نوافذ :تلازمنا الهمة..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –
كثيرة هي النصائح والمواعظ التي تدفعنا إلى الأمام، وبعضها الآخر يبقينا في تموضعنا، وبين هذه وتلك، تبدأ قصتنا في هذه الحياة، وهي قصة زاهية، ورائعة، وروعتها في حالات التضاد التي نعيشها، فيوم حلو، ويوم مر، ويوم سعيد، ويوم تعيس، ويستحيل أن تسير الحياة على وتيرة واحدة، لأنها ستبعث؛ عاجلا؛ أو آجلا؛ على الملل في حالة ديمومتها على نسق واحد فقط، ولعل في ذلك حكمة بالغة من لدن رب العزة والجلال.

من الحكم التي تحتوي بين جنباتها العظة والفكرة: «رحم الله امرئا عرف قدر نفسه» ومعرفة الشخص لقدر نفسه ليس أمرا يسيرا، ولن يدرك أحدنا هذه الحقيقة إلا بعد أن يبلغ من العمر عتيا، فالمراهنة هنا على أمرين اثنين، أحدهما تراكم العمر، والآخر تراكم الخبرات في الحياة، وبالتالي لا يستشعر هذه الحقيقة «قدر النفس» من هم في سن مبكر، ومعرفة المرء لقدر نفسه معناه تصويبها لكثير من مسارات الحياة الراشدة التي يعيشها كل إنسان بنفسه، يوظف من خلال ذلك الخبرات التي اكتسبها في حياته، وتجاربه، ومعايشته للآخرين، وهذه مسألة على قدر كبير من الحساسية، والتوازن «لا ضرر ولا ضرار» وهي لا تقل عن التشبيه: «كمن يقبض بيديه على الجمر» لأن في حالات المعايشة هذه ستكون هناك معركة حامية الوطيس، بين الذات الفاعلة والدافعة نحو المجازفة؛ كما كان الحال أيام الفتوة والشباب والقوة؛ وهناك الذات المتأنية الراشدة المنحازة نحو التصالح، وهناك تراكم الخبرات التي تتصادم مع الذاتين، لأنه في هذه المرحلة من العمر، يبقى من الصعوبة بمكان أن يتم التنازل عن القناعات، التي أصبحت متجذرة بحكم الخبرة والمعايشة، لذلك يوصف كبار السن بصعوبة تغيير قناعاتهم، وهذه الصعوبة ليس منشأها العناد كما يقيّم البعض، ولكن تكمن الصعوبة في عدم القدرة على اختراق مجموعة تراكم الخبرات والتجارب لصالح ظرف طارئ، أو معالجة مؤقتة لموقف ما.
«قدر النفس» وفق الحكمة السابقة، مساحة عمرية ممتدة منذ لحظة فهم الحياة استيعابها، مرورا بمرحلة التفريق بين الخطأ والصواب، ومرحلة تأسيس القناعات، ومرحلة مجموعة المراجعات اليومية والفترية لكثير من جوانب حياتنا اليومية، ومرحلة الانتقال من المهم إلى الأهم، ومرحلة معالجة مجموعة الإخفاقات التي تمر علينا انعكاسا لسلوكياتنا غير الواعية، ومرحلة دمج مجموعة المسؤوليات والمهام، وتقليص عددها إلى الحد الأدنى، فمجموعات المكتسبات التي تحصلت منذ بدايات الاشتغال في هذه الحياة، وصولا إلى مرحلة التشبع منها تتيح لها هذه القدرة على مراجعة هذه المهام، وتقليصها إلى الحد الأدنى، وإلا فقد ضيع الإنسان عمره، حيث لا يزال يتموضع في مربعه الأول.
«قدر النفس» يقول لك: « إذا غالبك الحماس فلا تندفع إلا بالقدر الذي لا يكلفك عناء، وإن أوقدت نفسك شمعة في دروب الآخرين فلا تنظر إلى من يمشي خلفك هل سيقول لك شكرا أم لا، وإذا شاركت في مشروعات كثيرة في الحياة بغية خدمة مجتمعك، فلا تطحن نفسك أكثر من اللازم، لأن مشروعات الحياة تتكاثر ولن تنتهي فإذا فاتك أحدهم فالقائمة طويلة، ساهم بقدر استطاعتك، ولا تقحم نفسك فيما ليس لك فيه «عازة»»- انتهى النص – فالعمر هدية، فلا تفرطوا في هداياكم، فأكرموا أعماركم، ولا تنهكوها بتجاذبات الحياة اليومية، تجاذبا يفقدكم استمتاعكم بالحياة، فلا «المال يبقى ولا الألقاب والرتب» كما جاء في «ريحانة القلب» رائعة الشاعر والأديب الدكتور عبدالرحمن العشماوي.
«قدر النفس» قصة حياة كل فرد منا، ولكن ما يؤسف له أكثر، أن تفاصيل هذه القصة تأتي متأخرة جدا، حيث لم يبق من العمر الكثير، وبعد أن «خبّص» كل منا حياته بين صح وخطأ، وبين حلال وحرام، ولكن ما يُرتّق مثلمة هذه الصورة هي العودة، وإن كانت متأخرة.