قنوات الاتصال غير الرسمية في السياسة الخارجية الأمريكية

عاطف الغمري –

صناعة السياسة الخارجية الأمريكية، لها طرق تخصصها، وهي تختلف في كثير من جوانبها عن دول أخرى كبرى، ويغلب عليها الغموض وعدم الجهر بما تفكر فيه، خاصة بالنسبة لمواقفها من أزمات دولية تتعامل معها، أو حتى إدارتها لعلاقاتها مع دول صديقة أو حليفة، وهو ما زاد في الفترة الأخيرة بالذات في عهد ترامب.
وعلى سبيل المثال فالولايات المتحدة تتصرف في حالة اختيارها اتباع سياسة خارجية ليس لها قبول عالمي، بأن تزرع بذرة في تربة تعتقد أنها صالحة لتنمو فيها، وذلك باستخدام وسائل إعلامها وصحفها المنتشرة عالميا، لطرح الفكرة مما يحقق لها رواجا، تساعد على مضاعفته مناقشات تجرى بين المثقفين والمهتمين، حول هذه الفكرة، إما تلقائيا، أو بتدبير مستتر من الجهة التي زرعت الفكرة من البداية.
وتقوم هذه الجهة بمراقبة نتيجة غرس البذرة، فإذا لقيت الاهتمام المطلوب، فإن مؤسسة السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، تبدأ في بلورتها وتحولها إلى توجه رسمي للسياسة الخارجية، أما إذا قوبلت الفكرة بالرفض أو التشكيك فيها، فلا يمنع من تعليق الفكرة، أي إرجائها إلى وقت لاحق تكون فيه الظروف مناسبة لها.
ومن الأمثلة على ذلك، عندما طرحت مراكز الفكر السياسي التي تقودها النخبة، وعقب انتهاء الحرب الباردة، فكرة «العدو المسلم»، بديلا عن العدو السوفييتي السابق، وسط اقتناع لدى المؤسسات الكبرى العسكرية والاقتصادية، بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن وجود عدو، يحشد طاقتها للإنتاج العسكري أولا، وللرخاء الاقتصادي ثانيا. لكن هذه الفكرة لم تلق قبولا، حتى إن الرئيس بيل كلينتون وقتها أعلن رفضه لها، والتشكيك في نوايا من أطلقوها. إلى أن تولى جورج بوش الرئاسة ابتداء من عام 2001، ووقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وراحت إدارته وأقطابها من جماعة المحافظين الجدد، تشحن الأذهان وراء فكرة العدو المسلم.
الأمثلة عديدة – لكني أتوقف هنا أمام القضية المثارة حاليا عن الأزمة المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، وما يعتريها من غموض على الناحيتين، وهل صحيح أن أمريكا جادة في تهديد إيران بالقضاء عليها بسبب سياساتها، أو أن إيران تعني ما تقول بالتهديد بأسلحة سرية تطول أهدافا أمريكية؟.
هنا – أستخرج من واقع العلاقة شديدة التوتر، بين أمريكا وإيران منذ عام 1979، مسارات سياسية تشكك فيما تقوله الدولتان، وتظهر في خلفية العلاقة وفي الكواليس، أشياء لا تراها العين، وكان كل منهما يمضي في اتجاه معاكس للآخر.
فمثلا – عندما اشتعلت الحرب بين العراق وإيران عام 1980، ودامت ثماني سنوات، كان للمخابرات الأمريكية تواجد في بغداد، مساند لصدام، وعلى الجانب الآخر شجعت الولايات المتحدة إيران، على القيام بعملية تسوق للسلاح لحساب إيران، من دول تنتجه، وهو ما نشرت تفاصيله وقتها صحيفة صنداى تايمز البريطانية، وعرف عندئذ حدوث زيارات متبادلة بين تل أبيب وطهران لمسؤولين إسرائيليين وإيرانيين.
والآن – ونحن نشهد من كلا الجانبين تصريحات تحمل تهديدا وتشددا، ثم ما تلبث أن تلحق بها تصريحات تعلن أن كليهما لا يريد الحرب.
يبدو أن هذا صحيح، فالولايات المتحدة خاصة في فترة ترامب، تحاول أن تدفع بالأمور إلى حافة الهاوية كنوع من الضغط الرادع على الطرف الآخر. وهو نفس الأسلوب الذي اتبعه ترامب مع كيم جونج أون زعيم كوريا الشمالية، وهي نفس الطريقة التي تقوم عليها إيران.
من ثم فنحن نرى تصعيدا للأزمة بشكل يلقي بظلاله القاتمة على المنطقة العربية، القريبة من إيران، وكأن ذلك استكمالا لسياسات سابقة وضعت منذ عهد بوش خطط لنشر الفوضى، والحروب الداخلية، بينما يبدو كأن لهيب المواجهة الأمريكية الإيرانية، لا يصل إلى أي منهما.
ويبقى السؤال: إذا كان التوتر هو الذي يسود في المواجهة بين أمريكا وإيران، فما الذي يدور في الخفاء عبر قنوات الاتصال السرية غير الرسمية المفتوحة بين أمريكا وإيران، والتي لم يتوقف عملها عبر مختلف الإدارات السابقة، للوصول إلى ما سمي بالتقريب بين ما تريده الولايات المتحدة، من نزع السلاح النووي الإيراني، وبين شروط إيران، بأن تعترف لها أمريكا، بأن لها وجودا إقليميا ومعترفا به في المنطقة.
إن كل ما ذاع عما يجري في هذه القنوات الخفية، أنها مفتوحة طوال الوقت، لكن ما لا يعرف هو، ما الذي يدور بالتحديد بين الطرفين، وما هي العروض التي يقدمها كل منهما للآخر؟