«فيروس الإرهاب».. متحور متحول متعدد الأشكال!

أحمد صلاح الدين –

هل يجب التوقف طويلا أمام الأسماء الرمزية للأشياء لاستخلاص المعاني الكامنة عند إطلاقها ودلالاتها الوظيفية؟

أغلب الظن أن ذلك أمر ضروري كون تأمل الرمزية في الأسماء مسألة مهمة لما يمكن استنتاجه من نتائج عن أهدافها وطبيعة تحركاتها، ونحن الآن بصدد اسم رمزي جديد لشكل مختلف من أشكال الإرهاب ألا وهو «خلايا التماسيح» وقد أفاضت التحليلات في شرحها وتحديد الظروف التي نشأت فيها وكذلك أهدافها وآليات عملها، ولكن قد يكون من المناسب في البداية محاولة فهم هذه التسمية ولو على سبيل الاجتهاد، فلو نظرنا إلى التمساح سواء وهو على سطح الماء أو على الأرض باعتباره حيوانا برمائيا سوف نجده في الغالب في حالة سكون فردي أو جماعي وهو في معظم الأوقات في حالة استرخاء شديد لدرجة يصعب معها تحديد ما إذا كان يقظا أو نائما أو حتى ميتا! ويبقى على تلك الحالة لفترات طويلة حتى تسنح له الفرصة فينقض بسرعة البرق على فريسته ويدمرها تماما قبل أن يلتهمها برا أو بحرا.
وفي هذا السلوك ما يشبه الأعمال الإرهابية التي تضرب فجأة وبمنتهى السرعة ومن حيث لا يحتسب الآمنون وتماهيا مع سكون التماسيح يظل الإرهابيون كامنين ما بين اليقظة والنوم حتى تسنح لهم الفرصة فينقضون بمنتهى القوة ويضربون ضرباتهم القاتلة المدمرة، وهم بذلك أقرب ما يكونون إلى فكرة «الخلايا الساكنة»التي هي في حد ذاتها تطوير لفكرة «الخلايا النائمة».
وعودة مرة أخرى إلى مسألة الأسماء ورمزيتها في هذا المجال وما يرتبط به كذلك من «منظومة» العنف الجماعي والتطرف «المؤسسي» والإرهاب «النوعي» لنكتشف على الفور أن الظاهرة الإرهابية هي بالفعل أقرب ما تكون إلى الفيروسات الكونية التي تجيد التحور والتحول والتغير لتتخذ أشكالا جديدة ومواصفات مختلفة للتحايل على برامج المقاومة والفكاك منها، فالأسماء على سبيل المثال لا الحصر حملت إلينا أسماء تنظيمات إرهابية صريحة مثل القاعدة وداعش وبوكو حرام وما ارتبط بها من أفرع حركية للقيام بالمهام العملياتية مثل الخلايا العنقودية والخلايا النائمة والذئاب المنفردة والشعاب السرية، ومن طبيعتها العمل الخفي تحت الأرض لدرجة أن كل شعبة منها لا يعرف أفرادها الشعبة الأخرى وما يربط بينها جميعا وحدة الفكر الإرهابي والمتطرف!
وهذه الظاهرة هي في حقيقة الأمر ليست قاصرة على دول الجنوب دون دول الشمال ولا غربه دون شرقه، فلا تزال الذاكرة تستدعي أسماء جماعات إرهابية مارست الكثير من الأعمال المتطرفة والإرهابية ضد دولها وأبناء شعوبها الأبرياء مثل «الألوية الحمراء» و(بادر ماينهوف) و(كوكلوكس كلان) و(الجيش الجمهوري) و(النازيون الجدد)، وكل من هذه التنظيمات قامت بأعمال مروعة حين وجودها انطلاقا من أفكارها اليمينية شديدة التطرف. ويعني ذلك أننا أمام أسماء متعددة ومتغيرة للجماعات الإرهابية وكذلك أسماء مختلفة للهياكل التنظيمية المرتبطة بها ويمكن اعتبارها بكل تأكيد الأجنحة العسكرية لكل منها مع اختلاف المسميات والآليات، وبذلك يكون الإرهاب ثابت والمتغير فيه هو الشكل وطبيعة الممارسة التنظيمية والحركية مثلما سبقت الإشارة، وكما أن الفيروسات تتحور وتتحول وتغير من صفاتها لكي تنجو من المقاومة وتمارس دورها في القتل، كذلك الإرهاب يتحور ويتحول ليواصل مهامه التدميرية!
والمؤسف في الأمر إذن أن العالم لا يتعلم ولا يستوعب الدرس من التجارب العديدة التي مرت به خلال المراحل المختلفة لمكافحة الإرهاب، ومن نافلة القول إن الإرهاب يحمل كل الصفات السلبية والقميئة، فهو خسيس وغادر.. إلى أخر تلك الصفات المنبوذة، فلم يعرف العالم يوما إرهابيا نبيلا أو رحيما أو رؤوفا بالبشر يحذرهم قبل ضرباته المميتة!
صفاته السيئة التي باتت معروفة في قاموس الأعمال الأمنية والسياسية والإنسانية عموما كانت تحتم نهجا مختلفا في التعامل معه على أكثر من صعيد، ولعل من المفيد هنا في هذا المقام التطرق إلى تجربة الولايات المتحدة مع تنظيم «القاعدة»، فمن المعروف أن هذا التنظيم صنيعة أمريكية أوجدته واشنطن وساندته بالسلاح ووفرت له الأموال والعتاد والعناصر القتالية أبان الغزو السوفيتي للأراضي الأفغانية وبالتحديد خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضي، ولعب هذا التنظيم دورا حاسما بالفعل بالتعاون مع أمراء الحرب الآخرين من الأفغان في كسر شوكة القوات السوفييتية وإجبارها على الانسحاب عام 1989..
إلا أن هذا التنظيم بزعامة أسامة بن لادن وكما هو معلوم في التاريخ المعاصر والقريب جدا سرعان ما أنقلب على واشنطن وأنقض على المصالح الأمريكية في مشارق الأرض ومغاربها، فقام بعمليات إرهابية بالفعل يشيب لهولها الولدان في بريطانيا وأسبانيا وتنزانيا وكينيا وباكستان بتفجير السفارات ثم داخل الأراضي الأمريكية ذاتها مرة في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون بتفجير ضخم في برجي التجارة بنيويورك قبل أن يرى خلفه جورج بوش الابن البرجين وهما ينهاران تماما يوم الحادي عشر من سبتمبر 2001 اليوم الأشهر في تاريخ الإرهاب العالمي على الإطلاق.
واتسم إرهاب القاعدة بالقتل العشوائي للبشر وبدون حساب لعدد الضحايا أو الخسائر العينية والمادية، وأغلب الظن أن القاعدة انقلبت على واشنطن التي رأت أن دور القاعدة قد انتهى بعد نهاية الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، بينما اختلفت القاعدة معها في المصالح والرؤى فبدأت في تكريس وجودها بعمليات إرهابية مروعة بالتضامن مع جماعات إرهابية أخرى مرتبطة بها فكريا وعضويا في بقاع عدة من العالم.
والمثير في الأمر أن القاعدة كانت تعمل جهارا نهارا بلا خلايا نائمة أو ذئاب منفردة لأنها وجدت في أفغانستان ملاذا أمنا وحاضنة مثالية لتخطيط وتنفيذ عملياتها الإرهابية، حتى أطلقت واشنطن حربها الشاملة عليها بعد أشهر قليلة من هجمات سبتمبر.
الخطأ الكبير المراد الإشارة إليه من العرض السابق هو التوظيف السياسي للإرهاب، فالغرب لم يتردد في التحالف مع تنظيمات إرهابية تحقيقا لأهداف ومصالح سياسية خاصة بدوله بغض النظر عن تبعات وتداعيات مثل هذا التصرف.
وعندما نقول أن العالم لم يتعلم من تجاربه السابقة ولم يستوعب الدروس والحكم منها فمرد ذلك أن الخطأ ذاته تكرر ويتكرر مرة أخرى في تجربة «داعش» التي تروع العالم منذ نحو خمس سنوات على وجه التقريب، فالتوظيف السياسي الغربي لتنظيم داعش في منطقة الشرق الأوسط واضح وضوح الشمس لتحقيق مآرب ذاتية خاصة في العراق وسوريا، بل إن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب اتهم بشكل صريح وقاطع إدارة سلفه اوباما بالوقوف وراء ظهور داعش وتمدده بهذا الشكل المخيف.
واليوم يدفع العالم – وليس الشرق الأوسط فقط – ثمنا باهظا لمثل هذه الممارسات النفعية، فالدول الغربية التي تشعر بالرعب المتزايد من الخلايا النائمة تارة ومن الذئاب المنفردة وخلايا التماسيح تارة أخرى تدفع ثمن تجاوزات كثيرة من جانبها في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، وبالتأكيد ليس معنى ذلك على الإطلاق تبرير أي عمل إرهابي في أي بقعة من بقاع الأرض أو ضد أي مجتمع، ولكن المقصود تركيز أضواء كاشفة على بعض الممارسات والخلفيات التي ربما كانت سببا مباشرا في تصعيد الإرهاب وتعدد أشكاله.

فإذا ما كان الحديث عن أسباب أخرى أضافية يمكن رصدها في هذا المقام فهي بلا شك ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا العالم وغياب العدالة والديمقراطية الدولية وكذلك غياب الرؤية الشاملة التي تضع التنمية الاقتصادية والاجتماعية على رأس منظومة الإصلاح الشاملة الكفيلة بالتصدي للأفكار المتطرفة والقضاء على البيئة الحاضنة للأفكار الهدامة وصناعة الإرهابيين، أضف إلى ذلك ضرورة أن تخوض الدول الغربية حربا معلوماتية رفيعة المستوى تشمل الدول المعنية في الجنوب بحيث لا تتركها فريسة سهلة للجماعات الإرهابية، فكل تعاون مع تلك الدول خاصة فيما يتعلق بالتمويل واتصالات المجموعات الإرهابية بالقطع ينعكس إيجابا على دول الشمال التي تخشى خروج «التماسيح» من مياه عطنة راكدة تمثل في الغالب البيئة الصالحة لمعيشتها وتحركاتها.