الأحداث التي وقعت في البلاد منذ أبريل الماضي مع إشراف من الوساطة الأفريقية – الإثيوبية. وتركت الوساطة مسألة تشكيل المجلس التشريعي لوقت لاحق بعد أن تتحقق خطوتا المجلس السيادي والحكومة. ومن الواضح أن الوساطة نجحت نسبيا في حسم الخلاف حول شكل السلطة وطبيعتها (مهامها) في المرحلة الانتقالية، كما هدأت الخواطر الشعبية وعند قوى الحرية والتغيير فيما يتعلق بتحديد المسؤولين عن سقوط الضحايا في المواجهات الدموية ومحاسبتهم.
وواقع الأمر لم يكن ما تحقق سهلا أو واردا في خواطر المعنيين والمتابعين للشأن السوداني، نتيجة لجولات عديدة جرت بين الطرفين الرئيسيين في الأزمة فشلت كلها في الوصول إلى حل لمسألة الخلاف حول السلطة. وإذا ما كان من فضل يحسب لأحد في هذا الإنجاز الذي وصفه غالبية السودانيين وكذلك أطراف دولية وإقليمية عديدة بالتاريخي، فإنه يحسب في المقام الأول للوسيط الذي قام بهذه المهمة الثقيلة ثم لكل من طرفي الأزمة اللذين أعادا توجيه البوصلة سريعا من الصدام أو اللدد في الخصومة إلى التعاون والتعامل مع الموقف بروح إيجابية.
ولعل نجاح الوسيط الأفريقي – الإثيوبي يقدم لنا أول الدروس المستفادة من تجربة قاسية جديدة من تجارب رياح التغيير التي ضربت المنطقة العربية منذ 2011. ففي كل التجارب الأخرى كانت هناك حالة من الاستقطاب الحاد فيما يتعلق بالصراع على السلطة بفعل ما جاء به التغيير ترافقت معها مظاهر للعنف الدامي، وكانت هناك مساحة للوساطات الخارجية، وكانت النتيجة بقاء الحال على ما هو عليه، فلا الاستقطاب توقف ولا الوساطات قدر لها النجاح. في الحالة السودانية اختلف الأمر، فقد تم لململة الأزمة سريعا نسبيا ولم يسمح لها بإيقاع تكلفة ضخمة ماديا وبشريا مثلما حدث مع الآخرين، وتمكنت الوساطة من النجاح. والأرجح أن العامل الذي رجح كفة الوساطة هو أنها جاءت من الاتحاد الأفريقي وأثيوبيا، وكلاهما لم يتعرض لشبهة الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، ولأثيوبيا خصوصا علاقات مميزة مع السودان بكل قواه السياسية وتعدده الثقافي، هذا فضلا عن أن الاتحاد الأفريقي يتحدث بلغة واحدة وله ثقله السياسي على جميع أعضائه. صحيح أن السودان بلد إفريقي ولكنه من الأصل بلد عربي، وكان الطرف الأقرب للتدخل بالوساطة هو العرب أنفسهم سواء بشكل فردي أو كمجموعة أو من خلال الجامعة العربية ذاتها. ومن حسن الطالع للسودانيين أن المبادرة بالتوسط جاءت من إثيوبيا والاتحاد الإفريقي، لأنه لو كانت عربية لما قبلها السودانيون ولو قبلوها ما كان مقدرا لها النجاح، بالنظر إلى فشل التجارب التي كان العرب فيها طرفا للوساطة في أزمة عربية ما، ويستثنى من ذلك تجربة اتفاق الطائف 1989، وقد اكتفي الجانب العربي بزيارات سريعة وقليلة من الأمين العام للجامعة لدعم الوساطة الأفريقية وليس المشاركة فيها.
ليست هذه هي الفرصة الوحيدة المتاحة أمام السودان لعبور المرحلة الانتقالية بسلام وإن كان لها أهمية مميزة أشاعت أجواء التفاؤل عند السودانيين من اللحظة الأولى، واستمرارها من الواجبات الملقاة على جميع السودانيين لضمان تجاوز ما يطرأ من خلافات في التطبيق، ولكن هناك أيضا الفرصة التي خلقها الطرفان المباشران في الأزمة، ويحسب لكل منهما التحلي بالمسؤولية الوطنية في ظرف عصيب كهذا. وتتركز هذه الفرصة في أن كل منهما أراد التوصل إلى حل وليس التخندق عند موقف بعينه، وحيث توافرت هذه الرغبة فإنها كانت تعني أن كل منهما سيتراجع بضعة خطوات من أجل التوصل إلى شيء يتم الاتفاق عليه ومن الممكن تطبيقه، وهو ما حدث فعلا.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان المجلس العسكري متمسكا بالأغلبية في تشكيل المجلس السيادي، وبأن تكون الفترة الانتقالية 6 أشهر أو أقل، وألا يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، ولا يعتبر قوى الحرية والتغيير الطرف الوحيد المعبر عن الشعب السوداني من الناحية السياسية ومن ثم إن كان هناك اتفاق فليكن شاملا كل القوى السياسية. وبالمقابل كانت قوى الحرية والتغيير لا تقبل مشاركة العسكريين في سلطة المرحلة الانتقالية، وهي وإن كانت تقدر دور المجلس العسكري في نجاح الثورة أو الانتفاضة السودانية، إلا أنها تطالبه بألا يكون شريكا في السلطة في المرحلة الانتقالية وتصر على أن تكون السلطة بكل مكوناتها مدنية تماما، وكانت تصر على الأقل أن تكون لها الأغلبية في المجلس السيادي إن لم يصبح المجلس كله مدنيا.
وفي أوقات كثيرة وجهت هذه القوى اللوم والإدانة أيضا للمجلس العسكري متهمة إياه بأنه يلتف على منجزات الثورة بل وأنه امتداد للنظام القديم ويجب إسقاطه!. كما أصرت على أن تظل المرحلة الانتقالية بالمدى الزمني الذي طرحته هي منذ البداية أي أكثر من ثلاث سنوات. وبما أن الاتفاق أعطى لكل طرف بعضا مما كان يريد وليس كل شيء، وبما أن الطرفين قبلا بذلك فهذا يعني أنهما قد تحليا بقدر كبير من المسؤولية الوطنية، وبأن هناك إرادة مشتركة للمضي قدما نحو تفعيل متطلبات المرحلة الانتقالية لا الوقوف عند المربع الأول.
ولا شك أن الوسيط الإفريقي ما كان له أن يحدث اختراقا في المشهد لولا أنه لمس وجود الإرادة المشتركة عند الطرفين للوصول إلى حل.
كأي اتفاق في أي مفاوضات هناك مقولة شهيرة بأن الشيطان يكمن في التفاصيل، والاتفاق السوداني ليس استثناء من هذه المقولة، ولذلك تبقى التفاصيل من ناحية وقراءة كل طرف لها من ناحية أخرى أول التحديات الصعبة التي من الوارد أن تحدث انتكاسة وتعقد الأوضاع مرة أخرى. فليس واضحا حتى كتابة هذه السطور ما إذا كان المجلس السيادي سيعطى للعسكريين حق الاعتراض المميز (الفيتو) على بعض الخطوات من جانب السلطة التنفيذية (الحكومة) على الأقل بدعوى حماية الأمن القومي، أم لا، وما هي حدود العلاقة بين الهيئتين؟ وما هو المقصود تحديدا بعبارة تناوب السلطة، وألا يدل وضعها على أن الثقة ليست كاملة بين الطرفين. والأهم من ذلك ما الذي سيحدث خلال تفعيل المرحلة الانتقالية؟ فمن الوارد جدا أن يتخذ المجلس العسكري خلال فترة ولايته 21 شهرا يليها 18 شهرا للمدنيين قرارات يغير بها الواقع قد لا تقبلها قوى الحرية والتغيير، ورفضها من جانبها يضع البلاد بين وقت وآخر في حالة عدم الاستقرار، وقد تنفجر المواجهات العنيفة مجددا، ونفس الأمر وارد من جانب قوى الحرية والتغيير عندما تنفرد بالسلطة، بمعنى إمكانية إصدار قرارات قد يراها المجلس العسكري أنها تلغي دور الجيش في الحياة السياسية السودانية.
مثل هذه التساؤلات واردة منطقيا لأن أي اتفاق لا يستطيع أن يجيب على كل التفاصيل، ويتركها لمدى حرص الطرفين على إدارة المرحلة الانتقالية بنجاح.
بجانب ما يمثله مدى التعاون في التنفيذ وتعزيز الثقة ولو تدريجيا من تحدي، هناك تحديات أخرى تتعلق بالغموض بالنسبة لمستقبل البرلمان في ظل بقاء نسب تشكيله موضع خلاف، وعدم وجود برلمان لمدة طويلة يشكل خللا جوهريا في هيكل السلطة القائمة، ومن ثم يفتح بابا واسعا للجدل وظهور أزمات داخلية الواحدة بعد الأخرى. ويضاف إلى ذلك أن الأوضاع الاقتصادية المتردية تشكل في حد ذاتها عائقا كبيرا لتفعيل المتطلبات السياسية للمرحلة الانتقالية، كما أن شعور بقية القوى السياسية بأنها استبعدت من المفاوضات أو لم يشملها الاتفاق من شأنه أن يشكل ضغطا مربكا سواء على المجلس العسكري أو قوى الحرية والتغيير.