كيسنجر.. و«معنى التاريخ»

محمد جميل أحمد –

كان هذا العنوان؛ «معنى التاريخ» عنوانا لأطروحة قدمها الباحث الشاب؛ هنري كسينجر بجامعة هارفرد، بداية خمسينيات القرن الماضي، قبل دخوله في عالم السياسة والدبلوماسية.
ولأن أطروحة تحمل في عنوانها هذا المعنى العام للتاريخ، فقد جاءت في كتاب كبير. لكن ما هو مهم في خلفية هذه الأطروحة؛ التعبيرات الأكاديمية التي عكست الوعي السياسي الاستراتيجي لكسينجر كأحد أهم منظري الحرب الباردة – فيما بعد – حين خاض غمار العمل السياسي والدبلوماسي مع الرئيس ريتشارد نيكسون، ثم مع الرئيس جيرالد فورد، في مرحلة مفصلية كان يمر بها العالم على وقع مرحلة الاستقطاب الدولي.
إن معنى التاريخ، كما تجلى في المسار الجيوسياسي الطويل لهنري كسينجر، تماهى تماما مع طبيعة العقل الأمريكي في التفكير؛ حيث البراجماتية هي الجزء الأكثر فائدةً لما تتم الحاجة إليه، هنا والآن، ما يجعل من اللعب وفق مبدأ «الواقعية السياسية» الذي اختبر به هنري كسينجر علاقات أمريكا مع العالم قادرا على تسجيل اختراقات كبيرة في السياسة العالمية؛ حين تأكد، بعد ذلك، ما توفر عليه هذا المنظر الاستراتيجي من بصر عميق، ويمكن هنا الاستشهاد بخطته الجسورة بفتح قناة سرية للعلاقة مع الصين -عبر باكستان- بحثا عن مخرج لمأزق الولايات المتحدة في حربها مع فيتنام.
كان فتح قناة الاتصال مع الصينيين قد سمح بفرصة حوار لمنظر استراتيجي من طراز «كسينجر» مع عقل الزعيم التاريخي للصين «ماوتسي تونغ» والتقاط إشاراته، وقد مثلت تلك الخطوة الأمريكية نحو الصين شكلاً من انتصار التاريخ على الأيديولوجيا؛ إذا عرفنا، أن ما حدث بعد ذلك بعقود؛ من صيرورة فريدة في العلاقات الأمريكية الصينية التي تتربع على أولويات عرش العالم الصناعي اليوم، دون أن تضمر في طياتها معنى ذا بال للاختلافات الأيديولوجية التي توفرت عليها تناقضات الحرب الباردة!
إن ضغط التاريخ بوصفه أحداثا مركبة تصنع مفاعيلُها وقائعَ غير متوقعة حين تكون بحاجة إلى حلول سريعة، هو الذي يؤكد لكل باحث بصير أهمية الفعل التاريخي. ذلك أن الفعل التاريخي؛ إذ يتشكل من فاعليات مختلفة ومعقدة وحتى مفاجئة، لا ينتظر سرديات الأيديولوجيا؛ لأن منعكسات فعله تقرر حقائق على الأرض قد تصبح بدورها بنيات مؤسسة لوقائع مستقبلية لا تخطر على بال.
وهكذا؛ ما كان يوما خاطرة جنونية في عقل كسينجر وحاجة ملحة لإنهاء حرب كادت أن تحدث انقساما عموديا في الولايات المتحدة (حرب فيتنام)؛ أصبح في الألفية الثالثة حدثا عظيما لا يزال يملأ الدنيا ويشغل الناس.
فاليوم، وفيما يراقب باحثون استراتيجيون من مختلف دول العالم العلاقات الصينية الأمريكية وأثرها الخطير على التجارة العالمية خلال قمة العشرين التي عقدت مؤخرا في أوساكا باليابان؛ اتجهت أنظار أولئك الباحثين إلى ما بدا أكثر وضوحا خلال تلك القمة؛ من احتفاء غير مسبوق بالرئيس الصيني «شي جينبينغ» الذي ظهر مدافعا عن العولمة وإزالة العوائق، ليعكس إشارة واضحة لما بات اليوم يشكل هاجسا للغرب الأمريكي والأوروبي حيال الصين، لا من حيث الأيديولوجيا، ولكن من حيث التطور التكنولوجي الذي أصبحت فيه الصين العملاق الذي تجاوز اليابان، وما بدا واضحا، في قمة العشرين بأوساكا، بالنسبة للعديد من المفكرين الاستراتيجيين؛ أن القرن الصيني للعالم ربما يبدأ خلال عقد أو عقد ونصف، بحسب ما كشفت عنه الحيثية التي بدت فيها الصين خلال تلك القمة، فيما كان البعض قد تنبأ بحدوث ذلك في العام 2050م.
إن معنى التاريخ بوصفه صيرورة تُراكمُ فعلَها عناصرُ متعددة ومفاجئة ومختلفة الوجهة والمكان، هو الأمثولة التي يجب الانتباه لمؤشراتها بعيدا عن حيثيات الأيديولوجيا التي قد لا تكون كذلك.
يبدو اليوم رهان الجغرافيا والتاريخ هما قناعا الصراع اللذان تصدر عنهما كل من أمريكا والصين. فأمريكا التي طالما ألغت التاريخ أمام الجغرافيا «أمريكا أمة ليس لها تاريخ قديم» هي اليوم أكثر المتوجسين أمام عملاق تاريخي يدرك تماما كيف يستقطب تناقضاته ليتربع على قمة التكنولوجيا الواعدة في المستقبل القريب!
وحين تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حوار مع صحيفة «فاينانشيال تايمز» من أن الليبرالية فقدت صلاحيتها؛ يمكن القول إن دعوى نهاية الليبرالية عند بوتين هي نقيض لنبوءة فرنسيس فوكوياما التي روج لها خلال التسعينيات عن الليبرالية الغربية حين وصفها بـ«نهاية التاريخ»!
لكن قد لا يكون الإشكال في جدوى الليبرالية والرأسمالية بوصفهما فكرتين أسستا معمار العالم الحديث ولا تزالان تمتلكان قوةً وبريقا، بقدر ما يكمن الإشكال في الطبيعة المادية للحداثة التي جعلت لكل من الرأسمالية والليبرالية حدا نسقيا ارتد عليهما؛ حين كف خطاب وفعل الغرب عن الإيمان بجدوى الليبرالية وحقوق الإنسان والرأسمالية بوصفها أجندة إنسانية عابرة وقابلة للتعميم؛ ذلك الغرب الذي بات يتسرب إليه اليوم بدلاً من خطاب الليبرالية؛ خطابٌ شعبوي لا يزال يقضم من قيم الإيمان بالليبرالية وحقوق الإنسان ويراهن على خطاب هوية مأزوم وبلا أفق!.