دراسـة : أهمـيـة الدقـم

آن بنت سعيد الكندية –

الدقم ليست فقط مدينة اقتصادية خاصة ذات صناعات متعددة منها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة ومجمع للبتروكيماويات سينشأ بعد بناء مصفاة الدقم التي يكتمل بناؤها في 2021 ، بل الدقم مدينة «عالمية» لديها من المكونات ما يؤهلها لذلك. تبنى الدقم من لا شيء، وهي إحدى المدن الجديدة كليا Brand new التي تشيد عالميا في القرن الحادي والعشرين في كل من ماليزيا وكينيا وسيرلانكا ونيجيريا وغيرها، مما دفع الكاتب Johnny Wood الذي نشر مقاله في المنتدى الاقتصاد العالمي للتساؤل هل ستكون هذه المدن- الدقم إحداها- أحد القوى الاقتصادية العالمية مستقبلا؟. عبر بحث متواضع التزم فيه الموضوعية بطرح حقائق علمية أحاول الإجابة على هذا التساؤل الذي أتمنى أن يفيد المنتدى العالمي وكل باحث ومهتم لإثراء معلوماتهم. إجابة هذا التساؤل الاقتصادي البحت يكون عبر الإجابة على تساؤل بسيط صريح ومباشر ما هي أهمية الدقم؟

1-الأهمية التاريخية:

السلطان سعيد بن تيمور -رحمه الله- هو اسم الشارع الرئيـــــس في ولاية الدقم، فهل لذلك معنى أو دلالة؟!. من لا يعرف التاريخ يبقى تفكيره قصير الأمد لا يستطيع فهم الحاضر واستشراف المستقبل هكذا قال (لي كوان يو) حين سئُل ما إذا كان للتاريخ دور في الفكر الاستراتيجي وبناء السياسات العامة. الدقم هــــــو الميناء الطبيعي الذي رست عليه باخرة فـــــــلامنجو المقلة للســــــلطان ســـــــعيد بــــن تيمور ـ رحمه الله ـ من صلالة والتي رســـت فـــــــي الدقم عام 1954 حسب ما أورد بن هندر -الاسم الذي أُطلق على هــــــندرسون –
(Henderson (Son of Hender
في كتابه ذكريات عن الأيام الأولى. هذه الزيارة السلطانية كانت بداية لأحداث كثيرة يرويها بن هندر أدت في نهاية المطاف إلى استقرار الجيولوجيين للاستكشافات النفطية في منطقة فهود ، وهي حقيقة تاريخية تدلل على قرب «موقع» الدقم من منابع النفط، والمستخلص للعبر والدروس من التاريخ يدرك أن هذه الاستكشافات لم تكن نزهة صحراوية. ومن يرغب أن يعرف أهمية الدقم التاريخية وكيف لعب موقعها الجغرافي هذا الدور فليحسب كم مرة وردت في كتاب بن هندر. والمتتبع للسياسة العمانية في عصر النهضة يرى كيف أن القرارات أتت وتأتي منطلقة من البعد التاريخي الواضح في سياسات باني ومؤسس نهضة عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد.

2-الأهمية الجغرافية:

هل تعلم عزيزي القارئ ما معنى الدقم لغويا؟ الأدقم هو من كسر مقدم أسنانه نتيجة دفعه دفعة مفاجأة، وكذلك هي الدقم فارضة نفسها من على بحر العرب تبدو للناظر من بعيد وكأنها بين فكي الجبال هكذا عرفت الباحثة مريم البرطمانية المعنى اللغوي للدقم في كتابها الذي اصفه بالمغني حيث جمع كل ما يتعلق بالدقم ماضيها وحاضرها مناخها وتاريخها وعادات أهلها بل وحتى الأصل اللغوي لمسميات قراها ووديانها الذي يحمل قصة خلف كل اسم لذا كان عنوان الكتاب: الدقم عراقة الأرض وجسور المستقبل. ويتميز هذا الكتاب بجمعه كافة المراجع الهامة بالدقم والتي منها يمكن أن ينطلق الباحث.
يتردد كثيرا الحديث عن الأهمية الاستراتيجية لموقع الدقم دون تحليل مقنع، فما هي الأهمية الجغرافية؟
أ. جغرافية الموقع: ما أن ترفع نظرك لترى خارطة الخليج لتدرك أنها النقطة الأبعد من على بحر العرب عن مضيقي هرمز وباب المندب والذين لا تلبث الاضطرابات الجيوسياسية فيها لتذكرنا بأهمية موقع الدقم وأهمية ضمان إمدادات النفط للأسواق العالمية، وبالأخص الآسيوية التي أصبح اعتمادها على النفط الخليجي اكثر من غيرها، إضافة الى خطر القراصنة جنوبا عند باب المندب. إن خطر الاضطرابات في المضايق يزيد من تكلفة التأمين على ناقلات النفط وسفن الشحن وهذه أرقام لا يمكن ان تتجاهلها التجارة الدولية فإذا وجد الأفضل والأرخص سعرا كان من الطبيعي أن يستقطب موقع الدقم جزءا من الخطوط الملاحية الرئيسية. الدقم هي الخيار الأمثل فهي منفذها الوحيد الى بحر العرب والمحيط الهندي بعيدا عن المضيقين. تقودنا هذه الحقيقة الجغرافية الى أهمية أخرى تعد هي الأساس.
ب. الاستقرار الأمني: ليست للموقع أو للموارد الطبيعية أهمية ما لم يكن هناك استقرار أمني مشهود له وذو سجل طويل من الاستقرار. هنا تدخل العوامل الداخلية وكذلك السياسة الخارجية وطبيعة العلاقة الدبلوماسية بين السلطنة وباقي دول العالم. لذا ليس من المستغرب أن يقيس تقرير التنافسية العالمي ـ وهو تقرير ذو طبيعة اقتصادية واحدة اهم مصادر المعلومات للمستثمر- الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي مؤشرات أمنية مثل حوادث الإرهاب المسجلة والجريمة المنظمة لطمأنة المستثمر. ويشهد تقرير التنافسية على استمرار حصول السلطنة على أعلى معدلات الاستقرار الأمني عالميا على مدار العقود الماضية.
ج. الجغرافيا الاقتصادية
Economic Geography
للموقع الجغرافي أهمية اقتصادية وتقاس أهميته بالأنشطة الاقتصادية المحلية والمحيطة به وكذلك الموارد الطبيعية، فعند الحديث عن أهمية الموقع الاستراتيجي للدقم فإن أهميته تُفهم وتقاس بالقوى المحيطة به. هناك نمو مطرد للأسواق الأفريقية القريبة وكذلك الأسواق الهندية كما أن موقعها الجغرافي يمكنها من استقطاب الخطوط الملاحية الرئيسية وهي حجم تبادل تجاري كبير ما بين القارة الآسيوية والأوروبية. ولا ننسى أن دول الخليج العربية تمثل قوى استهلاكية لا يُستهان بها ولديها احتياطيات مالية كبيرة كما أن ديمغرافيتها فتية فعدد السكان في ازدياد. فهذه عوامل اقتصادية أخذت بالاعتبار عند إنشاء ميناء الدقم منها عمق الميناء الذي يصل الى 18 مترا مما يؤهله الى استقبال الأجيال الجديدة من الناقلات الضخمة التي تصل سعتها الى ما يقارب 22 ألف حاوية. وقد يتبادر للقارئ الكريم التساؤل عن أهمية هذا العمق فما هو الا القدرة على استقبال سفن الشحن العملاقة فالإجابة هي ان هناك الكثير من الموانئ المحيطة لا تمتلك هذا العمق وبالتالي يفقدها ميزة كبيرة. كان ذلك شرحا موجزا لترابط المكونات مع بعضها البعض اذ أن الحديث عن أهمية الموقع الجغرافي لا تكتمل الا بأخذ بقية أبعاد الصورة.

3-الأهمية الجيولوجية (علم طبقات الأرض):

يعتقد الزائر لولاية الدقم للوهلة الأولى أن أهميتها الجيولوجية تكمن في حديقة الصخور والمحميات البيئية فقط، وربما في صخورها الجيرية عالية النقاء لاستخدامها في أغراض تجارية متعددة ومختلفة وبالتحديد في صناعة الاسمنت، إلا أن أهميتها الحقيقية تتمثل في كون ولاية الدقم متحفا جيولوجيا علميا بمعنى الكلمة يحكي حكاية نشأة الأرض بين طيات تضاريسه ومكوناته وهو ما يندر تجمعه في مكان واحد وبوضوح ساطع حسب ما أشار إليه الخبير الجيولوجي العماني د. محمد الكندي في كتابه: قصة الأرض والحياة في عمان (منذ 800 مليون سنة إلى الآن). وتُعرف المنطقة الجبلية الواقعة في الجانب الشرقي من محافظة الوسطى بالحقف، وهي تمتد من ولاية محوت شمالا (وبالتحديد من منطقة تسمى الجوبة) إلى ولاية الدقم جنوبا وولاية هيماء غربا بطول إجمالي يبلغ 200 كيلو متر وعرض 75 كيلومترا. وكلمة الحقف تأتي للدلالة على الكثبان الرملية البارزة وهي لغويا ما استطال من الرمل واعوج وجمعها أحقاف وهي السورة القرآنية التي ذكرت قوم هود. اختلف في تحديد موقعها بعض المؤرخين مثل نشوان الحميري في أن الأحقاف هي منطقة على تخوم الربع الخالي بين شمال اليمن وجنوب عمان، وربما تمتد هذه المنطقة إلى محافظة الوسطى ومنه استمدت جبال دقم هذا الاسم. تكمن أهمية جبال الحقف كما يشرحها الكندي في كونها من أهم السمات الجيولوجية لعمان، فمن خلال طبقات صخورها يمكن قراءة فصول نشأة أرض عمان عبر العصور الجيولوجية المختلفة وأحافير كثيرة من الكائنات الحية التي عاشت في عمان خلال ملايين السنين. يحتوي متحف الدقم الجيولوجي الطبيعي الذي وهبها الله إياها على مجموعة من النوادر الجيولوجية مثل الأحجار الثلاثية Trilith Stones وهي آثار قد تكون في الغالب دور عبادة، والنادر الآخر آثار النحت الجليدي في الصخور Striated Glacial Pavement ، و الثالث جذوع الأشجار المتحجرة Petrified Wood جميعها تحكي في الدقم نشأة كوكب الأرض منذ العصور السحيقة والقديمة والمتوسطة والحديثة هذا فضلا عن ثرائها الأثري. فلم يعد هناك مجال كبير لطرح تساؤل حول ما هي الجدوى الاقتصادية لهذا الثراء الجيولوجي؟.
رأينا كيف استقطبت التركيبة الجيولوجية في السلطنة الفريق النمساوي لإجراء تجاربه وأبحاثه في صحراء ظفار لمحاكاة الحياة على المريخ في عام 2017 بالتعاون مع الجمعية الفلكية العمانية وهي احد الأمثلة التي أراها -وبرأي شخصي-تثبت جدوى إقامة مقر او مركز جيولوجي علميا للأبحاث Geo Hub او ربما بشكل أعم وأشمل مركزا لنظام بيئي متكامل Eco Hub وما يرتبط به من صناعات للفضاء وكليات للتدريس. وهي جميعها أنشطة علمية تسهم بشكل كبير في الترويج للسياحة في السلطنة حيث وقعت وزارة السياحة ضمن برنامج تعزيز التنويع الاقتصادي الذي تشرف عليه وحدة دعم التنفيذ والمتابعة مع شركة تنمية نفط عمان PDO مذكرة تفاهم لتأسيس مشروع حدائق جيولوجية وإيجاد منتج سياحي مستدام لاستثمار الحقف.
إن قائمة الاستثمار الجيولوجي تطول فهو استثمار غير تقليدي مبني على حقيقة استثمار احد اهم المقومات الفريدة للسلطنة المتمثل في ثرائها الجيولوجي والذي هو نوع من الابتكار في التنويع الاقتصادي الذي لم يطرق بابه بعد بقوة اخذا بحقيقة أن النجاح هو البناء على نقاط القوة.

4-الأهمية المناخية:

يٌذكر مناخ الدقم وكأن له أهمية هامشية متناسين أن معدل درجات الحرارة في الدقم يصل الى ما دون الثلاثين درجة مئوية مساء ولا يتعدى الخمسة والثلاثين في اكثر الشهور حرارة صيفا حيث تتأثر الدقم بالرياح الموسمية وهي ضمن الخليج العربي الملتهب صيفا. تتمتع الدقم بجو معتدل لمدة عشرة شهور في السنة وبفارق يبلغ حوالي عشر درجات مئوية بينها وبين اغلب مناطق دول الخليج الذي تنخفض فيه الحرارة لمدة تقارب خمسة اشهر في السنة فقط. الأهم هو أثر هذا المناخ في إثراء المخزون السمكي والثروات البحرية الأخرى، فما هو التفسير العلمي لذلك؟. اطرح هنا محاولة لتبسـيط معلومة علمية هامة أوردها الكندي في كتابه حول حركة اتجاه الرياح الموسمية الصيفية ــ وهي ما تعرف علميا بالتيارات المائية الصاعدة Coastal Upwelling التي تؤدي إلى خفض الضغط على مستوى سطح البحر مما يحرك تيارات المحيط الداخلية فيتكون ما يشبه بتدوير للغذاء في عمق المحيط فتكثر كمية المكونات الغذائية Nutrition الطافية للأعلى وبالتالي تتواجد بيئة خصبة لتكاثر وانتشار الأسماك على طول الساحل الشرقي للسلطنة. وهو ما يفسر تميز هذه المنطقة بجودة المخزون السمكي والثروات البحرية الغذائية المتنوعة وكونها ملجأ للناس عبر العصور.

5- الأهمية الغذائية:

يشير العمانيون في حديثهم بأن لا سمك يضاهي صيد البحر الحدري ( كلمة دارجة وتشير إلى بعد المكان ) ولا شهادة أقوى من التجربة المحلية فجودة الثروة البحرية من اسماك ورخويات وقشريات كالشارخة والربيان تتفوق على باقي المصائد في السلطنة. كما تصدر أكثر من 50% من كمية الصادرات السمكية العمانية الى دول الخليج ولذلك لازدياد الطلب عليها. ومن أجل التأسيس للصناعات السمكية والغذائية فان السلطنة تبني اكبر موانئها للصيد في الدقم وبعمق يصل إلى عشرة أمتار لاستقبال سفن الصيد الكبيرة وبالقرب منه مجمع للصناعات الغذائية.
كانت هذه النبذة المختصرة تمهيدا للدخول في الملف الاقتصادي للدقم إذ انه لا يمكن رؤية الصورة كاملة دون ربط المكونات الأصيلة الفارضة لنفسها دونما تنميق، فهو خلاصة بحث في ظل شح الدراسات الموجودة عن الدقم تنبه له جيل من الشباب الباحثين العمانيين الذين ترجموا أعمالهم الى الإنجليزية لأتاحها للعالم. ختاما هي الرؤى البعيد النظر فمن لا يملكها يبدأ في التشكيك بجدواها والعاقبة لمن اقتنص بداياتها. وها هي الأيام تثبت توسعا غير مسبوقا في البنية التحتية اللوجستية للسلطنة، فكيف سيبدو المشهد الاقتصادي في الدقم خلال الأعوام الثلاثة القادمة؟. وحين تُنشئ مدينة عالمية من لا شيء أفلا يفكر العماني نفسه بشد الرحال إليها قبل غيره ليكن جزء من تاريخ يكتب؟!.