​زمـن التـحـوّلات الـعـَولـمـيّـة

د.عبد الهادي أعراب –

اخترنا الحديث عن زمن التحوّلات العولميّة، كمفهوم تركيبيّ إجرائيّ لتسليط الضوء على جملة من التحوّلات وُصفت بالعنف والقوّة والهيمنيّة همّت الفترة الرّاهنة، بعيداً عن الارتهان إلى مفهوم خاصّ أو نظرة أحاديّة لسيرورة التحوّل الجارية.

فقد غيَّر التطوّر الهائل لوسائل النقل والاتّصال والتواصل والتكنولوجيا الدقيقة، مَلامِح العالَم الجديد، وبرزت أشكالٌ مجتمعيّة جديدة مثل: النسق العالَميّ، مجتمع الحَوسبة، المجتمع الشبكيّ (فان ديك، مانويل كاستلز، دارن بارني) أو المجتمع- الشبكة، مجتمع الاقتصاد الشبكيّ، مجتمع السيولة (زيغمنت باومان)، عالَم من دون الآخر(أنتوني غيدنز).
يتعلّق الأمر بشبكة مفاهيم تبدو مُتعارضة، لكنّها مُتعالِقة وغنيّة، غنى يعكس قوّة التحوّلات العَولميّة المُتسارعة والشموليّة، والتي لئن اختلفنا في توصيفها وتسميتها، فإنّنا حتماً لن نختلف في تبيُّن مضامينها الجديدة والانتباه إلى قوّتها وامتداد آثارها على الجوانب الحياتيّة كافّة لإنسان اليوم.
تُعدّ العَولمة سيرورة تاريخيّة هيمنيّة قويّة وفاعِلة في كلّ المجتمعات والثقافات، أبعادها اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة وعلميّة وتكنولوجيّة أيضاً، فهي عمليّة قائمة ومُستَأنفة من دون انقطاع. برزت ملامحها وتأثيراتها الكبرى منذ نهاية القرن 19 وبداية القرن 20، وتحديداً مع التطوّر الأكبر للرأسماليّة واستحالتها إلى مدٍّ هَيمني إمبريالي قام أساساً على أيدٍ عاملة وموادّ أوليّة رخيصة استجلبت من بقاع العالَم الفقير، بعد أن تمّ فتحه كسوق جديدة للتخلّص من فائض الإنتاج.
وبتقسيم القوى الكبرى العالَم إلى أغنياء وفقراء، برز عنف الإمبرياليّة جليّاً، ببسْط هذه القوى هَيمنتها ونفوذها عبر احتلالها العسكري الاستعماري، لتغدو في مراحل لاحقة، هَيمنة سياسيّة ثمّ محض اقتصاديّة، باحتكار المَراكز الرأسماليّة لأهمّ ثروات العالَم. وسيمثّل فيما بعد، الانتقالُ من اقتصاد التصنيع إلى اقتصاد المعلومات أو من اقتصادٍ رأسمالي صناعي، إلى اقتصاد رأسمالي معلوماتي، تغيّراً ثوريّاً بالغ القوّة والجذريّة، لأنّه مسَّ منطقَ المجتمع ومَسارَ حياة اجتماعيّة تعني البشريّة بالكامل؛ انتقال يؤشِّر على صنف تحوّلات لا يُمكن تجاوزها أو التراجع عنها. موجات كاسحة لا تتوقّف، منطقها ديناميّة سيّالة تأخذ معنى«التدفّقات» العالَميّة، تمسّ صلب الحياة الاجتماعيّة وشكل العلاقات والمؤسّسات والسلطة، كما تطاول الزمان والمكان والمعنى أيضاً.
ومتى استحضرنا مفهوماً مثل «الشبكة» نكون أمام هيكل نسقيّ لتكنولوجيّات الاتّصال والمعلومات والرقمنة، شيّدَ اقتصاداً يقوم على المعلومة والمعرفة المكثّفة والشبكات إلى جانب أسواق المال التي تؤطّرها المُعاملات الإلكترونيّة. اقتصاد عَولمي تجسّده المؤسّسات العالَميّة والشركات متعدّدة الجنسيّات وعابرة القارّات، معيار دائرة التنافس فيه هو قوّة الحضور عبر هذه الشبكات.
هكذا صار النِيتْ قناة كبرى لعَولمة العالَم، في تجاوُزٍ ساحق لأدوات الاتّصال والتواصل السابقة، مُحدثاً تغييراً في القيَم والمسلكيّات والروابط الاجتماعيّة وعاداتِ العمل ومُمارسة الأدوار الاجتماعيّة، ومُعيداً ترتيب أشكال السلطة والقرار وعلاقة الفرد بالدولة والأمّة والقوميّة والإنسانيّة على نحو أوسع. فالإمكانات التفاعليّة وسرعة الأداء والإنجاز وجدليّة الاختباء والتجلّي التي ندعوها الافتراضي، تضعنا أمام أُفق جديد يتيح الحضور في أمكنة عديدة، ويسمح بتدفّقات مختلفة للأموال وللمعلومات الجديدة لا صلة لها بمكانٍ بعينه. فمع التحوّلات الشبكيّة، تفكَّك الزمان وتلاشى المكان. استحال الأوّل بلغة مانويل كاستلز إلى «اللّازمان» والثاني إلى «اللّامكان» ليطوي مفهوم الشبكة مراحل سبقتها، ومنها البُعد المكاني الذي صار محض تدفّقات لا مجرّد حيّز فيزيقي، بل حضور في كلّ مكان، كفضاءات جديدة للاتّصال وتبادُل المعلومات والتفاعلات السريعة.
وبالضدّ من الزمن التعاقبي الانضباطي(الساعة) الذي ميّز المراحل السابقة، أَفرزت الشبكيّة زمناً فوضويّاً مضطّرباً ومنفتحاً على إمكانيّة حدوث أيّ شيء لسرعة التدفّقات وقوّتها. فاللّازمان واللّامكان ثنائيّة جديدة، لا تعني إلغاءً تامّاً لهذَين البُعدَين، بل إعلاناً عن نَوع مُنفلت من قبضة الكرونولوجيا المُنضبطة، وإحالة على مكانٍ لا يكتمل، معياره «العبور»(L’éphémère)، لأنّه لا يسمح بتكوين علاقات ذات بُعد اجتماعي أو بتشكّل مجتمع عضوي. فمع حركة القطارات السريعة والطائرات العابرة وتعدديّة الأمكنة الدوليّة بما تحمله من غرائبيّة، أمسى المكان منساباً بلا هويّة وفارغاً من مَلامح التاريخ، ولا تنسج فيه علاقات تستمرّ. لهذا اختار مارك أوجيه مفهوم اللّاأمكنة، عنواناً لمؤلّفه بعنوان فرعي: مدخل إلى أنثروبولوجيا الحداثة المفرطة.
في مستوى آخر، تطوَّرت أشكال الاستهلاك ليصير قيمة في ذاته؛ فبَين استهلاكٍ وآخر تتولّد الرغبة في استهلاكٍ جديد، ما دام منطق الاستهلاك يقوم على عدم الإشباع للرغبات المتولّدة باستمرار. وبالتشكيك في إرضاء الرغبة يتحوّل الاستهلاك إلى عادة راسخة أو وسواسٍ قهري إدماني بلغة زيغمانت باومان؛ من هنا، تراجعت قيمة «ما هو دائم» لفائدة «ما هو زائل». فالاستهلاك يعبِّر عن فرح وانتشاء بإلقاء الأشياء والتخلّص منها بدل التلذّذ بصلاحيّتها. لا رضا يحصل على نحو تامّ، بل ثمّة المزيد من الضجر والملل يتسلّل إلى مختلف جوانب الحياة. ففي زمن مُماثل، ما أيسر أن يستحيل كلّ شيء إلى سلعة بما في ذلك الروابط الحميميّة، بعد أن صارت من الهشاشة والضعف، حدّ استبدالها بسرعة وفقاً لمبدأ الاستمتاع وهروباً من الضجر في رحلة توثّب لا تتوقّف.
يدفع الزمن العَولمي، في اتّجاه استبدال الهويّات بأخرى مع إضعاف كلّ محاولة للمُقاومة والرفض، بدعم من أجهزة ومؤسّسات ترسّخ الاستهلاك كنمط ثقافي إدماني؛ هاهنا تقف التدفّقات السيّالة ضدّ صلابة الخصوصيّات الموروثة للمجتمعات وضدّ كلّ دفاع أو تشبّث بهويّة أحاديّة أو بأصالة راسخة، ليصبح «البحث عن الهويّة صراعاً متواصلاً لوقف الجريان وإبطائه» بلغة «باومان» في مؤلّفه «الحداثة السائلة». ونتيجة للشروط اللّازمانيّة واللّامكانيّة، سيجد الأفراد أنفسهم أمام ثقافات وهويّات متضاربة ومتعدّدة.
«اليومي»(Quotidien) نفسه سيتلاشى ببُعده المحلّي ليرتهن جدليّاً بالكوني، كما ستتقلّص سلطة التقاليد الخاصّة لمصلحة التفاوض على اختياراتٍ مُمكنة، وسيصبح أسلوب الحياة في صلة بالذّات، أكثر ليونة ومرونة وانفتاحاً. وأمام عمليّات التشبيك العَولميّة ستضعف مساحة الذّات؛ لكن إذا كان الأفراد يسعون جهدهم لتأكيد ذواتهم، فإنّهم صاروا عاجزين عن ذلك خارج الميديا الاتّصاليّة، لتصبح الفضاءات الافتراضيّة مجالاً مركزيّاً لنسْج هويّاتهم الذاتيّة. أليست الفضاءات الأكثر أماناً بالنسبة إلى الأقليّات العرقيّة والمجموعات المُغلقة، للإعلان عن اختلافاتها وخصوصيّاتها حدّ التلاعب الافتراضي؟
لقد صارت الهويّات الذاتيّة تحوز خصائص الشبكة نفسها ولا تكتفي بأن تمرّ عبرها فقط، كما تراجعت الأيديولوجيا وتبخرّت وهوَت قيمة اليوتوبيا لمصلحة الآني والعاجل في مقابل القادم والآجل. ففي زمن السيولة يقتضي العيشُ قبولَ الدّوار(Vertige) أو الاستعداد لفقدان التوازن والحياة خارج الزمان والمكان؛ إنّه«فن العيش في المتاهة»، وتوقُّع آفاق غير متوقّعة وإمكانات جديدة للتغيّر الدائب والمستمرّ. إنّها السيولة بما هي جهل بالوجهة والمقصد، وإن كانت رحلة بفُرص واعدة للتجدّد والتدفّق والانفتاح.
وبالتوقّف عند الروابط الإنسانيّة التي يصفها باومان في «الحبّ السائل» بالهشاشة، نلمس تمزّق العلاقات لمّا باتت أكثر افتراضيّة، ونجد أنفسنا أمام «إنسان بلا روابط» يحكمه منطق الرغبة عوض منطق الوفاء والالتزام، يستسلم لـ «الأمنية» بفوريّتها وإلحاحها كمبدأ بديل لإتمام «اللّذة» ويتخلّص من بقايا «مبدأ الواقع» وعوائقه. تسلَّلت السيولة بقوّة إلى عمق الأبنية الأُسريّة، لتمسي العلاقات التعاقديّة بديلاً للعلاقات التراحميّة، وبإضاعة حميميّة الجلسة العائليّة، هَيمنت جلسات الشّات الفرديّة، كما أمسى الطفل مادّة للاستهلاك العاطفي وأكثر كلفة من أيّ سلعة يُمكن أن تُقتنى. كلفة تبدأ بالتضحية التي تُصاحب قرار «تكوين أسرة» وإنجاب مواليد، كما تتجاوز المال إلى التخلّي عن متع لا تغدو جذّابة في عَين المتزوّج العاقل؛ ففي مقابل السعادة الأبويّة أو الأمومة، ثمّة تعاسة التضحية بالنَّفس ومتع الجسد والتعرّض المستمرّ للمَخاوف المجهولة والمُحتملة.
ختاماً، يُمكن القول إنّ زمن التحوّلات العولميّة الجارية تجاوزَ زمنَ المعاني القطعيّة، بالمرور نحو سقف مختلف سِمته الفوضى، إلى حدّ أنّ المجتمع ذاته صار فوضى تبحث عن شكلٍ جديد لا يكاد يثبت على حال. فالتحوّل بصيغته العولميّة، بنية استهلاك شديدة التدفّق والغزارة وهجنة ثقافيّة سافرة، وسيولة تُعاش في كلّ مناحي الحياة، ممتدّة إلى عمق الفرد وخياراته الحياتيّة ومَشاعره المخبوءة. وبالضدّ ممّا يمكن أن تمنّيه به، تحوّلَ كلّ شيء حوله إلى سلعة داخل دائرة سوق موسّعة، وبقدر مجموع المتع التي تضعها أمامه، تحفّ حياته بمَخاوف ومَخاطر عدّة يحياها في حالة من اللّايقين المُستمرّ.

جامعة شعيب الدكالي، الجديدة- المغرب – المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي