الرأس المال الاجتماعي.. رصيد الأوطان

أحمد بن سالم الفلاحي –

الدور الذي تلعبه وسائط التواصل الاجتماعي في تعزيز الرأس المال الاجتماعي، حيث تتشعب هذه العلاقات اليوم بفعل هذه الوسائط، لتبلغ مبلغا واسعا، وكبيرا، يتجاوز حدود الوطن الواحد، ولذلك نشهد في ظل هذا المفهوم تلك المؤازرات الاجتماعية في بلدان كثيرة
ينظر إلى الرأس المال الاجتماعي بكثير من الأهمية في تجذير، وبقاء، وصلاح المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن حداثة هذه المجتمعات أو تقليديتها، بل يرتفع سقف المراهنة على ضرورة وجوده وفاعليته على غيره من رؤوس الأموال الأخرى؛ مع أهميتها؛ لأن الرأس المال الاجتماعي يظل المكون الحقيقي لكل رؤوس الأموال الأخرى، وإن بدت على المشهد أنها الأكثر تأثيرا، وفاعلية، فحياتنا الاجتماعية قائمة حيويتها ونشاطها وفاعليتها على هذا الكنز الذي يمثله الرأس المال الاجتماعي، وبدونه لا يمكن أن تستقيم حياة المجتمعات الإنسانية بشكل عام، حيث تتحول؛ عندها المجتمعات؛ إلى صور من شريعة الغاب، يأكل الناس بعضهم بعضا، في صورة من الهمجية القاسية، وهذا ما لا يمكن قبوله خاصة عند النظر إلى الحالة المعرفية والفكرية، ومستوى الوعي الجمعي لدى أفراد المجتمع بفضل الثورة المعرفية؛ والاتصالية، وتراكم الخبرات، على حد سواء.
ينظر إلى الرأس المال الاجتماعي على أنه فطري المنشأ، ولذلك تسلسل في أهميته وفي صورته منذ الزمن البعيد، وكل جيل يستلم مهمة الجيل الذي سبقه في تأصيل عوامل الربط والبقاء لحيويته، وتأثيره على المشهد الاجتماعي العام، وهل يخضع لحالة تصنيعية، وكيف؟
أقول: نعم؛ وذلك من خلال تطعيمه بالكثير من المعززات الذاهبة إلى بقائه وتفعيله على الواقع، وذلك انعكاسا لمجموعة الخبرات التي يكتسبها أبناء المجتمع من روافد المعرفة المختلفة، وتوظيفها لتعزيز مجموعة الأدوار التي يلعبها الرأس المال الاجتماعي، ويأتي في مقدمة هذه الروافد علاقات النسب، والصداقة، والتعاون الخالص من شوائب الذات، والإخاء الإنساني العميق، وفي قول الله سبحانه وتعالى أسما الأمثلة في ذلك: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير»- الآية (13) من سورة الحجرات -.
وفي فهم آخر، ومع أن الرأس المال الاجتماعي هو فطري المنشأ؛ ولكنه يحتاج إلى شيء من التصنيع؛ وذلك من خلال استحداث آليات وإجراءات لتنظيم مختلف العلاقات القائمة بن أفراد المجتمع، ولا تترك هذه العلاقات وفق ما يكون عليه الحال منذ نشأتها الأولى، لأن أفراد المجتمع فيهم الصالح، وفيهم الطالح، فيهم القوي؛ بماله وجاهه؛ وفيهم الضعيف، فيهم الجبار والمتغطرس، وفيهم من هم دون ذلك، فيهم الغني وفيهم الفقير، فيهم العالم، وفيهم الجاهل، وفوق ذلك أيضا كل المجتمعات تشهد تعقيدات بنيوية في تشكلها البنائي، وهذه الثنائيات كلها تحتاج إلى كثير من آليات التنظيم الرشيدة، وليست شرطا أن تكون هذه الآليات والنظم؛ كلها مكتوبة، ومعلقة على أبواب المحاكم، ولكنها تظل سائدة بحكم العرف والقيم الاجتماعية في كل مجتمع، ولعل برنامج التوفيق والمصالحة التي تنفذه وزارة العدل يعد من أهم البرامج الداعمة لبقاء الرأس المال الاجتماعي في المجتمع العماني على تكاتفه، ومحبته، ونظارته.
ولذلك ينظر إلى القيم الاجتماعية على أنها أهم المحفزات لتعظيم الرأس المال الاجتماعي وتفعيله في ظل المرجعيات الاجتماعية السائدة، أو المستحدثة، وكل مجتمع لن يخلو من كثير من القيم الرفيعة التي تلعب هذا الدور بكل اقتدار، ومن مغالبة توظيفها على أرض الواقع أصبحت آلية معتادة عند كل أفراد المجتمع، حيث يورثها الكبير لمن هو دونه، لذلك لا تستغرب عندما تكون في ولاية من ولاية السلطنة، وتقابل أسرة أو فرد في أسرة بالصدفة في تلك الولاية البعيدة عن ولايتك، وتسأله مستغربا عن وجوده هنا، فيرد عليك، أنه في زيارة صديق، أو زيارة نسب، فكلنا؛ حقيقة؛ نقطع مسافة تقدر بمئات الكيلومترات، لأجل مواساة، أو مشاركة في مناسبة سعيدة، فهاجس هذه المشاركة لعناوينها المختلفة لم يأت من فراغ، وإنما لتعزيز الرأس المال الاجتماعي، ونمارسه هكذا بتلقائية مباشرة، وغير متكلف فيها، ونعد ذلك نوعا من البذل الباذخ في حقيقة هذه العلاقات كلها، ولنا في الحديث الشريف المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ الأثر: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم: مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».
وبفهم عام يكون لـ «الرأس المال الاجتماعي» بعدين مهمين: بعد أفقي، وبعد رأسي؛ وكلا البعدين تأثيره المباشر في تعزيزه، ربما يمثل البعد الأفقي هنا؛ مجموعة العلاقات العامة بين كل أفراد المجتمع، سواء على مستوى الحي الواحد، أو حتى على مستوى الوطن بكامله، ولكن يأتي البعد الرأسي ليرسخ مختلف العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع، ولعل علاقات النسب، هي أكثر العلاقات ديمومة، وصدقا، وتجذرا، حيث تفوق علاقات النسب كل العلاقات الاجتماعية القائمة بين أفراد المجتمع، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى كثير من المزايدة، وتبقى كل العلاقات الأخرى علاقات مؤقتة، مع أهميتها في تشييد بناء «الرأس المال الاجتماعي» وبقاء صورته المتكاملة أمام كل رؤوس الأموال الأخرى، ومع ذلك تتقارب الرؤى نحو ضرورة أن يحافظ «الرأس المال الاجتماعي» على بنيانه المهيب، وأن يقاوم بشدة مجموعة رؤوس الأموال الأخرى التي قد تربك مجموعة العلاقات القائمة في «الرأس المال الاجتماعي» مع الاعتراف أنك هناك صراعات قوية قائمة بينه وبين رؤوس الأموال الأخرى، وهي صراعات أزلية وليست حديثة؛ كما يشاع أحيانا؛ ويأتي في مقدمتها المال بأرصدته المختلفة والمتعددة، والمصالح الشخصية المختلفة أيضا، والاتفاقات الثنائية غير الحميدة، وكل ما من شأنه أن يفتت عضد «الرأس المال الاجتماعي» أو يربك حسابات بقائه واستمراره، وتسيده على المشهد العام لأحوال المجتمع.
والمسألة ليست مقتصرة اليوم؛ في ظل مفهوم الحياة المدنية؛ أن «الرأس المال الاجتماعي» متوقف على فعاليات المجتمع الواسع، ولكن يمكن تحققه حتى على مستوى المؤسسة الصغيرة، بل يصبح من الضرورة بمكان أن تقوم مختلف العلاقات في أية مؤسسة على مفهوم «الرأس المال الاجتماعي» ويعول عليه كثيرا في تسيير أعمال المؤسسة، ولذلك فهناك عدد من المؤسسات بدأت تتبنى هذا النوع من العلاقات، وذلك من خلال إقامة فعاليات وأنشطة ميدانية خارج حدود المؤسسة في النوادي، والحدائق، تشارك فيها أسر الموظفين، لتعزيز «الرأس المال الاجتماعي» في المؤسسة، فالأنظمة والإجراءات الإدارية المتبعة لن يكون لها فضل السبق في الإنجاز، وقد تأتي البرامج الاجتماعية بالمردود الأكبر، وأية مؤسسة تذهب إلى توظيف هذا النهج في إدارتها ستنتصر إلى الصواب، وتخصيص جزء من موارد المؤسسة المادية لمثل هذه الفعاليات؛ يقينا؛ لن تثقل موازنة المؤسسة، بقدر ما يعود عليها بالكثير، ويعظم من الانتماء الوظيفي لدى الموظف تجاه مؤسسته.
يمكن الإشارة هنا أيضا إلى أهمية الدور الذي تلعبه وسائط التواصل الاجتماعي في تعزيز الرأس المال الاجتماعي، حيث تتشعب هذه العلاقات اليوم بفعل هذه الوسائط، لتبلغ مبلغا واسعا، وكبيرا، يتجاوز حدود الوطن الواحد، ولذلك نشهد في ظل هذا المفهوم تلك المؤازرات الاجتماعية في بلدان كثيرة عندما تلتحم مع قضايا الشعوب في بلدان أخرى بعيدة عنها جغرافيا، وتختلف عنها عقيدة، وتتباين معها ثقافة، ومع ذلك هي تناصرها مناصرة إنسانية صادقة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، حيث لا ترتبط معها، لا رباط نسب، ولا صداقة مباشرة، ويبقى فقط الرباط الإنساني القوي، فما الذي أوصل رسالة الشعوب المغلوب على أمرها إلى تلك الشعوب النائية عنها، سوى هذه الوسائط التي تنقل الحدث في حينه، إذن وبنتيجة سريعة يتعزز «الرأس المال الاجتماعي» في ظل جيل الـ «تكنولوجيا» متجاوزا مفهومه التقليدي، وقبل الختام هناك من يصوب سهام النقد على المدن، وإرباكها لتجسيد «الرأس المال الاجتماعي» ولذلك استعانت بمؤسسات المجتمع المدني لتعيد ترتيب ثقله، وتوظيفه للخدمة العامة، أليس كذلك؟
أختم هنا برؤية جميلة كتبها الأستاذ إسماعيل سراج الدين مؤلف كتاب: التحدي (رؤية ثقافية لمجابهة التطرف والعنف) والذي يقول ما نصه: «من الأهمية بمكان تنمية الهويات المحلية، مثل الإحساس بالروابط مع جيراننا وأبناء حينا، فذلك شرط أساسي لخلق إحساس جمعي وشعور بالمسؤولية تجاه هذا المجتمع وصيانته، وتحسين ظروفه، والدفاع عنه ضد اعتداءات الآخرين من خارجه، على أن يكون هذا في إطار الانتماء الأكبر للدولة، وهويتها».