يوليو والوحدة الوطنية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

مع قدوم شهر يوليو المجيد يستذكر العمانيون يومًا وطنيًّا هو الأهم في تاريخ عمان الحديث يرتبط في الأذهان بالتحول الوطني الكبير الذي قاده جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- في يوم الثالث والعشرين من يوليو عام 1970، حيث سبق ذلك التاريخ بلد مقسم يعيش عصر العزلة والتشرذم وعدم اليقين في المستقبل.

ولعل التحولات التاريخية في الأوطان يقودها زعماء لهم من الهمة والإرادة والرؤية العميقة ما يمكنهم من وضع أوطانهم في المكان الذي تستحقه خاصة السلطنة التي لها من التاريخ العريق الممتد لآلاف السنين ما يجعلها جديرة بمكانة رفيعة ودولة عصرية حديثة.
ولعل موضوع الوحدة الوطنية التي تحققت في ذلك اليوم المشهود يحتم المحافظة على ذلك المنجز الوطني الذي يعد من أهم الإنجازات للدولة العمانية الحديثة، في ظل تحديات كبيرة يمكن رصدها خلال السنوات الأخيرة من صراعات وحروب وتطلعات غير منضبطة في المنطقة والإقليم، ومن هنا فإن الجيل الجديد مطالب بالحفاظ والتمسك بذلك المنجز المهم الذي يتواصل منذ نصف قرن بفضل التضحيات الكبيرة المتواصلة لقائد النهضة الحديثة والأجيال الذين سطروا بجهودهم وتضحياتهم ما من أجل الحفاظ على عمان الخير ومنجزاتها الوطنية التي نراها اليوم رأي العين ولا تحتاج إلى الكثير من الحديث.

نصف قرن من التلاحم

ونحن نعيش أيام يوليو المجيدة لا بد أن نستذكر تلك الأيام والسنين الصعبة التي مرت على الوطن وكيف استطاع جلالة السلطان المعظم -حفظه الله- أن يرسم رؤية واضحة لشكل عمان العصرية من خلال أول خطاب لجلالته، ومن خلال الجهد والمثابرة والتفاف العمانيين حول وطنهم وسلطانهم تحقق المنجز الوطني الذي تراه اليوم الأجيال الجديدة التي تنعم بثمار النهضة المباركة في مجالات التعليم بشكل خاص، حيث يعول على تلك الأجيال أن تلعب الدور الحيوي في المحافظة على مكتسبات الوطن والبناء عليه لتحقيق المزيد من الإنجازات من خلال الرؤية المستقبلية ومن خلال ما يحققه هذا الجيل من إبداعات علمية على صعيد الوطن العربي والعالم، ومن هنا فإن الجيل الحالي أمام مسؤولية كبيرة، وهم أهل لذلك من خلال أفكارهم المدهشة واستلهام ما حققته الأجيال الحالية والسابقة من خلال التسابق على وضع لبنات جديدة من العمل الوطني في شتي مجالات العلوم.
إن نصف قرن من التلاحم الوطني هي عملية ليست سهلة، لأسباب سياسية استراتيجية وتحديات حقيقية شهدتها المنطقة من خلال اندلاع الحروب والصراعات خلال الأربعة عقود الماضية، وفي ظل بيئة جغرافية متشابكة وفي ظل صراع المصالح المعقدة، وتلك الحروب لا تزال آثارها باقية والتوتر عاد مجددا بين اللاعبين السابقين، ورغم ذلك ينعم الوطن العزيز طوال تلك الفترة بالاستقرار والأمن والتسامح والإيمان بلغة الحوار باعتبارها أداة حضارية لحل الخلافات والخصومات بين الدول، وهو المبدأ الأصيل الذي أثبت نجاحه في أكثر من ملف سياسي شائك.
إن يوم 23 يوليو هو ميلاد الدولة العصرية في ملامحها الأولى التي تحدث عنها باني نهضة عمان الحديثة في مشهد صعب ومعقد، فموارد الدولة محدودة والصراعات الداخلية محتدمة في أكثر من منطقه خاصة، وأمام هذا المشهد يبرز القائد -حفظه الله- بتلك الرؤية الوثابة نحو تحقيق ذلك التحول التاريخي وانتشال الوطن من مشكلاته، وهي كثيرة ومعروفة، وخلال العقد الأول من فجر النهضة الحديثة بدأت ملامح تلك الدولة العصرية في الظهور وكان التعليم هو الهم الأول نحو تعليم الأجيال التي أسهمت بعد ذلك بسنوات في النهوض بوطنها كلٌ في مجاله، كما بدأت ملامح الخطة التنموية الأولى عام 1975م بعد انتهاء تلك الصراعات التي كانت تكلفتها كبيرة بشريا واقتصاديا وسياسيا.
ومن هنا فإن جلالة السلطان بدأ السنوات الأولى يجوب بسيارته كل مدن وجبال وصحاري عمان، بهدف الإسراع بظهور ملامح تلك الدولة العصرية التي أصبحت اليوم واقعا ملموسا ودولة ذات سمعة دولية كبيرة، وذات شأن مهم في قضايا الإقليم والعالم ولها دورها الدبلوماسي الذي يمثل الوجه المشرق للنهضة العمانية الحديثة.
ويبقى المنجز الوطني وهو الوحدة الوطنية من أبرز ملامح الدولة العصرية خاصة ونحن نرى خلال الخمسة عقود الأخيرة عددًا من الدول وهي تعيش التمزق وعدم الاستقرار والتناحر بين أبنائها دون هدف واضح مما أتاح التدخلات الخارجية في تلك البلدان، وأصبحت كالريشة في مهب الريح لا تعرف مستقبلها ولا مستقبل أجيالها، ومن هنا فإن الوحدة الوطنية هي الخط الأحمر الذي يذود عنه العمانيون بكل غالٍ ونفيس؛ لأن وحدتهم وتماسكهم هو عزتهم وانطلاقهم إلى آفاق المستقبل.

التحولات التاريخية
التحول التاريخي للسلطنة يوم 23 يوليو من عام 1970 لم يكن تحولا ماديا فقط ولكنه على مستوي الإنسان العماني بأخلاقه الرفيعة وسلوكه المميز بين الدول والشعوب، مما أكسب الإنسان تلك المفردة الحضارية وتقدير الأمم والشعوب، ولا شك أن جلالة السلطان المعظم قد أكد هذه المفهومات من خلال عدد من لقاءاته مع أبنائه الطلبة داخل وخارج السلطنة مؤكدا أهمية المثل والقيم العليا للإنسان، وبذلك يكتمل التوازن بين الإنسان والمنجز المادي.
لقد حققت السلطنة خلال سنوات النهضة إنجازات كبيرة ومؤشرات يشار لها بالبنان، والبناء يتواصل في ظل تحديات المرحلة ولا شك أن تلك التحديات التي برزت في السنوات الأخيرة لن تختلف عن تلك التحديات في السنوات الأولى لمسيرة الخير في السلطنة، وهذا ما يجعل الجميع في تعاون تام، مع التذكير بأن الوسائل والأدوات والآليات اختلفت بفعل التطور التكنولوجي وشبكات التواصل، ويظل الوطن الأصيل المتماسك بأبنائه ووحدته الوطنية هو السياج المتين، وليس هناك شك أن هناك تحديات اقتصادية وهناك سلبيات لا بد من معالجتها وهناك قضايا اجتماعية على الدول والمجتمعات أن تجد لها الحلول، هذه أمور مفهومة.
السلطنة بها الكثير من الموارد الطبيعية وقبلها الموارد البشرية، والنقد الموضوعي هو آلية مهمة ونؤكده دوما، لأن النقد يصحح الأمور والكل متفق على ذلك في إطار مساحة الحرية الموضوعية، بعيدا عن الانفلات الذي يؤدي إلى انزلاق الأوطان كما نرى اليوم في بعض الدول، ومن هنا فإن بلادنا وفي ظل قيادة سلطاننا -حفظه الله- ستواصل مسيرة البناء والتطوير في كل مسارات التنمية، خاصة أن البنية الأساسية في السلطنة قد اقتربت من الاكتمال ولعل شبكة الطرق في بلادنا هو منجز نفخر به، والذي يعد من الشبكات المتطورة علي صعيد الشرق الأوسط والعالم.
ولا شك أن دور الإعلام الوطني يظل مهمًّا وحيويًّا في ظل الموضوعية والحياد الإيجابي الذي يلعبه، وفي ظل حمى الصراعات في المنطقة، لكن يبقى الجوهر في الأمر وفي الشأن الخارجي أن السياسة الخارجية لبلادنا لا تتدخل في شؤون الآخرين، ليظل النموذج العماني بعد نصف قرن من السلام والاستقرار والاحترام والتقدير الإقليمي والدولي لعمان ولجلالة السلطان المعظم، نموذجًا استثنائيًّا في التعايش والتسامح ولغة الحوار وبذل الجهود السياسية المضنية لأبعاد المنطقة من الكوارث والحروب. هذه هي السلطنة وقيادتها الحكيمة تعطي هذا النموذج الحضاري في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية ولا تستعين بالضجيج الإعلامي، حتى مع تحقيق الإنجازات الدبلوماسية؛ فهي تعمل بهدوء لتحقيق الخير والسلام للجميع. تحية لوطني وقيادته الحكيمة والمستنيرة في هذه الأيام المجيدة، وفي ظل هذا الانسجام المجتمعي والوحدة الوطنية المتواصلة التي تقترب من نصف قرن متطلعين إلى مزيد من التنمية والمنجزات الوطنية، ودور الأجيال الجديدة في المحافظة على تلك المكتسبات الوطنية، وإضافة لبنات جديدة في مسيرة عمان المباركة.