خطبـة الجمعة تناقش دور المؤسسات التـربوية والمنابـر الإعلاميــة فـي كشف دسائـس المبـتزين عبر الوسـائل الإلكتـرونية

من وقع في شباكهم يبادر بالإبلاغ فورا –

خطبة الجمعة اليوم تحذر من خطورة الابتزاز الإلكتروني وتشير إلى الأعداد التي – ليست بالقليلة – اكتوت بناره.
وذكرت المؤسسات التربوية بكل أطيافها (البيت والمسجد والمدرسة) لتقف سدا منيعا أمام طوفان الابتزاز وتحصن الأجيال الصاعدة من فيروساته وذلك بتعريفهم بمخاطره وآثاره على الفرد والمجـتمع؛ لا سيما في زمن الانفتاح ومواكبة التطور.
مضيفة : أن دور المؤسسات والمنابر الإعلامية يظهر هنا لكشف دسائس المبـتزين وفضح مخططاتهم وتبيين أساليبهم الملتوية في اسـتدراج الضحايا، والإيقاع بهم في فخاخ الابتزاز، وفي الختام فإن الابتزاز جريمةٌ غير أخلاقية وضع لها القانون مواد تجرم كل من تلبس بها ووقع في شراكها، وهناك هيئاتٌ ومؤسساتٌ نذرت نفسها لملاحقة المبـتزين واجتثاثهم من جذورهم، فيا من وقع ضحية ابتزاز بادر بالإبلاغ عن المبـتزين، ولا تتردد طرفة عين حتى تأخذ حقك من كل مبـتز أثيم، وشيطان رجيم.. والى ما جاء في الخطبة التي تعدها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية…
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين)، وَنَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، عَلامُ الْغُيُوبِ وَسَتَّارُ الْعُيُوبِ، وَنَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَزْكى النَّاسِ سِيرَةً، وَأَطْهَرُهُمْ سَرِيرَةً، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الأَخْيَارِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْعَرْضِ عَلَى الْكَرِيمِ الْغَفَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ، فـَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُور).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

الابْتِزَازُ كَلِمَةٌ مُنَفِّرَةٍ، بَاتَتْ هَاجِسًا يَقُضُّ مَضَاجِعَ الْبُيُوتِ الآمِنَةِ وَالنُّفُوسِ الْمُطْمَئِنَّةِ، وَمَعَ كَثْرَةِ التَّحْذِيرِ وَدَقِّ نَوَاقِيسِ الإِنْذَارِ؛ لا يَزَالُ شَبَحُ الابْتِزَازِ يَقْتَحِمُ الْبُيُوتَ وَالأَسْوَارَ، وَيَنْصِبُ لِضَحَايَاهُ الشِّبَاكَ، وَيَشُدُّ عَلَيْهَا الْوِثَاقَ كَي لا تَقْوَى عَلَى الْفِكَاكِ، فَمَا هُوَ الابْتِزَازُ؟ وَمَا هِيَ أَسْبَابُهُ وَأَبْوَابُهُ؟ وَمَا هِيَ آثَارُهُ وَأَخْطَارُهُ؟ وَمَنْ كَانَ ضَحِيَّةَ ابْتِزَازٍ فَهَلْ إِلَى خَلاصِهِ مِنْ سَبِيلٍ؟ وَمَا هُوَ دَوْرُ الْمُؤَسَّسَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ والإِعْلامِيَّةِ وَالرِّقَابِيَّةِ فِي الْحَدِّ مِنْ هَذِهِ الظّاهِرَةِ السَّيِّئَةِ؟

عِبَادَ اللهِ:
الابْتِزَازُ هُوَ اسْـتِغْلالُ الضَّحِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ الإِغْرَاءِ بِالْحُصُولِ عَلَى مَبَالِغَ مَالِيَّةٍ أَوِ الدُّخُولِ فِي صَفَقَاتٍ رَابِحَةٍ، أَوْ عَنْ طَرِيقِ التَّهْدِيدِ بِالْكَشْفِ عَنْ مَعْلُومَاتٍ خَاصَّةٍ أَوْ نَشْرِ صُوَرٍ أَوْ مَقَاطِعَ مُخِلَّةٍ إِنْ لَمْ يُسْـتَجَبْ لِطَلَبَاتِ المُبْـتَزِّ، أَوْ هُوَ مُحَاوَلَةُ الْحُصُولِ عَلَى مَكَاسِبَ مَادِّيَّةٍ أَوْ مَعْنَوِيَّةٍ مِنْ خِلالِ الإِكْرَاهِ وَالضَّغْطِ وَالتَّهْدِيدِ بِفَضْحِ سِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ الضَّحِيَّةِ، وَبِذَلِكَ يُجَرْجِرُ المُبْـتَزُّ ضَحِيَّتَهُ فِي نَفَقٍ مُظْلِمٍ وَإِلَى خَنْدَقٍ مَشْؤُومٍ، وَهَذَا الْعَمَلُ الْقَذِرُ الَّذِي يُمَارِسُهُ المُبْـتَزُّ خَارِجٌ عَنْ إِطَارِ الْخُلُقِ وَالْفَضِيلَةِ، وَدَاخِلٌ فِي عُمُومِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ: لا تُؤْذُوا الْمُؤْمِنِينَ، وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْـتِهِ)، إِنَّ الابْتِزَازَ لَهُ صُورٌ وَأَشْكَالٌ، مِنْهُ مَا هُوَ مَادِّيٌّ هَدَفُهُ تَحْـقِيقُ مَكَاسِبَ مَالِيَّةٍ تَصُبُّ فِي جَيْبِ المُبْـتَزِّ، وَمِنْهُ مَا هُوَ عَاطِفِيٌّ جِنْسِيٌّ غَايَتُهُ خَلْعُ لِبَاسِ الْحِشْمَةِ وَالْعَفَافِ، وَغَمْسُ الضَّحِيَّةِ فِي أَوْحَالِ الشَّهَوَاتِ، وَفِي هَذَا وَذَاكَ يَتَّخِذُ المُبْـتَزُّ عَصًا غَلِيظَةً يَتَّكِئُ عَلَيْهَا فِي الضَّغْطِ عَلَى الضَّحِيَّةِ، تَتَمَثَّلُ فِي مَعْلُومَاتٍ خَاصَّةٍ، أَوْ مُحَادَثَةٍ فَاضِحَةٍ، أَوْ صُورَةٍ عَارِيَةٍ، أَوْ مَقْطَعٍ مُخِلٍّ، اسْتَطَاعَ الْحُصُولَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّحِيَّةِ بِحِيلَةٍ وَمَكْرٍ وَدَهَاءٍ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
إِنَّ الابْتِزَازَ لَهُ أَسْبَابٌ وَأَبْوَابٌ، وَأَوْسَعُ بَابٍ يَلِجُ مِنْ خِلالِهِ المُبْـتَزُّ إِلَى الضَّحِيَّةِ ضَعْفُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ، وَعَدَمُ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، إِنَّ الْخَوْفَ مِنَ اللهِ وَمُرَاقَبَتَهُ فِي الْخَلَوَاتِ وَغَرْسَ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ فِي النُّفُوسِ؛ دُرُوعٌ وَاقِيَةٌ تَحْـفَظُ الأَبْنَاءَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الابْتِزَازِ وَبَيْنَ مَخَالِبِ المُبْـتَزِّينَ، كَمَا أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى وَالاغْتِرَارَ بِسَرَابِ الدُّنْيا يَجْعَلُ الضَّحِيَّةَ صَيْدًا سَهْلاً، وَلُقْمَةً سَائِغَةً فِي أَفْوَاهِ المُبْـتَزِّينَ، فَالإِغْرَاءُ بِفَتَاةٍ جَمِيلَةٍ أَوِ الْوَعْدُ بِأَرْبَاحٍ كَبِيرَةٍ مُقَابِلَ رَأْسِ مَالٍ بَسِيطٍ قَدْ يَكُونُ طُعْمًا لاصْطِيَادِ الْكَثِيرِ مِنَ الْمُغَفَّلِينَ وَضِعَافِ النُّفُوسِ. إِنَّ الْفَضَاءَ الإِلِكْتُرُونِيَّ – أَيُّهَا الأَحِبَّةُ – مَيْدَانٌ رَحْبٌ تَتَسَابَقُ فِيهِ ذِئَابُ الابْتِزَازِ فِي اقْتِنَاصِ الضَّحَايَا وَالانْقِضَاضِ عَلَيْهَا، وَمَعَ طَفْرَةِ الْمَعْلُومَاتِ وَالتَّقَدُّمِ التِّقْنِيِّ وَتَطَوُّرِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الاجْـتِمَاعِيِّ اتَّسَعَ هَذَا الْفَضَاءُ؛ لِيُصْبِحَ بِيئَةً خِصْبَةً يَجِدُ فِيهَا المُبْـتَزُّونَ ضَالَّتَهُمُ الْمَنْشُودَةَ، فَنَصَبُوا شِبَاكَهُمْ لِلسَّاذَجِينَ وَالْمُغَفَّلِينَ، فَأَوهَمُوا الشَّبَابَ أَنَّهُمْ هُمُ الْحِضْنُ الدَّافِئُ وَالْمَلاذُ الآمِنُ، وَأَوهَمُوا الْفَتَيَاتِ أَنَّهُمْ فَوَارِسُ الأَحْلامِ، وَأَنَّهُنَّ فِي الْجَمَالِ كَبَدْرِ التَّمامِ، وَعِنْدَهَا تَبْدَأُ الرَّسَائِلُ الدَّافِئَةُ تَمُدُّ جُسُورَهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، تَارَةً بِكَلِمَاتِ الْغَزَلِ وَالْغَرَامِ، وَأُخْرَى بِتَبَادُلِ الصُّوَرِ الْفَاضِحَةِ أَوِ الْمَقَاطِعِ الْمُخِلَّةِ، وَبَعْدَهَا يُكَشِّرُ الذِّئْبُ عَنْ أَنْيَابِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ حَمَلاً وَدِيعًا، وَيَظْهَرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَيَبْدَأُ فِي تَنْفِيذِ مُخَطَّطِهِ، تَارَةً بِنَهْبِ الْمَالِ، وَأُخْرَى بِهَتْكِ الْعِرْضِ، وَإِنْ تَأَبَّتِ الضَّحِيَّةُ أَوْ تَلَكَّأَتْ فِي تَنْفِيذِ مُرَادِهِ هَدَّدَهَا بِنَشْرِ مَا يَمْلِكُ مِنْ صُوَرٍ أَوْ مَقَاطِعَ ؛ فَتَرْضَخُ الضَّحِيَّةُ وَتُنَفِّذُ الأَوَامِرَ بِكُلِّ صَمْتٍ وَهُدُوءٍ، وَهَكَذَا تُبَاعُ الْفَضِيلَةُ، وَتَنْتَشِرُ الرَّذِيلَةُ، وَيُخْدَشُ الْحَيَاءُ، وَاللهُ الْمُسْـتَعَانُ.

إِخْوَةَ الإِيمَانِ:
هَذَا هُوَ الابْتِزَازُ، أَخْطَارُهُ ظَاهِرَةٌ، وَآثَارُهُ مُدَمِّرَةٌ، فَهُوَ نَحْرٌ لِلْعَفَافِ، وَوَأْدٌ لِلْحَيَاءِ، وَهَتْكٌ لِلأَعْرَاضِ، وَقَتْلٌ لِلْفَضِيلَةِ، وَقَدْ تَبْـقَى الضَّحِيَّةُ زَمَنًا طَوِيلاً فِي فَخِّ الابْتِزَازِ، بَلْ رُبَّمَا تَوَسَّعَتْ دَائِرَةُ الابْتِزَازِ لِتَشْمَلَ أَفْرَادَ أُسْرَةِ المبتَّزَّ مِنْ إِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ؛ لأَنَّ المُبْـتَزَّ يَبْحَثُ مِنْ خِلالِ الضَّحِيَّةِ عَنْ ضَحَايَا جَدِيدَةٍ. كُلُّ هَذَا الْبَلاءِ سَبَبُهُ فِي الْغَالِبِ جِهَازٌ ذَكِيٌّ وَقَعَ فِي يَدِ شَابٍّ أَوْ فَتَاةٍ لَمْ يُحْسِنُوا اسْتِخْدَامَهُ، وَتُرِكُوا مِنْ غَيْرِ حَسِيبٍ وَلا رَقِيبٍ، فَغَرِقُوا فِي أَوْحَالِ الرَّذَائِلِ، وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وَإِنْ تَعْجَبْ فَاعْجَبْ مِنْ شَابٍّ أَوْ فَتَاةٍ يُرْسِلُ صُورًا أَوْ مَقَاطِعَ خَارِجَةً عَنْ إِطَارِ الأَدَبِ عَبْرَ الْفَضَاءِ الإلِكْـتُرُونِيِّ إِلَى أَشْخَاصٍ مَجْهُولِينَ وَشَخْصِيَّاتٍ مُنْتَحَلَةٍ، بِدَعْوَى الْحُبِّ وَالتَّعَارُفِ وَالانْفِتَاحِ، وَبِهَذَا تَنْفَتِحُ أَبْوَابُ الشَّرِّ وَتَبْدَأُ قِصَصُ الْمَآسِي.
فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ -، وَخُذُوا حِذْرَكُمْ عِنْدَ التَّعَامُلِ مَعَ الأَجْهِزَةِ الذَّكِيَّةِ، اغْرِسُوا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِكُمْ مُرَاقَبَةَ اللهِ، كُونُوا لَهُمْ مَلاذًا آمِنًا وَحِضْنًا دَافِئًا، اجْـلِسُوا مَعَهُمْ، وَاعْرِفوا أَصْحَابَهُمْ، وَشَارِكُوهُمْ اهْـتِمَامَاتِهِمْ، وَإِذَا اضْطُرُّوا إِلَى اقْتِنَاءِ هَذِهِ الأَجْهِزَةِ فَلْيَكُنِ اسْـتِعْمَالُهَا أَمَامَكُمْ، وَبَيْنَ سَمْعِكُمْ وَأَبْصَارِكُمْ، وَتَذَكَّرُوا مَا رُوي عَنِ الْحَبِيبِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ).
أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.
*** *** ***
الْحَمْدُ للهِ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْـبِهِ وَمَنْ وَالاهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:

إِنَّ الْحَدِيثَ عَنِ الابْتِزَازِ أَصْبَحَ أَمْرًا مُلِحًّا؛ لأَنَّ إِغْفَالَهُ وَالسُّكُوتَ عَنْهُ لا يَزِيدُهُ إِلاَّ شِدَّةً وَضَرَاوَةً، كَيْفَ لا؟ وَقَدْ بَلَغَتْ ضَحَايَا الابْتِزَازِ فِي خَلِيجِنَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثِينَ أَلْفَ حَالَةٍ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ، وَهُنَاكَ مِئَاتُ الاتِّصَالاتِ الَّتِي تُسَجَّـلُ يَوْمِيًّا لِشَبَابٍ وَفَتَيَاتٍ تَعَرَّضُوا لِلابْتِزَازِ، وَهَذَا عَدَدٌ كَبِيرٌ يَسْـتَرْعِي انْتِبَاهَ الْمُؤَسَّسَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ بِكُلِّ أَطْيَافِهَا، فِي الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ، لِتَقِفَ سَدًّا مَنِيعًا أَمَامَ طُوفَانِ الابْتِزَازِ، وَتُحَصِّنَ الأَجْيَالَ الصَّاعِدَةَ مِنْ فَيْرُوسَاتِهِ، وَذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِمْ بِمَخَاطِرِهِ وَآثَارِهِ عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْـتَمَعِ؛ لا سِيَّمَا فِي زَمَنِ الانْفِتَاحِ وَمُوَاكَبَةِ التَّطَوُّرِ، وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ الْمُؤَسَّسَاتِ وَالْمَنَابِرِ الإِعْلامِيَّةِ فِي كَشْفِ دَسَائِسِ المُبْـتَزِّينَ، وَفَضْحِ مُخَطَّطَاتِهِمْ، وَتَبْيِينِ أَسَالِيبِهِمُ الْمُلْتَوِيَةِ فِي اسْـتِدْرَاجِ الضَّحَايَا، وَالإِيقَاعِ بِهِمْ فِي فِخَاخِ الابْتِزَازِ، وَفِي الْخِتَامِ فَإِنَّ الابْتِزَازَ جَرِيمَةٌ غَيْرُ أَخَلاقِيَّةٍ، وَضَعَ لَهَا الْقَانُونُ مَوَادَّ تُجَرِّمُ كُلَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا وَوَقَعَ فِي شِرَاكِهَا، وَهُنَاكَ هَيْئَاتٌ وَمُؤَسَّسَاتٌ نَذَرَتْ نَفْسَهَا فِي مُلاحَقَةِ المُبْـتَزِّينَ وَاجْتِثَاثِهِمْ مِنْ جُذُورِهِمْ، فَيَا مَنْ وَقَعَ ضَحِيَّةَ ابْتِزَازٍ بَادِرْ بِالإِبْلاغِ عَنِ المُبْـتَزِّينَ، وَلا تَتَرَدَّدْ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى تَأْخُذَ حَقَّكَ مِنْ كُلِّ مُبْـتَزٍّ أَثِيمٍ، وَشَيْطَانٍ رَجِيمٍ. أَلا فَلْيَتَّقِ اللهَ كُلُّ مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ أَنْ يَبْتَزَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، فَالْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ، وَمَنْ أَبَى إِلاَّ الابْتِزَازَ فَلْيَتَذَكَّرْ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)، وَقَولَهُ جَلَّ شَأْنُهُ: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
هذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ الأَمِين، فَقَدْ أَمَرَكُم بِذَلكَ حِينَ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وسَلَّمتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وعَن جَمعِنا هَذَا بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعًا مَرْحُوْمًا، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقًا مَعْصُوْمًا، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْمًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَاهْدِ الْمُسْلِمِيْنَ إِلَى الحَقِّ، وَأَجْمِعْ كَلِمَتَهُمْ عَلَى الخَيْرِ، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظَّالِمِينَ، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعِبادِكَ أَجْمَعِينَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ بِكَ نَستَجِيرُ، وَبِرَحْمَتِكَ نَستَغِيثُ أَلاَّ تَكِلَنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرفَةَ عِينٍ، وَلاَ أَدنَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَصلِحْ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ يَا مُصلِحَ شَأْنِ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا احْفَظْ أَوْطَانَنَا وَأَعِزَّ سُلْطَانَنَا وَأَيِّدْهُ بِالْحَقِّ وَأَيِّدْ بِهِ الْحَقَّ يَا رَبَّ العَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ أَسْبِغْ عَلَيْهِ نِعمَتَكَ، وَأَيِّدْهُ بِنُورِ حِكْمَتِكَ، وَسَدِّدْهُ بِتَوفِيقِكَ، وَاحفَظْهُ بِعَينِ رِعَايَتِكَ.
اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِكل من آمن بك، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.