كردستان الذاكرة

عادل محمود –

مدينة«ديار بكر» ديارعربية سابقا، كردية لاحقا، تركية حاليا. زرناها، مجموعة شعراء وكتاب سوريين ولبنانيين وفرس وأتراك. وألقينا هناك أشعارا وشهادات، وتلقينا أسئلة واضحة الفضول، وتعليقات صريحة المواقف.
ما أثارني من بين كل ما جرى، هو وقوف شاب وسيم وهادىء ورزين قائلا: «لم أتعلم في بيتنا شيئا عن العدو سوى هذا التعريف: أعداء الأكراد هم: العرب، الفرس، والأتراك، وأنا، حتى هذه اللحظة كنت أكره الثلاثة دون تمييز. لكن ما سمعته اليوم يغيّر تعليمي وتفكيري وموقفي».
ما هو حقيقي، عبر عشرات السنين، هو الدم الكردي المسفوح على خارطة تشمل أراضي بلدان أربعة. إيران وسورية والعراق وتركيا. مبرر الدماء الوحيد هو صراع الهويات. وفي حالة الأكراد هو المصارعة من أجل هوية ومكان تسميه اللغات جميعا « أرض الأحلام» أو الوطن. وبصرف النظر عن كل أخطاء التعاطي مع القضية الكردية، فإن تصحيح هذه الأخطاء في متناول الجميع. والبداية غير المتطرفة الطبيعية والشرعية هي الاعتراف بأن ثقافة أي شعب ملك له، ولا أحد يستطيع فرض سواها عبر تجاهلها، محوها، وإلغائها.
لا يمكن إلغاء اللغة، ولا الأغاني، ولا الطقوس وطرائق العيش. فكل هذا جذر في الجد والحفيد والتاريخ، وكل محاولات إبادة الثقافة ومحو الهوية فشلت حتى عندما كانت الوسيلة هي إبادة البشر أنفسهم. لقد أثبت التاريخ أن القلم أقوى من السكين والأغنية لا يمكن ذبحها، وأن الذاكرة وراثة كالصفات المميزة واللون والشكل، ومن يتبقى من المذبوحين في مجزرة سيظل صدى أبديا مستحيل الإبادة.
في «ديار بكر» ذاكرة مريعة للأكراد. هناك أغلبية مطلقة ومع ذلك لا توجد مدرسة كردية واحدة. وهناك من لا يعرف اللغة الكردية أبدا، ولكنه كردي حتى النخاع في كل شيء. وديار بكر مدينة تضم أكثر من مليوني مواطن، كلهم أكراد وكلهم أتراك. في حياتهم أكراد، وفي نظام وإدارة حياتهم أتراك. وعندما كان على الجميع أن يقتنعوا بمشروع خلق كردستان بقوة السلاح، وعبر برنامج (حزب العمال الكردستاني) بقيادة عبد الله أوجلان المسلح. أبيدت القرى والبلدات فهاجر أهلها، من تبقى من الأهل، إلى ديار بكر، وعندما تخلّى أوجلان، بعد إعلان اختطافه وسجنه، عن برنامج البندقية ظهر حزبه في حلة أخرى بالملامح نفسها والجماهير. وحصل على ترخيص العمل العلني بوصفه حزبا تركيا كرديًا للكفاح السلمي.
بدأت بذلك مرحلة أشبه بالحكم الذاتي دون إعلان، ومرحلة الانفتاح على الآخر دون بندقية، والحوار دون حرائق، والثقافة بلا تحفظ. أي أن هناك نوع من النمو المتدرج من «البيان السياسي» إلى «الكتاب» ومن الشعار إلى البرنامج، ومن الاحتراب العرقي إلى الحوار التعايشي.
على هذا الأساس بدأت بلدية «ديار بكر» الكبرى إقامة مهرجان سنوي للثقافة والحوار والأدب. يشارك فيه المجموع الإقليمي: الفرس والعرب والأتراك والأكراد للبحث في شؤون وشجون منطقة لم تعرف الهدوء. ولم يعترف فيها أحد بأحد.
إن كردستان موجودة في ذاكرة الكرد شعبا وأفردا. وهي ذاكرة موحدة ومؤلمة، لكن كردستان موزعة على أربع دول. وهي مستحيلة في الواقع المنظور، ولذا فإن الأغنية الكردية الحزينة والجارحة بمقدار ما هي بنت الموت والرحيل والعذاب هي صدى لهذا الحلم المستحيل.