عطر : الساحرة شمقرين

رنـــــدة صـــادق –
randanw@hotmail.com –

في كل مرة يرغب البعض منا في إعادة موضوع في ذاكرته، تتسرب منها صور تتصدر المشهد وتخترق دفاعات الروح، حينها نسقط في لجة الألم أو الفرح أو في متاهات الخوف، وكأننا أسرى تلك المجموعات المتناقضة من الذاكرة بانحناءاتها وخطوطها وتشققاتها التي تتسرب منها تلك التفاصيل، نحاول دائما ترميم جرح عصي على النسيان أو رتق تصدعات القلب وانكساراته وانحداراته السريعة نحو الهاوية، نركض بعيدا عن مخاوفنا لنختبئ خلف أسوارنا ونغالي أو نغرق في لحظة ماتت زمنيا وخلدت في ذاكرة الرحيل القادم.
معظم من تربى من الأجيال الماضية في منطقة الشام وصلت إليهم شخصية «شمقرين الساحرة» وهي ساحرة قبيحة وشريرة تخال نفسها امرأة جميلة تمارس حقها في إثبات كينونتها حتى وإن اقتضى الأمر أن تدمر كينونة غيرها، وللشر وأشراره أسماء وعناوين وعائلات، تلك الشخصية المقيتة موجودة بيننا، وأكاد أجزم أننا جميعا تقاطعنا مع أمثالها.
شمقرين شخصية خيالية من الحكايات التي تربت عليها مخيلة أطفالنا، ولطالما كان التهديد بها غايته ردعهم وتهديهم كي لا يقعوا في الأخطاء، فقبل الحداثة والتربية الحديثة، كانت الأمهات تتخذ من الحكايات وشخصياتها الحكمة وتستعين بها كنماذج مؤثرة في خيالهم ومشاعرهم، تستمد منها القيم والموعظة والتسلية فكن يروين الحكايات الجميلة عن الشخصيات الإيجابية، أما إن أردن أن يتحدثن عن الشر وعن تعليم الأولاد أنه موجود وقبيح وله أعوانه المنبوذون والملعونون من الله، يحكين حكاية شمقرين التي لم تكن تصنع الشر فقط، بل تشوه الحقائق بحسب أهوائها، وفي بلاد الشام ستجد هذه الشخصية الشهيرة التي تلفظ بالعامية (شمئرين).
سأروي لكم حكياتها كما جاءت بها المصادر لعلنا نتخذ منها موعظة ما في زمن العوالم الافتراضية لمجتمع بات عاجزا عن تكوين قيمه الثابتة مع تعالي الحاجة لمنطق (أنا أو لا أحد) إذا من هي شمقرين؟ «لقد سمَّى الدمشقيون وغيرهم من السوريين في وصفهم لأي امرأة قبيحة أو شمطاء بـ«شمقرين الساحرة»، هي شخصية وهمية ظهرت في قصص «كليلة ودمنة» وتناقلتها الأجيال السورية جيلاً بعد جيل. « يُحكى أنه كان هناك قرية صغيرة منعزلة، وكان أهلها قوماً بسطاء، يؤمنون بالكهنة والسحرة وكان في تلك القرية ساحرة اسمها شمقرين، قد اجتمع لها من علم الكهانة والشعوذة والسحر الأسود وتطويع الجن والعفاريت ما لم يجتمع لغيرها من بشر، وكانت أيضا عجوزا قبيحة قميئة منفرة.
اجتمع يوما سحرة تلك القرية في غفلة عن شمقرين، فقال أحدههم: «قد كنا في هذه الأرض سادتها، لا يزرع الناس ولا يحصدون إلا بأمرنا حتى ابتلانا الله بتلك الشمطاء شمقرين، وكل ذلك بسبب قبحها، كيف لا وطلعة وجهها كطلعة الغراب في أول الصباح. لن نصبر على وجودها معنا بعد اليوم أبداً.» فقامت من بينهم عرافة وقالت: «أرى أن نجعل شمقرين تهتم بشكلها أكثر، وتغَّيرمن منظرها لتصبح أكثر قبولا بين الناس»، وافق الجميع وذهبت العرافة إلى شمقرين الساحرة، و بيدها مرآة وعدة زينة، ووضعت ذلك كله بين يديها، وقالت: «هذه هدية السحرة إليك لتصلحي من شأنك و تأخذي زينتك»
قالت شمقرين: «وما حاجتي إلى الزينة وقد وهبني الله من الجمال والحسن ما يغنيني عن ذلك، خذيها أنت إن شئت فلربما تلزمك». فقالت العرافة بعدما أخذها الغيظ: «أأنت ملكة الحسن و الجمال؟! أفلا تنظرين في المرآة لتري وجهك؟» فأخذت شمقرين المرآة، ونظرت فيها، ثم قالت: «إخس، سحقا لهذا الزمن لقد وصل الغش فيه حتى إلى المرايا».
الشر لا يرى إلا نفسه ولا يؤمن إلا برذائله ولا يصغي إلا لفحيح الأفاعي التي تسكن قلبه.