الشـــيخ عــبد الله الخليلي في حـــوار لـــم ينشر عــمره 35 سنة: أنا شاعر اضطرار لا شــــاعر اخــــتيار.. والشعر يشدني نحـوه

الشــــعر صناعـــة وعــلى طـالبه أن يعتني بآلـــــــــة صناعــتـه وهـي اللغــــة –

أجــــــرى الحـــــوار: الأســـــتاذ أحمد الفلاحي –

في النصف الأول من عام 1984م قدمت أسئلة مكتوبة للشيخ عبدالله بن علي الخليلي شاعر عمان الأكبر وتكرم مشكورا بالإجابة عليها وكانت أسئلة منوعة عن الشعر وأحواله وظروفه، وكان القصد أن تنشر في مجلة «الغدير» ولكن المجلة توقفت في منتصف ذلك العام قبل أن يتم نشر الحوار، وبقي الحوار في أوراقه على أمل أن نجد فرصة لنشره بإحدى المجلات، ولكن مشاغل الحياة وارتباطاتها أخذتنا يمينا وشمالا وكل ما نتذكر يحصل ما يؤخرنا، ومر الزمن سنة بعد أخرى وأخيرا كان لا بد من إظهار هذه المقابلة المهمة.. ولكونها طويلة جدا رأينا أن نبادر اليوم بأخذ مقتطفات يسيرة منها ونرجئ تقديمها بنصها الكامل إلى فترة قادمة نأمل أن تكون غير بعيدة بإذن الله مع شديد أسفنا على هذا التأخير الذي طال أكثر مما كنا نبتغي ونريد.

■ بعد هذه التجربة الطويلة مع الشعر ماذا يعني الشعر بالنسبة لأديبنا الكبير الشيخ عبدالله الخليلي؟
ـ الشعر هو الشعر ذاته لأديب كبير مارسه وأجاده أو أديب مبتدئ، وإن أردنا تعريف الشعر فهو المعنى والهدف وحسن التركيب وغزارة المادة ورقة الأسلوب إلى غير ذلك من مقوماته ولحيث أن الشعر نبع الشعور كان حريا أن تشتق منه تسميته وأنا لست بمؤمن بما يقوله بعض النقاد من أن شاعرا يُرى في شعره وآخر لا يرى.
وعلى مذهب من يقول إن ثمة شاعرا تراه في شعره وآخر لا تراه فأنا قد لا أكون ممن يُرى في شعره وأنا والشعر بعد هذا الالتصاق الطويل أصبحنا وكأننا كيان واحد ليس باستطاعتي الفكاك منه، وقد ارتبطت به وارتبط بي، ومن ناحية المستوى والجودة فكل يجود بما في وسعه والناس هم الذين يقومون ما يقرأون والقرائح تتفاوت بين ما هو جيد والذي أجود منه.
■ الشيخ عبدالله .. هل لي أن أسأل في أي سن اكتشفت أنك شاعر؟ وكيف كان ذلك؟ وما هي لو سمحت أول أبيات قلتها؟
ــ نشأت في صغري وكأني أعوم في بحر من خيال مما دفعني إلى صناعة الشعر وأنا في الثلث الثاني من العقد الثاني. وكانت بدايتي بأبيات قلتها وأنا أكتب رسالة ودية لصديق:
هذي سمائل لانتظار قدومكم
تزهــو وتصبح كل يوم تزهــــــــــر
كالروض باكره الندى فإقاحه
ثغــــــــــــر ونرجسه عيون تنظـــــــر
والآس مـــــن تحــت النسيم كأنه
قد يقــــــــــدمه الهــــــوى ويؤخــــــر
والياسمين على البنفسج طافح
والورد بفتحــــــه الغمــــــام وينشر
ثم تركته فترة وكأني أنسيته حتى خرجت مع عمي الإمام الخليلي رضوان الله عليه في رحلة بشرقية عمان وبينما كنا في بدية إذا بالشباب المتعلمين المرافقين قد اجمعوا على إنشاء قصيدة تتضمن وقائع تلك الرحلة وقد بدأوها بأبيات لا أذكر شيئا منها الآن وكل من وصلته الورقة أضاف فيها ما يتبادر له، فلما جاءتني كتبت تحت كتاباتهم أربعة أبيات احفظ منها بيتا واحدا وأنا أصف الناقة:
تحركها بالأريحية همة
فتعدو بنا كالرائح المتحلب
وشطرا من بيت أقول فيه وأنا أصف الامام رضى الله عنه:
«على سيرة حاكى بها سيرة النبي»
هذه الأبيات الأربعة رأها في يدي القاضي الأديب أبو الوليد سعود بن حميد وكان من هواة الأدب والمغرمين بالشعر فأخذ مني الورقة ومضى يسرع معجبا حتى انتهى إلى الإمام وأطلعه عليها فقال الإمام لو قال «حاذى بدل حاكى» ولم يزد ولكن ذلك الإعجاب لم يشجعني وبقيت برهة وأنا محجم عنه حتى بدأته لعلي في الثلاثينات من عمري وأول قصيدة قلتها جاء في بدايتها:
ما للمطى وقد عزمت رحيلا
يرزمن من ألم الفراق عويلا
أجزعن مما لو أصيب ببعضه
رضوى لغاب عن العيون نحولا
يا نوق حسبك ما الفراق بهين
لو كان للمجد العظيم سبيلا
قلتها بتاريخ 19 ذي القعدة سنة 1369هـ
وهكذا بدأت رحلة الشعر عندي.
منذ تلك الفترة وحتى الآن هل تراك راضيا عن مسيرتك الشعرية وتجربتك الفنية في الأدب؟
إن الله جل شأنه يقول «ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا» وما يقوله تعالى هو الحق الذي لا مرية فيه ولا يقبل التردد.
تجد الكاتب أو الشاعر يكتب فيعود يقرأ ما كتب فيقول ليتني غيرت هنا وزدت ذاك وانقصت هذه ووضعت هذه اللفظة محل أختها.
وبنفسي أكتب القصيدة فاقرأها فلا أرضى عنها ولكني أجد من يثنى عليها ويرى فيها الصورة الحية غير الصورة التي رأيتها بها وصار لي أن كتبت قصيدة أقول في مطلعها:
دعاني أقود عنان السما
إلى الله أسعى به ملجما
فقرأتها مرات عدة وأطلعت عليها الشيخ ابن جميل والشيخ العبري إمام العربية وأحمد الخليلي ورآها جمع من الأدباء وظلت تتداولها الألسن ما يزيد على 12 عاما على وجه التحري وطيلة هذه الفترة لم أر ولم يرني أحد فيها ما يعاب حتى كنت ذات يوم أتأملها فرأيت وكأني أشاهد في ثلاثة أبيات ثلاثة أفعال جزمت بلا جازم فأعدت ترتيب الأبيات المعنية ترتيبا سليما فهل بعد هذا نستطيع الرضا حقا عما كتبناه أو قلناه؟!.

■ أقرب شعرك إلى نفسك، وفي أي الفنون ترى أنك أجدت أكثر؟
ــ قيل لحكيم عربي أي أولادك أحب إليك قال: صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يبرأ وغائبهم حتى يعود، وافتتان الإنسان ببنات أفكاره كافتتانه بأحب أبنائه إليه ولكن الناس يتباينون في الشجاعة والنقد وعمق التفكير حتى بين ما يفتنون به وما هم به غير مفتونين.
وأنا في شعري أرى عالما من حياة مارستها وكأني أشاهد نفسي وأترابي فيها فأجدني في ذلك العالم بمن فيه وما فيه وأجدني في الفخر والحماسة غيري في النسيب وغيري في عالم القصة الشعرية ولعل آراء القراء هي المرآة التي تعبر عن الرضا أو السخط، فالمرء مرآة أخيه وأخيرا أقول كما يقول الشاعر «كفى المرء نبلا أن تعد معائبه».

■ لقد قال لي بعضهم ممن يهتمون بشعرك إن أبرز ملامحه شيئان اثنان الفخر وشكوى الزمان، بم تعلل ذلك؟
ــ في حديث نبوي أو أثر يروى ما ترك العرب الفخر. وأنا لم أخرج في شعري عن المدرسة التقليدية، فشكوى الزمان غالبا نزعة كل موهوب فـ(السيل حرب للمكان العالي) وأحسب أن خيار الشعر ما دفعته النفس دفعا وهذا النوع من الشعر هو الذي تتجلى فيه الموهبة على حقيقتها وقد أجدني أحيانا وأنا واقع تحت سيطرته فلا أجد لي محيصا عنه ولا حتى مناما أو طعاما دونه حتى يبلغ به الشوط مني غايته فيأتي وفيه الفخر والحماس والشكوى غالبا، ومع هذا فأنا أرمي منه بالكثير ولعل هذا النوع هو على ما يقوله العقاد إنه مما يرى صاحبه فيه وهذا في الغالب لا يحمل قائله أية أعباء من تنقيح أو مناقشة، وفي المجمل قلما تجد شاعرا عربيا يخلو شعره من فخر أو شكوى زمان ولعلها طبيعة من طبائع الإنسان.

■ الشيخ عبدالله .. كيف تقول الشعر ومتى؟
كيف أقول الشعر ومتى؟ غالبا يكون الشعر نفسه هو الذي يشدني إليه تحت الكيف، وأما متى؟ فإذا حاولته قبل أن يحاولني فكثيرا ما أخسر دونه. ولعلي من خلال تجربتي أستطيع أن أقول إني شاعر اضطرار لا شاعر اختيار.

■ أرجو أن لا تؤاخذني؛ فإني إنما أنقل ما سمعت إن مما يعاب عليك عدم التطور والبقاء حيث أنت. المصطلحات والجمل والعبارات التي تستخدمها في شعرك كلها من القديم. وحتى الصور أغلبها تقليدية وكذلك الأسلوب أقرب إلى طريقة القدماء منه إلى المعاصرين ما هو تعليقك؟
ــ نعم أنا أسلم بذلك لأني أربط بين أشياء لا يمكنني الخروج عنها. البيئة العربية تحت هوائها الطلق بكل ما تحمله من السمات الخاصة بها والتي هي كجزء من حياة الإنسان العربي. ثم المجتمع المتدين الذي نشأت فيه وهو موغل في أعماق العربية الفصحى بحيث يرى الشاعر نفسه وكأنه لا يستطيع التخلص من ربقة ذلك الأسلوب. وبعد ذلك يأتي عدم الاختلاط بالشعراء والأدباء الأشقاء من البلاد العربية وكل من اختلطت بهم معظمهم رجال دين أقرب إلى القديم ولم يخرجوا عن دائرة التقليد المأثور وعباراته المألوفة.
ومع ذلك فإني لم أجد فيما رأيت حسب تصوري في الحديث من العبارات والمصطلحات ما يتفوق على القديم ولو تأملنا بعض الشيء التطور الذي يشار إليه لوجدنا الكثير الذي لا يتفق مع أسلوب العربية وأنا بالتأكيد لا أستطيع أن أقول «قتلناك يا آخر الأنبياء» ولا أن أصف الحسناء بالزرافة وعلى أي حال فإن لكل ذوقه وطريقته التي يرتضيها ويصعب على غيره انتهاجها.

• وفي سياق الاتهام السابق يقولون أيضا إنك على الرغم من اهتمامك بقول الشعر الحديث وكتابة القصة القصيرة والرواية وهي كلها من فنون الأدب الجديد غير أنك لا تتابع ما ينشر من هذا الأدب كدواوين كبار الشعراء المحدثين أمثال البياتي ونازك الملائكة وفدوى طوقان وصلاح عبدالصبور وأدونيس ويوسف الخال والفيتوري وغيرهم من أئمة التجديد، وكذلك لا تحرص على قراءة روايات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وتوفيق الحكيم ولا قراءة القصص القصيرة التي صدرت منها العشرات من المجموعات منذ أن بدأت القصة القصيرة تأخذ مكانها في أدبنا العربي على يد رائدها محمود تيمور ومن قبله وإلى الآن. وهذا بالتالي يحد من انطلاقتك في آفاق التجديد؟
ــ قبل أن ننطلق في الحديث عن التجديد والجديد نود أن نعرف بالتحديد ما هو معنى التجديد وأي شاعر قيل إنه مجدد ففي أي مجال وفي أي قصيدة؟ فإن الكلمات لا تتجدد والمعاني هي المعاني التي تناقلها الشعراء من عهد امرئ القيس، لكن لعل المقصود التجديد في الأهداف والمسالك وهذه يحددها الدهر وهو الذي يزج بالشاعر والكاتب على حد سواء ليرميهم في أحضانها فلا يجدون سبيلا إلى الخلاص فيضطر كل منهم لإعمال موهبته على ضوء واقعه ومن وحي محيطه.

■ سؤال آخر الشيخ عبدالله أنت شاعر تقليدي وقد أثبت نفسك بجدارة في ذلك، فما الذي تراه يدعوك لطرق باب الشعر الحديث وكتابة القصة القصيرة، هل هو محاولة إثبات القدرة أم هناك دوافع أخرى؟
ــ أنا إن ذكرت التقليد فلست أعني به وضع القدم على القدم ولا الحافر على الحافر ولكني أعني به الاستنارة بأضواء من سبقوا والورود على حياضهم.
أما الشعر الحديث فما هو إلا وليد الشعر الوتري قصرت به التفعيلة حينا وطالت به حينا آخر وقربت القافية فيه من أختها مرة ونأت عنها مرة أخرى ولكنه يأتي في أسلوب أشبه ما يكون بأسلوب التواشيح الأندلسية.
هذا مع أني لا أسلم بالشعر الحديث متخليا عن ترابط التفعيلة ولمسة القافية.
أما القصة فما هي إلا مقامة فقدت التسجيع وأخذت أسلوبا مجانبا لأسلوب المقامة التي سبق إليها الهمداني والحريري والشيخ خلف بن سنان العماني.
وقد رأى الناس القصة وما تحمله من مأخذ جذاب وأسلوب شيق سهل التناول فولعوا بها وقلدوها ففرطوا وأفرطوا.
وكان الجيل الذي عشناه يرتقي عن الفصيح إلى الأفصح ومن البليغ إلى الأبلغ وحسبك بالمتفوقين الذين برعوا في صناعة الأدب وأتقنوا أساليبها ومناهجها ودقة سبكها.

■ يلاحظ بعضهم عليك شيخنا أنك تأخذ نفس شوقي فهل تعتبر نفسك مجاريا له وبمن تراك تأثرت من الشعراء؟
ــ أحسب أن النفس الذي تشير إليه لشوقي ليس بأطول من نفس أبي مسلم ولك أن تنظر في مقاطع القصيدة وطولها وقصرها والتخلص فيها واقتضابها، أما أبو مسلم فإنه يستوعب الأسلوب من غير أن يبدو الإملال عليه ولا تراك تحسه وهو ينتقل من مقطع لآخر كما لا تكاد تشعر به وهو يبتدئ المقطع الثاني انظر إلى نهروانيته إذ يقول وهو يصف البرق:
يهلهل في الآفاق ريطا موردا
طوال الحواشي مكثهن قصير
فتجده ينتقل بعد البيت انتقالا خفيا بقوله:
تنبه سميري نسأل البرق سقيه
لربـــع عــــــفته شــــمأل ودبــــــــور
ويوالي الانتقال كعادته في خفاء فيقول:
ذكرت به عهدا حميدا قضيته
وذو الحزن بالتذكار ويك أسير
وهكذا يربط طرف المقطع الثاني بطرف من جنبه في المقطع الأول ثم يمد يده إلى طرف آخر في آخر البيت أو الذي يليه ليربطه بطرف آخر فتجد شعره سلسلة مترابطة لا يمكنك الخروج عنها إلا بعد نهاية القصيدة وهذا أسلوب تجده لبعض فحول الشعراء كالنابغة وجرير والبحتري وغيرهم كثير. أما أسلوب شوقي فيبدو غالبا وكأن القصيدة مجموعة قصائد ولكن في وحدة متكاملة لا يستغني جزء فيها عن الجزء الآخر ولك أن تتابع إن شئت نونيته التي مطلعها:
«قم ناج جلق وأنشد رسم من بانوا
مشت على الربع أحداث وأزمان»
فبينما تراه ينادي جلق ويصف نضارتها وبهجتها ورجالها وما فيهم من عراقة الشرف وأصالة الكرم ويصف الأديم وما فيه تجده ينتقل فجأة فيقول:
بنو أمية للأنباء ما فتحوا
وللأحاديث ما شادوا وما دانوا
وهكذا تجده ينتقل من أسلوب لآخر شأنه شأن امرئ القيس وآخرين من فحول الشعراء. أما أنا فأجدني أخذ بالأسلوب وكأني أحسر في آخره فانتقل عنه إلى غيره وهكذا فإن ناقشت ما قلته أراني على الغالب راضيا عنه ولعل كل صاحب صنعة ليس هو الذي يعرف قيمة صنعته ولكن الناس الذين يقرأونه هم من بيدهم ميزان النقد الصحيح.

■ أنا أعرف أنك اليوم أحد كبار شعراء العربية على الرغم من أنك أقرب ما تكون مجهولا في البلاد العربية الأخرى خارج عمان بسبب ضعف الإعلام عن شعرائنا، أريد أن أعرف أين تضع نفسك بين الشعراء العرب المعاصرين؟
ــ يتعذر على المرء أن يقيم شعره بنفسه ويضعه في مرتبة ما ولكن النقاد والمتابعين هم في المعتاد الذين يستطيعون هذا الفعل بموازين النقد والمقارنة ولعلك وأمثالك من حملة الأقلام ربما أمكنكم مقاربة شيء من ذلك بطريقة أو أخرى. ونحن كشعراء نطرح على القراء ما تجود به أنفسنا ومن يطلع عليه هو الذي يرتضيه أو يرفضه أو يأخذ بعضه ويترك البعض وقولنا وقول غيرنا تحكمه في الأساس قوة الموهبة ثم الأدوات التي يقوم عليها البناء وبعد ذلك تأتي البيئة التي يعيش الشاعر في كنفها وكذلك معايشته لبيئات أخرى وتعرفه على ما تحتويه من أشياء غير التي راءها في بيئته الأولى هذه العوامل كلها هي التي تصنع الشاعر وكلما انتقل في أقطار الدنيا اتسعت مداركه أكثر وزادت معارفه وامتد خياله لملاحظة أمور لم يكن ليلحظها وبذلك يرتقي شعره ويتطور ويتجدد، والمعيار الأول فيما أحسب لتقييم الشعر هو تقبل النخبة المتذوقة من المتمكنين العارفين بالشعر لذلك الشعر واستجادتهم له وانجذابهم إليه فذلك قد يعطي للشاعر ميزة على نظيره.

■ لو طلبت منك أن تتجرد من ذاتك وتقيم لي شعرك على اعتبار قيمته الفنية ليس إلا وليس كونه شعر عبدالله الخليلي؟
ان فعلي مرآة ذاتـي ولكـــــــــــــن
لا أراني فيها وغـــــــــيري يراني
فإذا شئت أن تـــــــراني يقــــــيناً
فبفعــــــــــلي وما أقـــــول تـــراني
لا تسلني عني وســــــلك لتدري
كنه شأني أو لا فسل مـن رأنى
أنا للناس لا لنفســــــــي شـــــعرا
وفعالا فهـــــل بعــــــيني أرانــــــي
قد رأتني الأيام فــــوق ربـــــــاها
ليتهــــــــا لو دعــــــتني وشـــــــأني
فالتمسني في غرتي فلق الصبح
فهناك ما زلت في الضياء مكاني
ودع الليـــــــل لا تــــرعـــــــــك رؤاه
أفأخشى كفــــــرانه في زمـــــاني

■ يقولون إنك تغضب من النقد كثيرا فهل النقد يزعجك فلا تحتمله؟
ــ أنا لا أزكي ما يقولون إذ لا أراني اتسم بسمة الغضب ودائما أقف فوق حدود التروي والتؤدة ولا أخرج عن المعقول ولكن أقول إن النقد في رأيي نقدان: نقد لي ونقد عليّ أما الأول فأتقبله بارتياح ولا يزعجني مطلقا لأنه قائم على أسس لا يمكن لأحد تجاوزها أو رفضها. ولكني غالبا لا أسكت على الثاني إذا لم يكن منصفا وغير معلل لحيثيات نقده أو محتكم على أسس النقد العلمية المعروفة المتزنة والدقيقة، فالناقد مثل الميزان يزن ما وضع فيه بصورة متناهية لا يميل هنا أو هناك.
وعلى كل حال إذا كان النقد هو التقييم للشعر فأجدر بي أن أكون راضيا به من القادرين والمنصفين.

■ لمن تحب أن تقرأ من زملائك الشعراء العرب المعاصرين من غير العمانيين، ولمن من العمانيين، ولمن من الشعراء القدامى من عمان أو من خارجها؟
ــ لقد نيفت على تمني مستقبل القراءة، فإن قلت عمن قرأت فقد قرأت عن الكثير فحولا ومن هم دونهم وأذكر القباني والشابي وأبو ريشة وصلاح عبد الصبور والجواهري وبدوي الجبل ومفدي زكريا وعمر أبو ريشة ومعظم الشعراء العرب المعاصرين وكل الشعراء العمانيين قديما وحديثا ومن القدامى الكندي والذبياني والجعدي وابن كلثوم وطرفة وعنترة والحطيئة وزهير وابنه كعب وحسان وجرير والفرزدق والأخطل ومروان بن حفص وكثير وجميل والمتنبي وأبي تمام والبحتري وابن دريد والنبهاني والستالي واللواحي والكيذاوي والغشري وأبو مسلم وابن شيخان وشوقي والرصافي وحافظ وكثير لا استطيع حصرهم ولا بد للشاعر أيا كان أن ينغمس في شعر من سبقه أو من عاصره ويتأمل أساليبه وطرقه وتنوع معانيه ولغته ولا يستقيم شعر شاعر ما لم تكن صلته قوية بقصائد الشعر على اختلاف أنواعها وأزمنتها فتلك ضرورة لا بد منها لأي شاعر صحيح القول.

■ ما هي توقعاتك للأدب في عمان؟ من خلال رؤيتك لما يظهر منه هذه الأيام وما رأيك بمستوى شعرائنا؟
ــ إن الشعر صناعة فيجب على من يريد الاعتناء بها أن يوغل في الحصول على الآلة التي هي معدة لهذه الصناعة، فكما قيل في حديث أو أثر «استعينوا على صناعتكم بحسن الآلة»، والآلة هنا هي العربية كالنحو والصرف اللذين لا بد منهما لحاملي الأقلام وكذلك المعاني والبيان والبديع وعلوم العربية التي هي ضرورية وأخشى أن يكون أبناؤنا لا ينالهم أولا ينالون أو لا ينولهم أساتذتهم من تلك الأسس والضوابط ما يبل غليلهم ويصل بهم إلى درجة الاكتفاء ولعل في تعدد المواد شاغل عن الوصول إلى قرب الغاية.

■ في العالم العربي رأينا شاعرات رائدات كأمثال نازك الملائكة وفدوى طوقان، وعائشة التيمورية وغيرهن، ألم يحن الوقت بعد لنرى الشاعرة العمانية؟
ــ الشعر موهبة وهو ينبع من البيئة والشعر لا يلزم أن يكون بيتا مقفى أو قصيدة تقليدية ولكن حتى في الجملة كالتي يقول لها زوجها غاضبا « من يأخذ السفل» أي أنت سافلة لا يأخذك مثلي فأجابته في الحال أنا، فقلبت ظهر المجن عليه بغير إيقاع أو نبرة شاعرية، أما المرأة العمانية فلها أصالة المرأة العربية ولا يعجزها أن تقول وأن تكتب ولكن لا تتوفر لها الآلة الكافية وهي حيية كما تستحي من الصخب، تستحي من أن تخفق ولقد سمعت بنفسي من تقول الشعر فتجيده من نساء عمان حتى أني أعرت شعرها نظرة بطلب منها وأبديت لها استحساني وإعجابي وشجعتها ولكن حكم الظروف لا يسلس لها القياد لتندفع في قول الشعر وهي مع جودة ما تقوله تتكتم وقد طلبت مني الكتمان فلبيت طلبها وأخرى كاتبة مجيدة تملي الرسالة وتسود الكلمة كأحسن ما يملي ويكتب مثقف موهوب هاتان المرأتان اطلعت بنفسي على ما كتبتاه مرارا وأكبرته واستمعت به. ولكليهما ظروف لا تسمح بالبروز.

■ يقال إن الشاعر ترجمان أمته فهل ترى أنكم شعراؤنا العمانيين قد استطعتم التعبير عن مشاعر شعبنا العماني تجاه قضايا أمته العربية وفي مقدمتها قضية العروبة الأولى مأساة فلسطين؟
ــ لقد آن لي أن أعبر عما لدي وذلك أني عنيت كثيرا بأمور الأمة العربية وقضاياها فملأت الصحف مستجيبا لنداء الواجب ومعبرا عن الواقع بكل ما حمله من آلام وآمال وأحداث ولما طلبت مني جهات الاختصاص طبع الديوان رحبت وأعددتها خطوة تجر خطوات إلى الأمام فإذا بديواني يخرج من الطبع وقد فلذ منه ذلك المجال القومي بكامله وقيل لي فيه حساسيات وعلى هذا كيف يمكن للشاعر أن يكون لسان قومه ومعبرا عن أحوالهم وعن انتصاراتهم وانكساراتهم؟ حطم الله هذه الأقلام إن كانت لا تشارك في المآسي وتشترك فقط في الغزل والمديح، ذلك لا يصح ولا يجوز والشاعر هو الناطق بلسان أمته والمعبر عن أحوالها كيفما كانت تلك الأحوال وتعبير الشاعر عما يعانيه قومه هو إخراج لأحاسيسه هو ذاته المتأثرة بحال الأمة وما فيها فهل من العدل أن تكبت مشاعره تجاه ما يراه في قومه من فرح أو حزن. إن ذلك هو الظلم المبين وتعلقنا بأمتنا هو تعلق الجزء بالكل وذلك هو معنى بيت شوقي القائل «إن شعري هو الغناء في فرح الشرق والبكاء في أحزانه» ولا نقول في النهاية إلا حسبنا الله .وطلبت من مسؤول نشر شيء من الأدب وبنفسي الذي أتولى طباعته ونشره وجاءني الرد أن أبعث بكل كلمة تريد طبعها ولعلها لترمى في سلة المهملات.

■ ما هو نصيب عمان في الشعر العربي قبل الإسلام. وكذلك في القرون الخمسة أو الستة التي تلت ظهور الإسلام ومن هم شعراء عمان في تلك الفترة؟
ــ أما الشعر في عمان قبل الإسلام فلست أعرف عنه كثيرا أما منذ ظهور الإسلام أي منذ خمسة عشر قرنا فهناك شعراء على رأسهم ابن دريد صاحب المقصورة التي يقول فيها وهي يخاطب الدهر:
مارست من لو هوت الأفلاك من
جــــوانب الجــو عليه ما شكى
والتي هي أشبه ما تكون بالمعلقات ومثله كعب بن معدان الأشقري الذي كان شعره موضع إعجاب الخليفة عمر بن عبد العزيز وكذلك النبهاني صاحب الرائية التي يقول فيها شيخنا نور الدين السالمي إنها تزاحم المعلقات قوة ومتانة وتزيد عليها رقة ورشاقة والتي يقول فهيا:
أعاذل من لم يفن بالسيف لم يمت
لدى الــــذل إلا موت فقع بقــــــرقر
أعاذل أن الجود فــــــينا وراثــــــة
يورثــــه مـــــنا كـــــــبير لأكــــــــبر
والشاعر البليغ الستالي الشهير وشعراء آخرون أحسب أنك تعرف الكثير منهم وعنهم.

■ ما زال الجدل قائما بين الشعر التقليدي وبين الشعر الحديث الذي يسمونه الشعر الحر منذ حوالي نصف قرن. أنت أين تقف حيال هذا الموضوع؟
ــ كما سبق وأن قلنا إن الشعر مشتق من الشعور وهو الإحساس لأنه من نبعه ولذلك تجد الشعر إن كان سليم التركيب قوي المباني رقيق الأسلوب تجده والقلب يتقبله بلهفة وليس بضروري أن يكون الشعر في بيت مقفى إذ قد لا يكون فيه وزن أو قافية ويكون في جملة نثرية ولنا أن ننطلق من هذا فنقول إن كان الشعر الحديث يحمل ما يحمله الشعر التقليدي من أوصاف فمن المحتم أن يأخذ طابعه كشعر له قيمته الشعرية التي تتوافر في أكثر الشعر العمودي ولا تتوفر في بعضه ولك أن تقول إن شعراء العرب كثيرون ولكن القليلين هم المجيدون ولم يكن فات غير المجيدين الوزن ولا القافية ولكن مما فاتهم اللغة والوصف وإحكام تركيب الجملة ودقة التعبير عما يختلج في النفس هذه الأشياء وغيرها هي التي فاتتهم.