متحف يحكي قصة «المكان والناس»

تحت ظلال قلعة مطرح –

الكلمة والصورة ـ بشاير السليمية –

على الرغم من زياراتي المتكررة لمطرح التي أحب، لم يحصل قط أن انتبهت لمتحف على اليمين وأنا متجهة صوب «ريام»، وعلاوة على أني لم أتجول في مطرح سيرا على الأقدام إلا مرة واحدة منذ وقت ليس بقريب، لم يكن مقود السيارة أمامي يسمح بالتفافة رأسي لـ180 درجة، لذلك كنت أشيح ببصري صوب الكورنيش فقط كل مرة، لكن المرة الأخيرة التي لم أكن فيها خلف المقود، اصطدت متحفا بدا صغيرا جدا، ومنزويا أسفل قلعة مطرح، كان اسمه «المكان والناس»، بحثت عنه على خرائط جوجل فوجدته بطبيعة الحال، وحين قررت الذهاب إليه كان أن أضعت الطريق، ما ألزمني بالتفافة أخرى من دوار «ريام» إلى دوار «السمكة» في درجة حرارة لا أظنها تقل عن 40 بل تزيد. لم تكن المواقف أمام المتحف كثيرة لكنها ممتلئة كليا، ولحسن الحظ ولقدرتي المتعسرة على صف السيارة، وجدت موقفا واحدا متبقٍ صففت فيه.

أشعرني ذلك أن المتحف مزدحم بالزوار في الداخل، لكن لم يكن هناك من أحد سواي.
حين دخلت غرفة الاستقبال، أخبرتني الفتاة اللطيفة التي كانت تجلس عند التذاكر أنه علي أن أدفع الأبواب وأتتبع الخريطة، كانت الأبواب ضيقة وغرف العرض كذلك، والتي بدت لا تتسع لأكثر من اثنين بالداخل. أذهلتني غرفة العروس، ثمة أغنية قديمة كانت تصدح من تلك الأغاني التي تغنيها العمانيات قديما، حتى لحنها مع المكان كان يثير في النفس الرهبة التي تشعر بها العروس انتقالا لحياة جديدة مجهولة.
المبخرة والملابس التي كان جلها أخضر، والحلي والمجوهرات و(البنجري المشوك)، و(صرة العروس) المعقودة بالشال، والمندوس، وسرير العروس، كانت مرتبة ومصفوفة بانتظار عروس بعينها، لكن لا هي أتت ولا الزفاف تمّ.
بعد أن دفعت الباب خروجا من غرفة العروس، كان المكان يشبه المتاهة، ممرات تكفي شخصا واحدا للمرور، وبعضها مغلقة تتطلب أن تكتشف أي باب يؤدي إليها، وهذا ما جعلني أبتدئ الجولة من بدايتها؛ لأنني مع توهان الممرات اكتشفت أني تركت كل الأبواب التي دفعتها مفتوحة خلفي، وكان يجب أن أعود لإغلاقها لأترك السؤال نفسه الذي تكوّن لدي للزائر القادم بعدي، «ماذا خلف الباب؟»
كان خلف الباب الذي يفضي من غرفة العروس غرفة ثلاثية مع المطبخ، حوى المطبخ أوان وأدوات قديمة، وبعضا من علب منتجات غذائية قديمة، بعضها لا يزال موجودا حتى الآن ويستخدم في البيوت، وإلى جانب الممر كانت طاولة دراسة مع كرسيها الخشبي عليها مجموعة من الكشاكيل التي كان يكتب الطلاب عليها منذ زمن بعيد.
حتى هذه اللحظة لا يزال المتحف فارغا من الزوار، فارغا من أي كان، وهادئا جدا، حتى وصلت لغرفة الصغار والبيت، التي ما إن رأيت ماكينة الخياطة من نوع «فراشة»، تداعت أمي في المكان، وهي تحيك ملابس العيد لأخواتي، وتطرز الكمة العمانية قبل أن يضعف بصرها، لم أكن قد جربت قط ثوبا من ماكينتها، فالخياطون الهنود كانوا قد انتشروا في بلدتنا حين بدأت أتخلص تدريجيا من ملابس المحال الجاهزة.
تقترب الساعة من الواحدة وكانت الحرارة تشتد، والشمس تعمل بطاقة مضاعفة، فتضاعفت معها الحرارة وقت دخولي للغرفة الشتوية، ففهمت من خلال الملابس الثقيلة على السرير الذي كان أرفع من سرير العروس – وسرير مصبح فيما بعد – واختفاء النوافذ أنها مكان للدفء وقت الشتاء.
كانت «غرفة مصبح» آخر مكان بطابع قديم قادتني إليه ممرات المتحف، توقعت أن يكون «مصبح» اسما متخيلا فقط، وكان ذلك حين فتحت «البروشور» الذي قال: إنها «غرفة تصف الرجل العماني «مصبح» الذي يتخلى عن قريته متوجها إلى مسقط لكسب لقمة العيش في عام 1950» ممثلا بذلك نموذجا للعمانيين الذي غادروا قراهم بحثا عن عمل.
قنديل معلق، وعصا بجانب السرير، وعمامة ملفوفة فوقه، ومسجلة بأغنية بدا أن «مصبح» خرج من البيت متناسيا إطفاءها، وصناديق قديمة صغيرة على الطاولة، وبضع من أوراق قديمة ونعل مطاطي تحت السرير، وقناني أدوية على المنضدة، كلها كانت تشي بأن مصبح لا يزال موجودا وإنما خرج حافيا لمكان قريب، وسيعود مساءً ليطفئ المسجلة ويشعل القنديل، ويغط في نوم عميق.
قبل أن أغادر سألت إن كان بالإمكان أن أصعد للسطح، فكان لي ذلك بعد أن أزالوا الحاجز عن الدرج المؤدي، فصعدت، لكن مطرح ليست من تلك المدن التي لا بد أن تراها من فوق حتى تكتشف أنها جميلة، إنها جميلة على الدوام حتى لو لم تجرب رؤيتها من أماكنها المرتفعة.