توعويات : « رواندا الجديدة .. للموعظة والعبرة »

حميد بن فاضل الشبلي –

قبل أيام تواصل معي أحد الباحثين في الجانب الاجتماعي، الذي اطلع على مقال سابق نشر لي قبل مدة، والذي حمل عنوان (رواندا من الجحيم إلى النعيم)، متسائلاً عن التجربة الرواندية التي كتبت عنها ذلك المقال السابق ذكره، هل لها تجربة تاريخية سابقة مشابهة في التاريخ البشري، والتي من خلالها استطاعت هذه الدولة الفقيرة والملطخة بالدماء والقتل والدمار، الاستناد عليها ومن ثم تجاوز تلك المحنة الأليمة، ولذلك كانت إجابتي للأخ المتسائل أن كتابتي لتجربة رواندا جاءت من خلال الأخبار التي حدثني عنها أحد الأخوة العاملين في مكاتب السفر والسياحة، الذي أبهرني عن النقلة الكبيرة التي وصلت إليها، ولذلك بدأت في البحث عنها في مختلف المواقع الإعلامية التي تحدثت عن هذه التجربة النادرة في التاريخ الحديث، ومن ضمن النقاط التي توصلت إليها في ذلك المقال حول الطريقة التي استطاع من خلالها المجتمع الرواندي تجاوز ذلك الخلاف العميق، حيث أنهم طبقوا نظاما قضائيا تقليديا لأجل تحقيق هذه المعادلة عرف باسم ( جاكاكا )، وقد سبق شرحه بالتفصيل في المقال السابق، أنستهم فترة المائة يوم الدموية التي مرت بها رواندا عام 1994م، حيث قتل في تلك الفترة (100 يوم) ما يزيد عن 800 ألف إنسان، بواقع ما يقارب 8000 عملية قتل في اليوم الواحد.
وعودة لاستفسار الباحث عما إذا كانت هناك تجارب تاريخية مشابهة للتجربة الرواندية، فإني في هذا المقال سوف أترك الجانب الدموي وكيف تم تجاوزه في المجتمع الراوندي، وسأركز اليوم حول الطريقة التي جعلت رواندا حاليا من أسرع الدول الاقتصادية نموا، وما هو النهج الذي سلكته لتصل إلى هذه المرحلة المتقدمة، وما إذا كانت هناك تجارب مشابهة في التاريخ البشري والعالمي استطاعت دولة ما للنهوض بمجتمعها من عالم الفقر إلى عالم الحداثة والتطور، والحقيقة وبكل اختصار أن من أهم العوامل التي اتبعتها رواندا للنهوض بمجتمعها، أنها شرعت في تحقيق العدالة من خلال إنشاء محاكم محلية لمحاسبة المقصرين والقضاء على الفساد، واهتمت بتطوير الزراعة وتحسين النظام الصحي والتعليمي في البلاد، ومثل نجاح هذه التجربة نجدها في سنغافورة التي كانت عبارة عن جزيرة فقيرة تغمرها المستنقعات وينتشر فيها البعوض، وفي مساحة لا تزيد عن 720 كم فقط وبدون أي موارد، وكذلك الأمر في ماليزيا واليابان، التي لا توجد فيها أي موارد وخصوصا النفط والغاز، ولكن دعونا نرى كيف تجاوزت جميع تلك الدول التي استشهدنا بها، هذه المحن ونقلت مجتمعاتها من التخلف والفقر والظلام إلى دول عرفت اليوم بالتقدم والتطور والحداثة وارتفاع في ميزانيتها ودخل مرتفع لأفرادها، والحقيقة أن إجابة هذه التساؤلات نجدها في دساتير وتشاريع ومبادئ وأنظمة تلك الدول، التي شجعت الفرد على الإخلاص والأمانة في العمل، وطبقت الديمقراطية بشكلها الحقيقي، والتزمت بالعدل والمساواة بين جميع أطياف المجتمع، ولذلك وجدنا أن الجميع قد وجد فرصته في العمل وتنمية البلد، والكل أخذ حقه دون تمييز أو اضطهاد، وعليه فإنه من الطبيعي أن تنهض بلدانهم وتتطور، وهذا ما ينقص كثير من المجتمعات، فلا عجب أن نتصدر قوائم الدول العالمية تخلفاً وفساداً.

‏humaid.fadhil@yahoo.com ‏