التجارة المقترنة بالنية عبادة يؤجر عليها المرء وأفضل ما أكل الإنسان من «عمل يده»

تتطلب توفر الحد الأدنى من الفقه –
كتب :سيف بن سالم الفضيلي –

دعا كلا من فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن راشد الغاربي الأستاذ المساعد بجامعة السلطان قابوس وفضيلة الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي أمين فتوى بمكتب الإفتاء، المتجه إلى التجارة أن يكون لديه الحد الأدنى من الفقه، مبينين أن تحقيق المقاصد العامة للشريعة في المال وفي التجارة أهم من أي مكسب مالي يريد أن يحصل عليه الإنسان.
وأضافا: يحتاج التاجر إلى أن يسير على خطى ثابتة مرسومة وألا يتعجل الوصول إلى مرتبة وإنما يتدرج في الصعود؛ فإن بعض الناس يندفع في بعض المجالات التجارية ويتعجل النتائج ويريد أن يحقق مطلوبه في مدة قصيرة مما قد يؤدي إلى فشل التجارة وإلى عدم قدرته على الاستمرار وقد تصيبه الخسارة العظيمة ونبها التاجر من الغش أو استغلال أو أكل أموال الناس بالباطل، فإن هذه قواعد أخلاقية متقررة في هذه الشريعة.
وأوضحا أن «التسويق الشبكي والهرمي» ذهب جمهور أهل العلم من المعاصرين إلى حرمته وعدم جوازه.
مشيرين إلى أن سبب المنع يتمثل في عدة أمور، أهمها أن المقصود أصالة والتسويق وتحفيز الناس بالاندفاع في الدخول في النظام بغية الحصول على الأجرة وهذه الأجرة هي غير معلومة وغير معلوم من تحققها فأتي بالسلعة عرَضًا لأجل تمرير الأمر.. وإلى ما جاء في ندوة (كيف تكون تاجرًا رابحًا؟) التي أقيمت بمسجد الإمام محمد بن سعيد الناعبي بولاية وادي المعاول..

سؤال موجه إلى الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي: في العصر السابق التجارة كانت لها صورة بسيطة جدا ولعل أبسط صورة هو البيع والشراء بالطريقة المعروفة ولكن في عصرنا الحالي الآن تشعبت التجارة وتعددت واختلفت وسائلها فصار التاجر قد لا يملك مقرا ولا يملك مجالا إلا جهازه اللوحي أو هاتفه ويدير أموالا كثيرة فما الأسس التي ينبغي على التاجر لا سيما الشباب في وقتنا الحاضر أن يضعها نصب عينيه؟
المال كما ذكر شيخنا نعمة من نعم الله عز وجل وهو في الوقت نفسه ابتلاء واختبار وامتحان للإنسان وهو فتنة «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ» والنفس فُطرت على حب المال والتعلق به «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيد» فإذا لم تهذب هذه الطباع وتضبط النفس في اندفاعها إلى المال، فإنها تجر صاحبها إلى ما فيه فساد دينه وما يكون عليه من ضرر في العاجلة والآجلة؛ ولذلك فالمسلم لا بد أولا أن يخلص في عمله لله عز وجل؛ فإن التجارة إذا قارنتها نية صالحة عبادة من العبادات التي يؤجر عليها الإنسان وأفضل ما أكل الإنسان من عمل يده، كما جاء من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان الأنبياء الكرام يأكلون من عمل يدهم؛ فينوي به العبادة لله عز وجل وكسب الذي يمكنه من أن يعيش حياة طيبة وأن ينفق على من يجب عليه أن ينفق عليه وأن يتصدق ويحسن وغير ذلك من الأمور التي تنال بالمال.
ثم لا بد أن يراقب نفسه فإن الإنسان في المجال الاقتصادي والمالي يدقق في الحسابات ويراجع نفسه بين فترة وأخرى وقد يقوم بما يسمى بالجرد السنوي ويعيد ترتيب الأولويات والنظر في كثير من الأمور التجارية، لماذا؟ خوفا من الخسارة، فيجب عليه أن يكون في الجانب الشرعي أشد حرصا من حرصه على الخسارة المالية؛ لأنه إذا خسر دينه فإن خسارته أعظم من خسارة مال قد يعوضه الله بمال غيره.
فينبغي له أن يحاسب نفسه وأن يدقق في المعاملات وأن يعيد النظر وإذا شك في مسألة أو خاف أن يدخل عليه الحرام من باب فلا بد أن يتوقف حتى يستبين له الحكم الشرعي في تلك المسألة وهذا ما يدفع التاجر المسلم إلى التفقه في دين الله عز وجل؛ فينبغي أن يكون التاجر فقيها ولا يلزم أن يكون عالما ملما بمسائل التجارة كلها ولكن لا بد أن يقرأ في فقه التجارة والبيع والشراء والإجارة وأبواب الربا وغير ذلك.
كما يحتاج التاجر إلى أن يسير على خطى ثابتة مرسومة وألا يتعجل الوصول إلى مرتبة وإنما يتدرج في الصعود فإن بعض الناس يندفع في بعض المجالات التجارية ويتعجل النتائج ويريد أن يحقق مطلوبه في مدة قصيرة مما قد يؤدي إلى فشل التجارة وإلى عدم قدرته على الاستمرار وقد تصيبه الخسارة العظيمة.

لا بد من التخصص
فالتجارة فن كما يقال وليس كل الناس يحسن الدخول فيها فمن أراد أن يدخل في هذا المجال لا بد أن يستخير الله عز وجل وأن ينظر ما المجالات التي يحسنها؛ فلا يقتحم مجالا تجاريا لا يحسن الدخول فيه وإنما يتاجر في التخصص الذي يحسنه وإذا أراد أن يتاجر في مجال لا يحسن الدخول فيه فلا بد أن يتعلمه وأن يتقنه أو أن يستعين بذوي الخبرة في ذلك المجال.
ولا بد أن يستشير من سبقه في هذا المجال وأن يقوم بما يعرف الآن بدراسة الجدوى أي أن ينظر هل هذا المشروع ينجح هل هو مناسب في هذا المكان هل هذا الموضع يصلح للتجارة أو لا؟ حتى يدخل على نور وعلى بصيرة وعلى بينة من الأمر؛ فإن كثيرا من الناس ممن دخل في التجارة وهو لا يحسنها ترتبت عليه خسائر وربما أدخل إلى السجن وربما دخل إلى المحاكم في قضايا بسبب عدم قدرته على إدارة المال إدارة صحيحة.
ولا بد أن يحذر من الغش والاستغلال وأكل أموال الناس بالباطل فإن هذه قواعد أخلاقية متقررة في هذه الشريعة يدركها كل واحد منا، فتحقيق المقاصد العامة للشريعة في المال وفي التجارة أهم من أي مكسب مالي يريد أن يحصل عليه الإنسان.
صعوبات رأس المال

الشيخ محمد الغاربي: نجد مَن أراد أن يبدأ في التجارة تواجهه صعوبات متعددة ولعل أبرز الأشياء هي مسألة الحصول على رأس المال، فتتجه عادة النفوس إلى التعاملات المحرمة بنية أنه سيغطي مصدر ذلك المال الحرام في المستقبل بما يتولد من ربح تلك التجارة، فنجد وسائل التعاملات المحرمة تعددت الآن، وأصبح من العسير على التاجر لاسيما الشاب أن يعرفها فما الخطوط العريضة والدلالات التي يتخذها التاجر كخطوات عريضة أو علامات تبين له طريق سلوكه في تلك التجارة؟
أحسب فيما ذكره الشيخ بيانًا لما ذكرت؛ فلا شك أن من أراد أن يقدم على التجارة فإنه يحتاج إلى فقه في أمر دينه، الفقه هو الوسيلة التي تفضي بالعبد إلى شاطئ مرضاة الله سبحانه وتعالى سواء فيما بينه وبين الله من معاملة أو من عبادة محضة، أو فيما بينه وبين الخلط من المعاملات المالية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» فالفقه في الدين أمارة على أن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا الإنسان خيرا. أيضا عليه أن يعلم المفسد الآخر من مما يفسد المعاملات ويفسد المبايعات وهو الربا؛ فالربا لا شك أنه من أعظم الكبائر وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى وصفه بأنه حرب بين الله والعباد، والنصوص في هذا معلومة لديكم بالضرورة.
والربا ينقسم إلى نوعين: هناك ربا الديون وهناك ربا البيوع، فربا الديون نوعان: أحدهما ربا الجاهلية وهو: انظرني وأزيدك، فإذا تقرر دين في ذمة شخص ولم يتمكن من الوفاء مدّ له الدائن في الأجل مقابل زيادة في المال، هذا هو عين الربا، أو أن يقترض بزيادة هذا عن الربا ربا الجاهلية.
والنوع الثاني معروف عند بعض الفقهاء بع وتعجّل، بمعنى أن يكون للإنسان دين على آخر فيطلب أحدهما تقديم السداد مقابل الحق، وهو مختلف فيه بين الفقهاء. أما ربا البيوع فنوعان: ربا النسيئة وربا الفضل، ربا النسيئة أيضا مجمع عليه، وهو أن يباع ربويٌ بربويٍ آخر مع تأجل أحد البدلين كأن يباع ذهب بذهب نسيئة، فضة بفضة نسيئة، ذهب بفضة نسيئة، تمر بتمر نسيئة، شعير بشعير نسيئة، تمر بشعير نسيئة، بر بملح نسيئة، وهي الأصناف الستة التي ورد فيها الحديث الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح، سواء بسواء، يدا بيد، مثلا بمثل» وهي نوعان: أثمان أو نقود وسلع.
فالأثمان الذهب والفضة، هذا قسم برأس، والسلع أو المطعومات هي الأربعة المعروفة، فإذا بيع واحد من هذه الأربعة بالآخر وأخرنا أحد البدلين فهذا هو من ربا النسيئة المجمع على تحريمه.
كذلك أيضا إذا بيع ذهب بذهب أو فضة بفضة أو ذهب بفضة، فأجلنا أحد البدلين فهذا هو من الربا المحرم المجمع على تحريمه.
النوع الثاني من ربا البيوع هو ربا الفضل، وهو أن يباع الجنس الربوي بالجنس ذاته مع زيادة في أحدهما مع التقابض يعني يباع ذهب بذهب مع الزيادة، تباع فضة بفضة مع زيادة، يباع تمر بتمر مع زيادة، يباع شعير بشعير مع الزيادة وهكذا، مع التقابض، فهذا يسمى ربا الفضل الذي عليه جمهور أهل العلم ونعلمه من مشايخنا أهل الفتوى أنهم يحكمون بتحريمه.
فإذا لا بد من أن يعرف الأصل الثاني من أصول الفساد وهو الربا، وأن يتفقه في هذا الأمر.

الغرر
أيضا من أصول الفساد ما يسمى عند الفقهاء بالغرر وهو ما شك في حصول أحد عوضيه، فالغرر هو سبب من أسباب فساد المعاملات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغرر كما ورد في الحديث الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، غير أن العلماء نظرا لاستقرائهم لأحكام الشريعة قالوا: إن الغرر الذي يفسد المعاملات له شروط. وذكروا من هذه الشروط أن يكون كثيرا غلب على العقد؛ لأنه لا تكاد تخلو معاملة من المعاملات من شيء من الغرر، لكن الغرر اليسير مغتفر، كان الفقهاء قديما يمثلون قالوا: «كأن يشرب من السقاء بعوض» يعني لا يعرف سيشرب كوبًا، كوبين، ثلاثة، هنا يوجد الغرر ولكنه غرر يسير.
ومثل ما نعرفه الآن على سبيل المثال ما يعرف بـ «البوفيه» تذهب إلى المطعم يمكنك أن تشتري بخمسة ريالات ولك أن تأكل حتى تشبع بهذه القيمة، الناس يتفاوتون في هذا تفاوتا كبيرا فهذا غرر كثير من أهل العلم يحمله على أنه غرر يسير، والذي نعلمه على أنه غرر يسير مغتفر رغم وجوده.
الشرط الثاني: أن يكون في المعقود عليه أصالة لا تبعا، فإن كان تبعا فإنه يغتفر أيضا، قالوا: إنه يمكن التحرز منه بغير مشقة. قالوا أيضا: إنه لا تدعوا إليه حاجة عامة، على رأي بعض العلماء أن يكون في عقود المعاوضات لا في عقود التبرعات، حاصل المقام على الإنسان أن يعلم أن الغرر أصل من أصول الفساد.
المفسد الرابع كما قالوا: هي الشروط المفسدة التي تعود بالفساد، أيضا من الضوابط التي ينبغي مراعاتها في المعاملات المالية: الصدق والأمانة وعدم الظلم وعدم الغش، فهذه فيما أحسب أنها كما يقولون خطوط عريضة ينبغي لمن يريد الدخول في هذا الأمر أن يكون على قدر من العلم بها.

التجارة الالكترونية
الشيخ إبراهيم الصوافي: نجد في وقتنا الحالي الكثير من طرق التجارة الحديثة لاسيما مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي وما حصل من استغلالها في الترويج التجاري وأتى منها التسويق الإلكتروني وأيضا التسويق الهرمي والشبكي والنقود الافتراضية وغيرها من المسائل المعاصرة التي تستجد في وقتنا الحالي ولم يكن لها سابق، هل لكم بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه التعاملات والمحظورات التي قد يقع فيها الكثير من غير أن ينتبه إلى حكمها الشرعي؟
هذا سؤال طويل من الصعب أن يحاط بجميع جوانبه ولكن أشير إلى بعض الأمور، التجارة الإلكترونية لا تختلف عن التجارة العادية المعتادة من حيث الأحكام أغلب الأحكام هي أحكام متشابهة، فعندما يبيع شخص لآخر أو يؤجِّرُ وهما متقابلان، كذلك الحكم يشمل التبايع عن طريق وسائل التواصل الحديثة؛ إذ المراد تلاقي الإيجاب مع القبول مع العلم بالعين أو المنفعة التي يقع عليها التعاقد وأن تكون معلومة علمًا ينفي الغرر أو الجهالة، وأن لا يوجد الربا، أن يحذر من الوقوع في الربا.
فمثلا بعض الناس يشتري الذهب والفضة عن طريق الشبكة العنكبوتية «الإنترنت» فيدفع النقد عن طريق البطاقة ولا يتسلّم الذهب في الوقت نفسه وإنما يرسل إليه بعد فترة وهذا لا يجوز لأنه من الربا النسيئة المحرم؛ إذ الأوراق النقدية في هذا الزمان تقوم مقام الذهب والفضة؛ فهي أثمان، فلا تباع بالذهب ولا يباع الذهب بها إلا يدا بيد.
كذلك يحذر الإنسان في التجارة الإلكترونية من بيع ما لا يملك، فالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما لا يملك وعن ربح ما لم يضمن، يعني الإنسان يبيع ما يملكه ويبيع ما هو داخل في ضمانه ولا يبيع سلعة بعينها يملكها غيره -هذه بعض الناس قد يقع فيها- خاصة ممن يتاجرون بالواتس اب في هذه الأيام فقد يعرض بعض الرجال أو بعض النساء سلعة لا يملكها ويجد المشتري الراغب فيها بعد أن يصفها له أو يرسل له صورها سيبدى الإيجاب والقبول في بيعها ولم يشترها بعد، فيقع في النهي الشرعي، والواجب عليه بعد أن يجد من يرغب في تلك السلعة ألا يبيعها له وإنما يقوم بشرائها أولا ويتحقق قبضه لها قبضا حقيقيا، أو قبضا حكميا بأن يخلي المالك بينه وبينها بحيث يرفع الموانع التي تمنعه من قبض السلعة قبضا حقيقيا ثم يبيعها فإن رغب في البيع فلا يبعْ شيئا لا يملكه فهذه أيضا من الأمور التي ينبغي الانتباه لها في التجارة الإلكترونية.
كذلك الإنسان في التجارة الإلكترونية يحتاج إلى العلم والإحاطة بالعين المبيعة، وكثير من الناس قد يشتري سلعا عبر وسائل التواصل الحديثة ويتصورها على صورةٍ ما ولكنه يتفاجأ بعد ذلك بأن حقيقتها تختلف إلى حدٍّ ما عن الوصف الذي وصفت به، فلا بد أن يحرص الإنسان التاجر على حسن العرض للسلعة وألا يخفي شيئا عن الراغب في الشراء ويؤمر المشتري أن يتحقق من السلعة ومن صفاتها ويتثبّت من أنها وفق ما يتصوره عنها قبل أن يقدم على شرائها.
بالنسبة إلى التسويق الشبكي، هذا ظهر أول ما ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية كما يقال وظهر عن طريق شخص يعرف ببولزي حتى نسب إليه وكانت الفكرة قائمة على تجميع أموال من كثير من الناس المشتركين ثم إعادة صرفها لهم وفق نظام أو طريقة معينة ما كانت توجد سلعة، وهذا النظام طبعا غير قانوني وحاربته الدول حتى تم القبض على هذا الرجل وتمت محاكمته، ثم بعد ذلك ظهر التسويق الهرمي، وهو أحيانا تدخل فيه سلعة وهذه السلعة لا تكون في الغالب مقصودة لذاتها أو لا تتعلق النفوس بشرائها فكثيرا ما تكون في حيّز الكماليات أو التحسينيات ويكون تسويقها مقتصرا على المشاركين في النظام فلا يوجد لها أسواق للبيع الفردي أو لا يمكن الإنسان الحصول عليها إلا من خلال هذا النظام، وسمي بالتسويق الهرمي لأن الصورة تظهر على شكل هرم يبدأ بصاحب الفكرة أو المنتج ويتفرع حتى يصل إلى قاعدة هذا الهرم، ويطلب من الناس أن يسوقوا لذلك المنتج ويوعد المسوّق بأجرة مقابل ذلك وتكون كبيرة ومغرية ومحفزة ويوضع المشتركون عن طريقه على جانبيه (اليمين والشمال) وفق نظام هندسي وهيكلة معلومة، ويستفيد ممن جاء عن طريقه مباشرة وعن طريق من جاء عن طريقه.
ثم ظهر التسويق الشبكي، وهو يختلف عن التسويق الهرمي قليلا، الأصل في التسويق الشبكي أن تكون السلعة يمكن الحصول عليها من غير الدخول في النظام وأن توجد لها أسواق بيع منفردة يمكن الحصول عليها من غير الدخول في النظام، لكن في هذا الوقت الحديث تداخل أو تشابك الهرمي مع الشبكي فكثيرا ما يسمى تسويقا شبكيا وهو تسويق هرمي، وأصبح الأمر متداخلا فلا ينبغي الاعتناء بالأسماء، وإنما ينبغي الاعتماد على الحقيقة وتبيّن الصورة.
التسويق الشبكي والهرمي ذهب جمهور أهل العلم من المعاصرين إلى حرمته وعدم جوازه، وقد صدرت بذلك فتوى من مكتب الإفتاء بالسلطنة وأفتى بحرمته أيضا مشايخنا من أهل المغرب وكتبوا في ذلك أكثر من بحث، وأفتى بتحريمه كثير من دور الإفتاء كهيئة كبار العلماء في السعودية ودار الإفتاء المصرية ودار الإفتاء الأردنية ومجمع الفقه الإسلامي في السودان وغير ذلك من الفتاوى الجماعية التي صدرت في تحريم هذا النوع من التسويق. وسبب المنع عدة أمور، أهمها: أن المقصود أصالة التسويق وتحفيز الناس بالاندفاع في الدخول في النظام بغية الحصول على الأجرة وهذه الأجرة هي غير معلومة وغير معلوم من تحققها فأتي بالسلعة عرَضًا لأجل تمرير الأمر، ويدل على ذلك أن جميع النشرات والملتقيات وما يقوم به المروجون ينصب في غالب حديثه عن الفوائد الكثيرة والربح الذي يتوقع أن يحصل عليه من خلال الدخول في هذا النظام مما يغري كثيرا من الناس في الدخول إليه، وفي هذا غرر ومقامرة. والأمر الثاني هو اشتراط الشراء المتكرر للسلعة وهذا هو أكبر أسباب المنع وكل ما اشترى كمية أكبر كانت فرصته في الحصول على الأجرة أكبر.
فمثلا يقولون له: إذا اشتريت ثمانين نقطة تحصل على أجرة كذا وكذا وإذا اشتريت 160 كذا وكذا حتى يدفعونه لأن يشتري أكبر قدر؛ لأنه يحدث نفسه بالعمولة التي يتوقع أن يحصل عليها، ولا يكتفون بذلك بل يشترطون الشراء المتكرر، يعني لا بد كل شهر أو كل فترة يشتري تلك السلع وإذا توقف عن الشراء في شهر من الأشهر لا يستحق العمولة أو الأجرة ولو أتى بأناس يشترون تلك السلعة، ففي هذا كما يظهر غرر كبير لأن الإنسان يشتري شيئا لا يرغب فيه ولا يقصده بالذات وإنما يقصد شيئا آخر هو في عالم الغيب قد يحصل له وقد لا يحصل له وهذه تشبه صورة القمار وفيها غرر كبير. بالإضافة بعض من منعها قال: إن فيها ربا النسيئة، كيف؟ قالوا: لأن الشخص يدفع نقدا والسلعة غير مقصودة وإنما يدفع النقد طمعا في النقد، فهو يدفع نقدا على أن يدفع له في مقابله نقد بزيادة، وهذه هي صورة ربا النسيئة المحرم.
وبعض أهل العلم ممن كتب فيه ذهب إلى جوازه بشروط وضوابط دقيقة في الغالب لا تتحقق على أرض الواقع، ويلتقي رأي أكثر المجيزين مع رأي المانعين نظرا لعدم تحقق الضوابط التي وضعوها للجواز.
وبعض المفتين أفتى بجواب عام، وكان ينبغي له ألا يفتي، لأنه أحال الجواز على أمور خفية لا يعلمها المستفتي، فمثلا يقول: يجوز هذا النظام التسويقي إذا خلا من الغرر والغش والربا. فرجع إلى النقطة الأولى لأن المستفتي لو يعلم خلوه من ذلك لما سأل فكأنه يقول يجوز إذا كان جائزا، وهذا الجواب العام أوهم بعض الناس الجواز؛ لأن بعض الناس يتعلق بكلمة من الجواب ولا يقرأ الجواب كله، فاتخذوه تكأة للوصول إلى مقاصدهم وأخذوا يتعلقون ببعض الفتاوى وينشرونها مع أن تلك الفتاوى فيها ضوابط وقيود غير متحققة على أرض الواقع. وبعض الناس يحاول ان يروّج له ولجوازه بأن يختصر مسافات كثيرة ويقلل من النفقات المصاحبة لانتشار السلعة فالسلعة بهذه الطريقة كما يقولون تنتشر انتشارا تلقائيا فلا نحتاج إلى إنفاق أموال على الدعاية أو على النقل أو على المحلات أو أماكن الحفظ أو غير ذلك.
ولكن الواقع يثبت خلاف هذا؛ فإن هذا الكلام قد يكون مقبولا في أزمنة ساحقة عندما لم تكن هنالك وسائل للتسويق أما في هذا العصر الذي أصبح تستطيع أن تنشر إعلانا في الثانية نفسها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وتستطيع أن تبلغ الخبر لملايين الناس في لحظة ما عدنا في حاجة إلى مثل هذا النوع من التسويق وإنما الدعاية والنشر هما أقوى وسيلة لترويج السلعة والواقع يثبت خلاف ذلك فإن السلع الضرورية والمهمة والأساسية لا يُتجر بها بمثل هذا التسويق الشبكي وإنما التسويق الشبكي يأتي لا بتلك الأهمية كمكمل غذائي أو بعض المجوهرات أو بعض البرامج الإلكترونية أو نحو ذلك مما يدور عليه هذا التسويق الشبكي.
النقود الافتراضية
وأما النقود الافتراضية التي ظهرت الآن ويسميها البعض بـ «البتكوين» فهذه عملة رقمية لا حقيقة لها وإنما هي أرقام يتملكها الإنسان يستطيع أن يبيعها ويستطيع أن يشتري بها سلعا ومنافع وأصبحت وسيلة تبادل عند شريحة كبيرة من الناس في هذا العصر، طبعا هي تنتج كما يقولون عن طريق التنقيب والبحث وببرامج دقيقة جدا لا يعلمها إلا المتخصصون من المتخصصين فالتنقيب عنها والحصول عليها صعب جدا، وإنما يحصل عليها كثير من الناس بالشراء، عملة «البتكوين» يشترونها بالدولار، هذا «البتكوين» بما أنه عملة حديثة فمن الطبيعي أن تختلف أنظار أهل العلم فيه لأنه لم تتضح صورته على الوجه الأتم ولا يدرك مآله وكيف سيكون حاله في المستقبل، ولذلك هو يتذبذب تذبذبا كثيرا أكثر من تذبذب الأوراق النقدية فيرتفع كثيرا وينزل كثيرا لأنه لم تستقر أموره وهنالك طبعا خاصة النظام الرأسمالي يحارب مثل هذا النظام لأنه خارج عن سيطرة الدول وخارج عن سيطرة النظام الرأسمالي الذي يريد أن يتحكم في مفاصل التجارة والاقتصاد ولا يريد وجود نظام يخرج عنه، فلذلك الدول الرأسمالية الاقتصادية تحاول أن تمنع انتشار مثل هذا النوع من التسويق.
وفي الحقيقة الأوراق النقدية في نفسها هي محل إشكال لأن الأوراق النقدية لما ظهرت كانت مغطاة بالذهب وكانت كالسند الذي يثبت لصاحبه كذا وكذا من الذهب فكانت سندات دين أو سندات حق الى أن جاء (نكسون) كما تعلمون في عام 1971 ففصل الأوراق النقدية عن الذهب وأصبحت عملة بقوة القانون يباع بها ويشترى وفرضت على الدول وعلى الشعوب والأفراد وصار لا محيص ولا مجال من التعامل بها وصارت مقبولة عند الناس عالمهم وجاهلهم وصغيرهم وكبيرهم ووسيلة للتبادل الاقتصادي لكنها لا شك عادت بضرر كبير على الاقتصاد والكلام فيها يطول.
فكذلك هذه العملة الافتراضية أيضا لا تقل ضررا على الاقتصاد من الأوراق النقدية بل هي قريبة منها وإنما الفرق أن الأوراق النقدية تنتجها الدول ولها قوة وسند قانوني وهذه إلى الآن لم توجد السند القانوني الذي يعطيها قوة العملة وإنما هي مقبولة في نطاق الذين يتعاملون بها.
وقد اختلفت أنظار أهل العلم فيها بين من رأى منعها لأنها ليست بالوسيط المقبول عند جميع الناس وليس لها من القوانين والأنظمة ما يثبت لها المالية وأن فيها غررًا كبيرًا وغير ذلك من المفاسد التي تترتب عليها فقالوا بعدم جوازها.
وبعض أهل العلم قال بجوازها لأنه نظر إلى أنها لا تختلف في حقيقتها عن الأوراق النقدية فالأوراق النقدية إنما هي بالأرقام المسجلة فيها فهي في الحقيقة قريبة من أن تكون عملة افتراضية في حد ذاتها.
والموقف الذي أراه أقرب إلى الصواب هو التوقف فيها فلا يتعجل بقبولها والإفتاء بجوازها نظرا لما يكتنفها من الغموض وعدم الوضوح ولا تدرك مآلاتها، فلا ينبغي الاندفاع إليها ولا التعامل بها، وأيضا لا ينبغي للفقيه أن يتعجل وأن يمنعها منعا باتا وأن يشدد القول فيها لأنه لا يدري في المستقبل قد يجد نفسه مضطرا إلى القول بجوازها نظرا لشيوع التعامل بها، ولذلك التوقف في هذه الفترة عن إصدار حكم نهائيٍّ فيها أراه أقرب إلى الصواب وهذا التوقف يقتضي الامتناع؛ فهو يقترب من قول المانعين ولكنه منع مؤقت حتى تتضح الصورة ومدى قبولها ومدى القوة القانونية التي ستكتسبها هذه العملة الافتراضية، والله تعالى أعلم.