الأيام: كان على الفلسطينيين أن يقرأوا الفنجان

في زاوية آراء كتب طلال عوكل مقالا بعنوان: كان على الفلسطينيين أن يقرؤوا الفنجان، جاء فيه: لم يكن ما تواجهه السلطة الوطنية الفلسطينية، خارج سياق التوقعات، فهي منذ قيامها تعتمد على التمويل الخارجي بنسبة كبيرة من موازنتها. الأمر كله مرهون بمدى قدرة المجتمع الدولي على تحقيق سلام يقوم على أساس رؤية الدولتين وقرارات الأمم المتحدة. أحد لم يقع في مصيدة، ولا نعتقد أن الفلسطينيين يجهلون الحقائق التي تتعلق بالصراع، وموازين القوى، ولا هم يجهلون طبيعة المخططات الإسرائيلية. الموافقة الفلسطينية على خوض مغامرة السلام، على أساس أنهم يقبلون بالحد الأدنى من الحقوق، وبما يقنع إسرائيل بضرورة تحقيق سلام على أساس رؤية الدولتين وإنهاء الصراع، تلك الموافقة كانت في كل الأحوال جزءاً من عملية الصراع، ولا تعكس أي قدر من المراهنة على المجتمع الدولي.
في الأخير، التطورات كانت ولا تزال محكومة لموازين القوى ليس بين قوة الحق وحق القوة، وإنما بين بما يحوز عليه الطرفان من قوة حقيقية تشمل بالإضافة إلى العوامل الذاتية، الأوضاع العربية والدولية والتحالفات على مختلف المستويات.
منذ البداية، حظيت إسرائيل، بحليف قوي وثابت هو الولايات المتحدة، وحلفاء آخرون، هم أطراف القارة الأوروبية العجوز، وحلفاء آخرون، حتى ممن كانوا حلفاء للثورة الفلسطينية، وهؤلاء هم الذين يظهرون حرصاً على أمن إسرائيل، ومستعدون لخوض منافسات ومفاوضات لضمان مصالحهم. الوضع العربي قبل عام 2010، لم يكن قادراً على أن يترك له بصمة حقيقية على متواليات وأحداث تطور عملية الصراع، وتراجع ممكنات تحقيق السلام، أما بعد ذلك التاريخ فقد تحول الوضع العربي إلى عبء على القضية الفلسطينية ثم تحول مرة أخرى إلى عامل متعاون ومساعد للقوى التي تتآمر لشطب الحقوق الفلسطينية. حمّلوا السلطة الفلسطينية، وقبلت السلطة أن تحمل أعباء ثقيلة يتطلب القيام بها إمكانيات كبيرة، كلها من خارج قدرة الفلسطينيين على توفيرها.
السلطة تتلقى الدعم من المانحين الأوروبيين والأمريكيين وبعض العرب، وتستكمل توفير قدراتها، من الجباية والضرائب المرتبطة بإدارتها للاقتصاد الداخلي، وهذا المورد تتحكم فيه إسرائيل بشكل أو بآخر. لا يدور الحديث عن خيارات أخرى، كان على القيادة الفلسطينية، أن تلجأ إليها لتغيير هذه المعادلة، لتعميق استقلاليتها، فلقد اندفعت الأمور دفعاً في هذا الاتجاه.
كان لا بد من إدراك أن زماناً سيأتي، لكي يتم فيه توظيف هذا المال لتحقيق أغراض وأهداف سياسية، وها هي الولايات المتحدة تبرهن على أن المال لم يكن ولا يمكن أن يكون مجانياً، ولا أن يصرف حتى يتمكن الفلسطينيون من تحقيق أهداف وطنية، تتعارض مع المصالح الصهيوأمريكية.
قبل أن يتخذ الكنيست الإسرائيلي قراره، بخصم ما يوازي مستحقات أهالي الشهداء والأسرى من أموال المقاصة، وتبدأ إسرائيل في التنفيذ كانت الولايات المتحدة قد باشرت باستخدام مساهماتها في موازنة الأمم المتحدة للضغط من أجل منعها من اتخاذ قرارات مؤيدة للفلسطينيين.
حصل هذا على جسم «الأونروا»، ومنظمة اليونسكو، والمجلس العالمي لحقوق الإنسان. كان ذلك الخطوة الأولى، وحين لم تفلح لا في منع المجتمع الدولي من مواصلة اتخاذ قرارات منصفة للفلسطينيين ولا بإخضاع الفلسطينيين للرؤية السياسية التي تعبر عنها السياسة الأمريكية. المرحلة الثانية، كانت وقف الولايات المتحدة للمساعدات التي كانت تقدمها للموازنة الفلسطينية، ثم أوقفت الدعم المخصص للأجهزة الأمنية، وألحقت ذلك بشطب كل أشكال المساعدة لمؤسسات المجتمع المدني، بما في ذلك المخصص لمستشفيات فلسطينية في القدس. صفر دعم من قبل الولايات المتحدة، للسلطة الفلسطينية، والهدف ممارسة شتى أنواع وأشكال الضغوط لضمان موافقة فلسطينية على أجندتها السياسية المتطابقة مع الأجندة والأهداف الإسرائيلية.
الموقف الفلسطيني لخص الأمر على نحو بسيط وواضح، فالأوطان والحقوق لا تباع ولا تشترى، وأن الضغوط الأميركية لا يمكن أن تؤدي بالفلسطينيين للتحول عن تمسكهم بحقوقهم التي تقرها وتضمنها القوانين والقرارات الدولية.
صمد الفلسطينيون فكان على إسرائيل أن تكمل عملية الضغط والابتزاز، فبدأت بخصم ما يوازي مستحقات الشهداء والأسرى، وخصم بعض التعويضات التي تقررها المحاكم الإسرائيلية لصالح مستوطنين، والآن تتحدث إسرائيل عن خصم تكاليف مشروع تصريف المجاري في قطاع غزة من أموال المقاصة. العرب كانوا على الخط أيضاً، متأخرين قليلاً عن البدء باستخدام المال، عن الخطوات الأميركية والإسرائيلية، لكنهم منخرطون في هذا المخطط.
الاجتماع العربي الذي سيتم بعد يومين أو ثلاثة لمناقشة موضوع حاجة الفلسطينيين لتوفير شبكة الأمان المالية العربية، ليس هو الأول خلال الأشهر الأخيرة، فهو على ما أعتقد الاجتماع الثالث بهذا الخصوص، والمحصلة هي أربعون مليون دولار نصفها من السعودية وهذا كل شيء، بالرغم من أن القرار أصلاً قد اتخذ من قبل قمة عربية ولكن في زمن غير هذا الزمن.

السلطة تئنّ تحت وطأة عجز مالي يصل إلى ثلاثة مليارات، دونما أفق مؤكد، من أنها ستحصل على ما يساعد على القيام بالحد الأدنى من مسؤولياتها. يتحدث محافظ سلطة النقد عزام الشوا عن أن استمرار الوضع من شأنه أن يؤدي إلى انهيار السلطة. برأينا أن النصر صبر ساعة، إذ لا أحد عربياً أو أجنبياً أو حتى إسرائيلياً يريد أن يرى السلطة تنهار تحت ناظريه، ففي لحظة ما حين تيأس الولايات المتحدة من استخدام المال، ستوجه أوامرها، للبعض لكي ينقذ السلطة، ويبقيها عند الحد الأدنى للقيام بواجباتها. يعلم الجميع أن قطر خصصت ثلاثمائة مليون دولار، خمسون منها منحة والباقي قرض، والسؤال هو: لماذا لم تنفذ قطر قرارها حتى الآن؟ نعتقد أن أمر الصرف الفعلي لم يصدر بعد، وعلى ذلك يمكن القياس. مع ذلك لا بد من خطة فلسطينية لترشيد النفقات وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في حمل المسؤولية الوطنية، لأن الانهيار إن وقع سيصيب الجميع.