تنـاقضــات إسـرائيـل

ماجد كيالي

فجرت احتجاجات يهود الفلاشا، التي اندلعت في عديد من المدن الإسرائيلية (أوائل الشهر الحالي)، ردا على مصرع يهودي أثيوبي برصاص شرطي إسرائيلي، مشاعر الإحساس بالتمييز عند اليهود الإثيوبيين، والشرقيين، عموما، وهي احتجاجات اتسمت بسلوكيات عنيفة بين الطرفين.
بالتأكيد فإن حادثة القتل تلك ليست هي السبب الوحيد لاندلاع تلك الاحتجاجات وإنما هي كانت بمثابة الصاعق الذي فجر المشاعر المكتومة بين هؤلاء اليهود الذين يشعرون أن دولتهم تعاملهم بطريقة دونية، وأنهم يقبعون في أسفل السلم الاجتماعي، بين مواطنيهم، في شتى المجالات الاجتماعية والاقتصادية، وفي النصيب من الموازنات والخدمات، فهم الأفقر والأقل تعليما والذين يسكنون في الضواحي الفقيرة.
ربما يجدر التذكير بأن تلك الحوادث ليست فريدة من نوعها في إسرائيل، التي تجمع خليطا غير متجانس من الأعراق والقوميات والثقافات، إذ إن التناقض بين الشرقيين السفارديين، والغربيين الأشكناز، يعتبر من أهم التناقضات في الدولة الإسرائيلية، بعد أو إلى جانب التناقض بين الجمهور العلماني والجمهور المتدين، وهما تناقضان تأسسا منذ البداية مع إقامة تلك الدولة (1948).
على ذلك ثمة مجموعة من الحقائق يمكن طرحها هنا:
أولها، إن إسرائيل مثل غيرها من الدول تعجّ بالتناقضات، وبخاصة بين اليهود الشرقيين والغربيين، بين اليهود المتدينين والعلمانيين، بين اليهود الفقراء والأغنياء، بين دعاة الهوية الإسرائيلية والهوية اليهودية، بين المستوطنين الجدد والإسرائيليين القدم، بين العرب (أهل الأرض الأصليين) واليهود المستوطنين.
وقد يفيد هنا التذكير بأن التناقض العلماني الديني كان الأكثر وضوحا في الانتخابات الأخيرة للكنيست، وهو ما تسبب بإفشال محاولات نتانياهو تشكيل حكومة والتوجه نحو انتخابات مبكرة.
ثانياً، أثبتت تلك المظاهرات أن السياسات العنصرية التي تنتهجها الدولة، في قوانينها ومواقفها وسلوكياتها، وضمنها صكّها في الكنيست قانون – أساس «إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي (قبل عام)، لن تقتصر على قطاع معين، وإنما لا بد ستشمل قطاعات أخرى، بمعنى أن العنصرية ضد العرب الفلسطينيين، من أهل البلاد، ستنتقل عدواها إلى اليهود السود (ما يذكر بحركة الفهود السود في إسرائيل في السبعينيات)، وإلى اليهود الشرقيين عموماً، وإلى اليهود المتدينين (الذين لا يخدمون في الجيش أصلا).
ثالثاً، كشفت تلك المظاهرات، والأسباب التي أدت إليها، أن أسطورة الصهر الإسرائيلية، التي تتغنى بقيام إسرائيل على التنوع والتعددية، بجلب يهود من شتى المجتمعات والثقافات والعادات واللغات، لا تشتغل على نحو صحيح، وإنها مجرد تضع الجميع في طنجرة الضغط، الأمر الذي سيولد انفجارات بين لحظة وأخرى، بالارتباط مع الظروف المحيطة.
رابعاً، يستنتج من كل ما تقدم أن إسرائيل، التي ما زال العنصر الأشكنازي هو المتحكم بها، وفي تحولاتها، إنما تعتمد على مسألتين للتغطية على التناقضات الداخلية فيها، أو لتجاوزها، الأولى، وتتمثل بإدارة اللعبة الديمقراطية، في نظام يرتكز على تداول السلطة والفصل بين السلطات والانتخابات وفق الطريقة النسبية، التي تحقق أفضل مشاركة لكل الفئات. والثانية، إيلاء الصراع الخارجي، أو ما تدعيه إسرائيل بالخطر الخارجي، الأولوية على التناقضات الداخلية، بحيث يتم توجيه أو طمس التناقضات الداخلية، للتفرغ للمخاطر المتأتية من الأعداء الخارجيين.
على أية حال فإن مشكلتنا مع هذا التطور المهم تتمثل بعدم قراءتنا له بطريقة صحيحة، باعتبار إسرائيل دولة عادية، وأن المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة متجانسة، أي أنه ثمة تناقضات وتباينات في هذا المجتمع يفترض إدراكها والتعامل معها على هذا الأساس؛ هذا أولاً. ثانيا، المشكلة الثانية هنا تتمثل بعدم أهلية الوضع الفلسطيني، أو العربي عموما، لاستثمار التناقضات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تعج بها إسرائيل، مثل غيرها من الدول، مهما كانت، ناهيك عن قدرة تلك الدولة، أي إسرائيل، على توظيف التناقضات المذكورة لصالح السياسات الخارجية التي تنتهجها ضمن ذلك للتملص مع استحقاقاتها في عملية التسوية مع الفلسطينيين، على نحو ما شهدنا في اتفاق أوسلو، حيث دأبت إسرائيل في كل مرة على تبرير تنصلها من الاتفاق المذكور بضرورة عدم هزّ الإجماع الإسرائيلي الداخلي، وبالتوجه لانتخابات بين مرحلة وأخرى. ثالثا، يأتي في ذلك الاعتبار، أيضا، عدم القدرة على تمثل القيم العالمية، أي قيم الحرية والمساواة والكرامة والديمقراطية، في صراعنا ضد إسرائيل وسياساتها العنصرية والاستيطانية والاستعمارية، وضمن ذلك ما شهدناه من الحيرة في كيفية التعاطي مع مظاهرات واحتجاجات اليهود الأثيوبيين، بين اعتبارهم ضحايا لعنصرية إسرائيل، أو اعتبارهم كجزء من مجتمع استعماري.
باختصار ثمة ضرورة لقراءة الخارطة الإسرائيلية، في السياسة والمجتمع والاقتصاد والعلاقات الخارجية، بمشكلاتها وتناقضاتها، بعناصر قوتها وضعفها، ليس لأن إسرائيل اليوم هي غيرها في 1948 أو 1967، أو 1990، فقط، وإنما لمعرفة كيفية مواجهة التحديات الجديدة التي تمثلها اليوم للعالم العربي في كل المجالات أيضا. والمعنى أن إسرائيل استعمارية وعنصرية ولديها مشكلات كبيرة وتناقضات عديدة ولكنها مع ورغم كل ذلك تبدو الأكثر استقرارا وتطورا في المنطقة، من كل النواحي.